ملخص
وفق مؤرخين، ترتبط الجذور التاريخية لمصطلح "حل الدولتين" بصورة كبيرة بعام 1947، عندما اقترح قرار الأمم المتحدة رقم 181 إنشاء دولتين يهودية وعربية، بعد نحو عقد من شرارة الثورة الفلسطينية 1936.
في الوقت الذي تصدر فيه البيانات الدبلوماسية من أروقة العواصم الغربية وهيئات الأمم المتحدة متمسكةً بعبارة "حل الدولتين كخيارٍ استراتيجي لا بديل عنه"، تدور على الأرض في الضفة الغربية والقدس وغزة دراما جغرافية وسياسية تُكذب تلك البيانات جملةً وتفصيلاً.
بالنسبة إلى المواطن الفلسطيني الذي يخوض رحلة يومية مضنية عبر حواجز الضفة الغربية، أو ذلك الذي يرقب قمم الجبال يتحول لونها من الخضرة الزراعية إلى كتلٍ إسمنتية استيطانية تتمدد بلا توقف، لم يعد السؤال مطروحاً حول "متى ستُقام الدولة الفلسطينية؟"، بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً وواقعية: "عن أي أرضٍ تتحدثون، وما الذي يتبقى منها لكي تُقام عليه دولة؟"
لقد انتقل الصراع العربي - الإسرائيلي من مربع "النزاع على حدود بين كيانين مستقبليين" إلى مربع جديد يتسم بحسم إسرائيلي أحادي وميداني للسيطرة السيادية من نهر الأردن إلى البحر المتوسط. ومع وصول التيارات اليمينية المتشددة إلى هرم السلطة في إسرائيل، لم تعد الاستراتيجية تقتصر على إدارة الصراع أو تعميق الاستيطان الهامشي، بل انتقلت إلى الهدم الإداري والجغرافي الكامل للركائز التي بُنيت عليها اتفاقيات أوسلو 1993 و1995، وتحويل الفضاء الفلسطيني إلى مجرد معازل بؤرية مقطعة الأوصال.
وبين تباين صارخ بين الخطاب الدبلوماسي العاطفي والواقع الميداني الصارم على الأرض، تُظهر الخريطة الديمغرافية والعمرانية في الضفة الغربية والقدس الشرقية أن مشروع إلغاء إمكان قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقابلة للحياة ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تخطيط منهجي تراكمي بلغ ذروته في السنوات الأربع الأخيرة.
وفق مؤرخين، ترتبط الجذور التاريخية لمصطلح "حل الدولتين" بشكل كبير بعام 1947، عندما اقترح قرار الأمم المتحدة رقم 181 إنشاء دولتين يهودية وعربية، بعد نحو عقد من شرارة الثورة الفلسطينية 1936.
ديموغرافيا استيطانية
لم يعد الاستيطان الإسرائيلي مجرد بؤر سكنية معزولة على قمم الجبال، بل تحول إلى مجتمعات حضرية متكاملة تتمتع ببنية تحتية فاخرة وترتبط مباشرة بالداخل الإسرائيلي. ووفق بيانات مجلس المستوطنات الإسرائيلية (يشع) وتقارير مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الانسان في الاراضي المحتلة (بتسليم) ومركز الأبحاث التطبيقية - أريج، تجاوز إجمالي عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية 750 ألف إلى 770 ألف مستوطن.
يتركز نحو 250 ألفاً منهم في القدس الشرقية ونواحيها ضمن مخطط "القدس الكبرى"، بينما يتوزع أكثر من 540 ألف مستوطن على باقي محافظات الضفة الغربية. ويسجل النمو السكاني داخل المستوطنات نسباً تتجاوز ضعف معدل النمو الطبيعي داخل إسرائيل نفسها، نتيجة للحوافز المالية والتسهيلات الضريبية التي تقدمها الحكومة لتشجيع الاستيطان.
وأظهرت الإحصائيات الصادرة عن معهد أريج وهيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، أن عدد المواقع الاستيطانية في الضفة والقدس تجاوز 592 موقعاً، تنقسم إلى 176 مستوطنة معترف بها رسمياً وتتمتع بمخططات هيكلية واسعة. وعشرات البؤر الرعوية والعشوائية التي شُيّدت بقرارات غير رسمية ثم حظيت بغطاء أمني وخدماتي كامل، وتحديداً من خلال شرعنة وإعلان أكثر من 54 مستوطنة وبؤرة جديدة خلال العام الماضي وحده، وهو المعدل الأعلى تاريخياً منذ عام 1967.
تقليص المساحة
عبر الآليات الإدارية والأمنية، سيطرت السلطات الإسرائيلية والمستوطنون على نحو 42 في المئة من المساحة الإجمالية للضفة الغربية؛ حيث جرى استغلال أداة إعلان "أراضي الدولة" و"المحميات الطبيعية" والمناطق العسكرية لمصادرة آلاف الدونمات.
وفي النصف الأول من العام الجاري، استهدفت مخططات المصادرة أكثر من 22 مليون متر مربع من الأراضي الخاصة والعامة التابعة للقرى والبلدات الفلسطينية. ومثّل تشكيل الحكومة الإسرائيلية المتطرفة برئاسة بنيامين نتنياهو وتولّي بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير الحقائب الوزارية الرئيسية، نقطة تحول جذرية أطاحت بقواعد اللعبة الضابطة للوضع الميداني.
فاستحدث سموتريتش منصب "وزير في وزارة الدفاع" وتولى صلاحيات "الإدارة المدنية"، مما يعني عملياً إنهاء الحكم العسكري للضفة الغربية ونقل صلاحياته لموظفين مدنيين تابعين لليمين الاستيطاني. وقد أدى هذا التغيير إلى تسهيل المصادقة على دفع مخططات لبناء أكثر من 40,000 وحدة سكنية استيطانية، وانتزاع صلاحيات البناء والتخطيط في أجزاء واسعة من مناطقي (أ) و (ب) المحاذية للمستوطنات والجدار، وهدم المنشآت الفلسطينية فيها بحجة "الدواعي الأمنية والتاريخية".
وعبر وزارة الأمن القومي برئاسة بن غفير، جرى تسهيل إجراءات الحصول على السلاح وتوزيع عشرات آلاف القطع العسكرية على المستوطنين وتشكيل "الفرق التكتيكية لحماية المستوطنات". نتج عن ذلك ظاهرة "البؤر الرعوية المسلحة" التي تتولى مهمة التضييق على التجمعات البدوية ورعاة الغنم الفلسطينين.
وبحسب تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، أدت الاعتداءات المنظمة وتدمير شبكات المياه وحرق الممتلكات إلى تهجير أكثر من 25 إلى 30 تجمعاً بدوياً ورعوياً فلسطينياً بالكامل في مناطق مسافر يطا والأغوار والأشرطة الشرقية لرام الله والقدس، حيث أُجبر السكان على المغادرة خوفاً على حياتهم.
فجوة هائلة
تكشف استطلاعات الرأي العام الحديثة الصادرة عن مراكز أبحاث دولية ومحلية مثل "البارومتر العربي" بالتعاون مع مجلة Foreign Affairs، والمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية (PSR)، ومؤسسات الاستطلاع الإسرائيلية —فجوة هائلة ومفارقة سياسية بين رؤية الفلسطينيين والإسرائيليين لما يعرف بحل الدولتين.
وبخلاف الانطباع السائد بأن الحرب والتصعيد قد يزيدان من الرفض الشديد للحلول الدبلوماسية، أظهرت البيانات عودة للبراغماتية والتأييد السياسي للحلول المباشرة. حيث بلغت نسبة التأييد لحل الدولتين على حدود 1967 في قطاع غزة نحو 61 إلى 64 في المئة، بينما سجلت في الضفة الغربية نحو 56 في المئة.
بينما تراجع التأييد لخيار "الدولة الواحدة ذات الحقوق المساواة" ليصل إلى نحو 5 في المئة فقط في غزة، نتيجة القناعة باستحالة اندماج المجتمعين في ظل حالة العداء المباشرة. وأظهر 50 في المئة من سكان غزة وأكثر من 25 في المئة من سكان الضفة استعدادهم لتأييد
خطوات الاندماج والتطبيع الإقليمي والدولي إذا كانت مشروطة بمسار زمني ملزم وغير قابل للرجعة يؤدي لإقامة الدولة الفلسطينية.
في حين أشار أكثر من 52 في المئة من المستطلعة آراؤهم إلى عدم ثقتهم بأداء السلطة الفلسطينية أو الفصائل التقليدية، مطالبين بتجديد الشرعيات عبر انتخابات شاملة. على الجانب الآخر، تظهر النتائج انزياحاً كبيراً ونمواً رافضاً لأي تنازلات جغرافية أو أمنية.
وأظهرت الاستطلاعات أن 67 في المئة من الإسرائيليين يرفضون رفضاً قاطعاً إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وأشار أكثر من 70في المئة إلى أن إنشاء كيانٍ سيادي فلسطيني مجاور يشكل "تهديداً وجودياً كبيراً" يكرر سيناريوهات التصعيد العسكري.
فيما انخفضت نسبة المؤيدين لحل الدولتين داخل الشارع اليهودي الإسرائيلي إلى أدنى مستوياتها التاريخية مراوحة ما بين 20 و25 في المئة فقط، مع تفضيل 47 في المئة للحفاظ على السيطرة العسكرية التامة حتى لو كان الثمن خسارة فرص الاندماج الإقليمي.
ضرورة أمنية
الرئاسة الفلسطينية وعلى لسان ناطقها نبيل أبو ردينة أوردت مراراً نقلاً عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس قوله "إن حل الدولتين المستند لقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية هو المفتاح الوحيد لإنهاء الصراع. وأي مساعٍ لإيجاد ترتيبات أمنية أو إدارية بمعزل عن قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية لن تحقق الأمن لأحد في المنطقة."
ووفق وثيقة المبادئ السياسية والتصريحات الرسمية لقيادة الفصائل الفلسطينية اعتبرت حركة "حماس" أن "إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران 1967، مع عودة اللاجئين، هي صيغة للتوافق الوطني المرحلي، دون التنازل عن الحقوق التاريخية أو الاعتراف بشرعية الاحتلال."
في المقابل، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، صراحة في مؤتمرات صحفية وخطابات رسمية " لن أتنازل عن السيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة على جميع الأراضي الواقعة غرب نهر الأردن. إن قيام دولة فلسطينية في هذه الأوقات سيكون بمثابة جائزةٍ مجانية للإرهاب وتهديداً مباشراً لسيادة إسرائيل."
وقد صرح وزير المالية سموتريتش خلال اجتماعات كتلة الصهيونية الدينية أكثر من مرة "إن مهمة حياتي السياسية هي منع قيام دولة فلسطينية بين النهر والبحر. نحن نغير الواقع على الأرض لنفرض السيادة الإسرائيلية بصورة دائمة وغير قابل للإلغاء."
وبين صراحة نتنياهو ومهمة سموتريتش، أصدر الكنيست الاسرائيلي رسمياً في 17 يوليو(تموز) 2024 بغالبية ساحقة قراراً تشريعياً جاء فيه "يرفض كنيست إسرائيل بشكل قاطعٍ إقامة دولة فلسطينية على أي جزء من أراضي غرب نهر الأردن، لما يشكله ذلك من خطر وجودي على دولة إسرائيل ومواطنيها." وبين هذا وذاك، يصرح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش باستمرار "إن إنكار حق الشعب الفلسطيني في بناء دولته المستقلة أمر غير مقبول إطلاقاً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويؤكد أن غياب حل الدولتين "يرسخ دائرة العنف والاضطراب التي تهدد الأمن والسلم الدوليين." وعبر عبر بيانات المفوضية الأوروبية بيّن الاتحاد الأوروبي في مناسبات عدة أن "تطبيق حل الدولتين لم يعد مجرد خيار تفاوضي يُترك لرغبة الأطراف، بل أصبح ضرورة أمنية دولية يستوجب حمايتها عبر الاعتراف المباشر والمستمر بالدولة الفلسطينية."
فيما أشار التحالف العربي والإقليمي (تحالف عسكري تقوده المملكة العربية السعودية بمشاركة دول عربية وإسلامية) "إن الاستقرار الإقليمي والعلاقات الطبيعية والمستدامة في المنطقة مرهونة بإنهاء الاحتلال وإطلاق مسار زمني محدد وغير قابل للتقويض يؤدي لإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة."
مقارنة ميدانية
ينص "حل الدولتين" دولياً على ضرورة وجود إقليمٍ متصل يربط الضفة الغربية بقطاع غزة. إلا أن الواقع الميداني القائم على الأرض يظهر معازل وكانتونات سكنية تفصل بينها 592 بؤرة ومستوطنة وحواجز عسكرية.
إضافة إلى أن القدس الشرقية التي نص عليها كعاصمة للدولة الفلسطينية، طُوقت بحزامٍ استيطاني كامل ضمن مخطط "القدس الكبرى" غيّر معالم الديمغرافيا والهوية. وعلى الرغم أن الرؤية الدولية لـ "حل الدولتين" عبر التاريخ نصت على سيادة مدنيةٍ وأمنية كاملة على الحدود والموارد الفلسطينية إلا أن إسرائيل تفرض سيطرةً أمنية مطلقة وتسحب صلاحيات التخطيط حتى في مناطق (أ) و (ب).
وصادرت إسرائيل أكثر من 42 في المئة من الأراضي الفلسطينية وسيطرت كلياً على المياه والمجال الجوي الفلسطيني رغم أن الحل نص على أن تكون الموارد الطبيعية والأحواض المائية والأراضي الزراعية تحت إدارةٍ فلسطينية.
عند تجميع أجزاء المشهد، من قفزات أعداد المستوطنين، ومصادرة الأراضي، وتقطيع أوصال جغرافيا الضفة، إلى تصريحات المسؤولين الإسرائيليين وتصويت الكنيست. يتبين أن "حل الدولتين" بشكله التقليدي القائم على مفاوضات أوسلو1993 و1995 قد انتهى عملياً على الأرض.
لقد أفرغت السياسات الميدانية فكرة "الدولة الفلسطينية ذات السيادة والمتصلة جغرافياً" من مضمونها، وتحول المفهوم إلى شعارٍ تفاوضي تُردده القوى الدولية للهروب من مسؤولية مواجهة الواقع الجديد. إن ما يشهده الميدان اليوم ليس تعثراً مؤقتاً لمسار السلام، بل هو تأسيس لواقع واقعي يقوم على نظام السيطرة السيادية الأحادية، يُحشر فيه الفلسطينيون داخل جزر خدماتية معزولة بلا سيادة ولا حدود.
إن الاستمرار في بيع أوهام "حل الدولتين" دون اتخاذ خطوات دولية حازمة لتفكيك القواعد الاستيطانية وإلغاء إجراءات المصادرة، يعيد إنتاج المأزق ذاته. وسيُبقى المنطقة أمام خيارين لا ثالث لهما في المستقبل: إما الانزلاق نحو مواجهاتٍ ميدانية متجددة لا تتوقف، أو انتقال النزاع مستقبلاً من المطالبة بـ "دولة مستقلة جغرافياً" إلى المطالبة بـ "الحقوق المدنية والسياسية الكاملة لكل السكان بين النهر والبحر" وهو السيناريو الذي تخشاه إسرائيل ديموغرافياً وسياسياً أكثر من أي خيار آخر.