ملخص
يرى المتخصص في الشأن التيغراوي، محاري سلمون، أن "قيادة جبهة تحرير شعب تيغراي تعتمد دوماً على حرب العصابات، نظراً إلى تاريخها الطويل منذ فترة النضال التحرري، ليس لأنها أكثر تفوقاً في هذا النوع من المواجهات فحسب، بل أيضاً لإدراكها الفارق الموضوعي، من ناحية العتاد والقوة البشرية، بين قواتها ومقدرات الجيش الفيدرالي الإثيوبي، ومن ثم فهي تفضل الانسحاب نحو الجبال الوعرة، للحفاظ على قواتها، واستدراج الجيش النظامي في مناطق تتمتع فيها بميزات استراتيجية".
انتشرت قوات إريترية في الأيام الأخيرة حول مدينة أديغرات في شمال إقليم تيغراي، وهي منطقة قريبة من إريتريا ويبدو أن القوات الإثيوبية تتجه نحوها، وفق ما أفادت مصادر متطابقة اليوم الأربعاء، في ظل تصاعد التصريحات الحربية المتبادلة بين إثيوبيا وإريتريا.
وأشار مسؤول محلي وسكان إلى وجود قوات إريترية في أديغرات التي تبعد نحو 40 كيلومتراً جنوب الحدود الإريترية، موضحين أن بعض هذه القوات تتجه جنوباً نحو ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي (شمال إثيوبيا).
وكانت المواجهات العسكرية تراجعت منذ أن سيطر الجيش الفيدرالي الإثيوبي، و"قوات سلام تيغراي" المتحالفة معه، على مدينة ميكيلي، وشرعت الحكومة الفيدرالي في ما يشبه التهيئة لمرحلة انتقالية جديدة، من خلال جملة تدابير، من بينها الإعلان عن قرب تشكيل إدارة موقتة للإقليم الشمالي والذهاب إلى انتخابات تشريعية خلال الأشهر المقبلة، بحسب ما أعلن الوزير أبراهام بلاي، الذي عين أخيراً رئيساً للمفوضية الإثيوبية للطاقة النووية.
فهل انتهت الحرب عند محطة ميكيلي؟ وأين اختفت عناصر "جبهة تحرير شعب تيغراي"؟ وما وضع المدن الكبرى مثل أكسوم (المدينة التاريخية) وعدوا (المعقل الرئيس لقيادات الجبهة) وغيرها من المناطق؟
تعهد بالتقدم
من جهته دعا قائد "قوات سلام تيغراي"، العميد جبري إغزيبار بيني، الميليشيات والشرطة إلى المشاركة في ضمان السلام وحماية ممتلكات المواطنين، في مدينية ميكيلي، مؤكداً أن قواته "ستتوجه إلى وسط تيغراي قريباً، لتحرير بقية المدن"، من دون أن يحدد موعداً لذلك.
إلا أن شهود عيان في ميكيلي قالوا لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، قسم اللغة الأمهرية، إن انسحاب قوات دفاع تيغراي من المدينة من دون وقوع معارك في المدينة، أثار شكوكاً لدى المواطنين، مشيرين إلى أن المدينة تشهد هدوءاً مشوباً بالقلق. وقال أحد المواطنين يسمى تيدروس للإذاعة "لم يكن أحد يعلم متى أو كيف أو إلى أين ذهب قادة جبهة تحرير شعب تيغراي، ففي ظل انقطاع خدمات الهاتف وشبكة الإنترنت، كان من المستحيل معرفة ما يجري على وسائل التواصل الاجتماعي"، وأضاف، "لم نتمكن من الحصول على أي معلومات، كان الوضع صعباً للغاية".
إعادة تنظيم الصفوف
من جهتها قالت منظمة "أكليد" (ACLED) إن الجيش الفيدرالي نفذ في الخامس والسادس من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، ضربات ممنهجة بطائرات مسيرة في منطقة ورقمبا، وهي منطقة في وسط تيغراي يعتقد أن معظم مسؤولي "جبهة تحرير شعب تيغراي" يختبئون فيها.
وفي مدينة "وقرو" وسط تيغراي، قال شهود عيان لإذاعة "تيغراي فوروم"، إنهم شاهدوا دخول قوات الجبهة إلى المدينة، بعد انسحابها من عاصمة الإقليم، وذكر أحد السكان "كان جنود الجبهة منهكين، وجائعين، وبدا على كثير منهم أنهم مروا بتجربة قاسية للغاية". ودخل آخرون، من بينهم أفراد من الوحدات العسكرية الرابعة والثالثة، مدينة "وقرو" في مركبات عسكرية بشكل منظم. ووفقاً للمصدر ذاته، فإن وحدات عسكرية عدة من تيغراي، بما في ذلك الوحدات المعروفة باسم الجيوش 21 و31 و32 و33، توجد في "وقرو" منذ الخميس، وتعمل على إعادة تنظيم صفوفها لمواجهات محتملة مع الجيش الإثيوبي في وسط تيغراي.
من جهته نقل موقع "بي بي سي" الناطق باللغة التغرينية، أن شهود عيان أفادوا بأن قوات تيغراي تعيد تنظيم ارتكازها العسكري منذ السبت الماضي في مناطق وقرو، وزاينا، وتسيغيريدا قرب سلسلة جبال جيرالتو.
وقال شاهد "تأكدت من أنهم ينصبون أسلحة ثقيلة، ويبنون قاعدة في اتجاه زاينا-تسيغيريدا".
في المقابل أفادت مصادر بأن الجيش الحكومي وقوات حفظ السلام في تيغراي يستعدون لمغادرة ميكيلي والتوجه إلى أغولا، وهي بلدة صغيرة قرب وقرو.
إلا أن مصادر تيغراوية كشفت لموقع "بي بي سي" أن قوات "جبهة تحرير شعب تيغراي تتمركز" في منطقة ألاسا أمام هاغيري سلام.
وقال بيريكيت، وهو من سكان وقرو، وعضو سابق في قوات جبهة تيغراي، إن "التجمع في المنطقة أثار حالاً من الخوف الشديد بين السكان. ويعزز ذلك احتمالات واسعة لتجدد الاشتباكات بين القوات المتنازعة في المنطقة، في ظل إعادة قوات تيغراي تنظيم صفوفها في مواقع متفرقة، بينما تتجه القوات الحكومية نحو منطقة أغولا برفقة وحدات من قوات حفظ السلام التابعة لتيغراي".
ووفقاً لمصادر متطابقة، فإن القوات الفيدرالية وحلفاءها تحركوا لتعزيز سيطرتهم على المناطق الشرقية من بحيرة ميشال وأغولا. ومن المرجح أن تندلع اشتباكات بين هذه القوات المتنازعة وقوات تيغراي المتمركزة في منطقة أتسبي. ويشعر السكان بالقلق لأن القوات تقترب من بعضها بعضاً، ويتساءلون عما إذا كانت جولة أخرى من القتال ستستمر.
وقال أحد السكان لموقع "تيغراي فوروم"، إنه "لم تقع اشتباكات كبيرة في المنطقة خلال الأيام الأخيرة، لكن الأجواء لا تزال متوترة". وقال تيدروس تيلاهون، وهو من سكان ميكيلي ويعمل في منظمة غير حكومية دولية "نأمل في أن يستمر الهدوء في ميكيلي. شعب تيغراي لا يريد الحرب، لقد قدموا تضحيات كافية".
حرب استنزاف طويلة
بدوره يرى المتخصص في الشأن التيغراوي، محاري سلمون، أن "قيادة الجبهة تعتمد دوماً على حرب العصابات، نظراً إلى تاريخها الطويل منذ فترة النضال التحرري، ليس لأنها أكثر تفوقاً في هذا النوع من المواجهات فحسب، بل أيضاً لإدراكها الفارق الموضوعي، من جهة العتاد والقوة البشرية، بين قواتها ومقدرات الجيش الفيدرالي، ومن ثم فهي تفضل الانسحاب نحو الجبال الوعرة، للحفاظ على قواتها، واستدراج الجيش النظامي في مناطق تتمتع فيها بميزات استراتيجية".
ويتابع أن "الجبهة تدرك جيداً أن تلك المناطق تمثل قاعدة شعبية مهمة لقواتها، إلى جانب تفوقها في حرب العصابات بعكس الجيش الفيدرالي الذي يحبذ المواجهات الحاسمة"، ويضيف أن "حرب 2021 كشفت عن أن قوات الجبهة تمكنت من استعادة معظم المدن في تيغراي بعد انسحابها منها بنحو ثمانية أشهر، مما أهلها للتفاوض في بريتوريا من موقع قوة".
ويشير إلى أن "الفارق الجوهري بين تلك الحرب، والمعارك الدائرة الآن، هو أن الجيش الفيدرالي أصبح أكثر تسلحاً بالتكنولوجيا الحديثة التي تمكنه من رصد تحركات قوات الجبهة عبر رادارات دقيقة، إضافة إلى الإسناد الفني والتكتيكي الذي يتمتع به نتيجة تحالفه مع عناصر منشقة من قوات الجبهة، بخاصة أن معظمهم خاضوا الحرب الماضية إلى جانب قوات الجبهة".
تردد الحلفاء
ويقدر المتخصص في الشأن التيغراوي أن "قادة الجبهة توقعوا فعالية أكبر من القوى الأخرى المنضوية ضمن 'التحالف من أجل البقاء'، عبر شن هجوم منسق، في أربعة أقاليم، بشكل متزامن، وذلك بغرض تشتيت تركيز القوات النظامية، وشل قدرتها على صد الهجوم، إلا أن القوى الأخرى لم تف بالتزاماتها بالنحو المخطط له، ومن ثم تم اللجوء إلى ما تسميه الجبهة بالانسحاب التكتيكي من المدن، بغرض الحفاظ على قدراتها وإعادة تنظيم صفوفها، مما يرجح خوض حرب استنزاف طويلة نسبياً".
ولفت سلمون إلى أن "الاعتقاد بقرب انتهاء الحرب، توصيف غير دقيق، إذ يحتمل أن تعود المواجهات بشكل أكثر عنفاً خلال الأسابيع والأشهر المقبلة". ونوه "بإمكان الالتفاف على الجيش الفيدرالي بخاصة أنه يتحرك بخط مستقيم في العمق التيغراوي، فيما تتمدد قوات الجبهة بشكل أفقي متفرق".
ويقر المحلل التيغراوي بأن "ثمة قصوراً كبيراً تشهده الجبهة في التعبئة الشعبية، قياساً بما كان سائداً خلال حرب 2020- 2022"، مشيراً إلى أن "ذلك عائد لحال الانقسام السياسي، الذي شهدته قيادة الجبهة، إلى جانب أن المجتمع التيغراوي أنهكته الحروب وأضحى يبحث جدياً عن السلام، فضلاً عن أن سيطرة الجبهة الشعبية على مقاليد السلطة في تيغراي منذ بداية التسعينيات أسهمت في تقليص شعبيتها وتآكل مشروعيتها السياسية والقانونية".
ويرجح أن "يكون الوجود الفعلي لعناصر الجبهة بمن فيهم قياداتها العسكرية والسياسية، في مواقع متفرقة وليس بالضرورة في منطقة واحدة، لا سيما أنها اعتمدت هذا النوع من الانتشار في حروبها السابقة لأسباب أمنية وعسكرية"، ويضيف أن "ثمة خبرة طويلة يتمتع بها جهاز الأمن التابع للجبهة في تأمين وجود القيادات العليا في مواقع ريفية بمساعدة الأهالي".
اختراق استراتيجي
من جانبه يرى المتخصص في الشؤون الإثيوبية، بيهون غيداون، أن "تعرض قوات الجبهة لهزيمة عسكرية في مدينة الماطا، دفعها إلى الانسحاب من ميكيلي من دون قتال وذلك بغرض الحفاظ على ما تبقى من قواتها البشرية والعسكرية"، مشيراً إلى أن خطاب قائدها ديبرتسيون جبري ميكائيل (الخميس الماضي) كان يتضمن إشارات واضحة للانسحاب من المدن الكبرى، التي لم تعد الجبهة تحظى بتأييد شعبي فيها، بخاصة في ظل وجود قيادات تاريخية للتيغراي، في الجبهة المقابلة الموالية للحكومة الفيدرالية.
ويضيف غيداون "من الخطأ الاعتقاد أن التفوق العسكري بما في ذلك العامل التنكولوجي كافٍ لتبرير هزيمة قوات الجبهة في الماطا وصولاً إلى ميكيلي"، موضحاً أن "ثمة أسباب عدة، من بينها تآكل الشرعية التي كانت تحظى بها الجبهة طوال العقود الأربعة الماضية، إضافة إلى الاختراق الذي تعرضت له، نتيجة الانشقاقات التي حدثت في أعلى هرم السلطة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويدلل المتحدث ذاته على ذلك بالقول إن "معظم الذين قادوا الحرب عام 2020 من خلال ما سمي ’القيادة المركزية للحرب‘ (Central Command)، ثم خاضوا معركة سياسية ضمن وفد الجبهة في مفاوضات بريتوريا للسلام، أصبحوا الآن إلى جانب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في حربه ضد قوات تيغراي"، مشيراً إلى أن "الجنرال صادقان ولدي تنسائي، والقيادي جيتاتشوا ردا، كانا عضوين في القيادة المركزية للحرب كذلك فإنهما من وقعا اتفاق بريتوريا ممثلين للجبهة، وكلاهما الآن يقف مع الجيش الفيدرالي".
ويخلص إلى القول إن "أعلى هرم في قيادة الجبهة تعرض لاستنزاف واضح، كذلك انشق عشرات القادة العسكريين من الصفين الأول والثاني لقوات الجبهة، وكان لهذا العامل دور واضح في تفكيك المنظومة العسكرية والأمنية للجبهة، نظراً إلى الخبرة الطويلة التي يتمتع بها هؤلاء حول الخطط والبدائل التي قد تلجأ إليها القيادة العسكرية لقوات تيغراي".
غياب القدرة
ويرجح بيهون ألا يواجه الجيش الفيدرالي وحلفاؤه صعوبة كبيرة في تحرير بقية المدن، بخاصة أنه يعتمد بشكل أساس على الغارات الجوية المركزة، فيما تتم المعارك البرية بعد تمشيط الخنادق من وجود القوات التيغراوية التي لا تزال تعتمد على خطط حروب تعود لفترة الحرب الباردة، فباستثناء استخدامها المحدود للطائرات المسيرة، بشكل استعراضي في استهداف بعض المواقع، فإنها لا تزال تعتمد على نظام الحرب التقليدية".
ويعتقد بيهون أن "استخدام الطائرات المسيرة من قبل التحالف المعارض، وإن كان عاملاً جديداً في مجريات المواجهة، إلا أنه لم يثبت حتى الآن قدرته على تغيير نهج الحرب ولا تكتيكاتها العسكرية، بخاصة أن تلك الهجمات ظلت محدودة وتعتمد على الاستعراض أكثر منها على تحقيق أهداف عسكرية فعلية". ويعزو ذلك "أولاً، لمحدودية عدد تلك الغارات، وذلك قد يكون عائداً لمحدودية امتلاك هذا النوع من السلاح، وثانياً، لحداثة التجربة، إذ أضحى واضحاً أن تلك الغارات لم تنجح في إصابة أي أهداف عسكرية، بصورة تضعف قدرات القوات الفيدرالية".
تحالف هش
من جهة أخرى يرى غيداون أنه "على عكس الحروب الماضية، فإن قيادة جبهة تحرير شعب تيغراي، اعتمدت هذه المرة على تحالف يضم كيانات سياسية وعسكرية، لا يجمع في ما بينها شيء سوى معاداة النظام، في حين تفتقد القدرة الحقيقية والفعالية المطلوبة في ميادين القتال، كذلك فإنها تتمتع بقدر عال من الشكوك تجاه مخططات جبهة تيغراي البعيدة الأمد، ومن ثم لم تستجب لمتطلبات المواجهة التي أطلقتها الجبهة بصورة عاجلة وغير مدروسة بما يكفي".
ويوضح أنه "تحالف هش تم تشكيله على عجل، من دون معالجة تذكر للتناقضات الجوهرية بين مكوناته، كذلك لم يمنح الفرصة لبناء الثقة، قبل أن تقحمه الجبهة في هذه الحرب غير المبررة منطقياً".
وبناءً على ذلك يرى المحلل الإثيوبي أن "التحالف يحمل بذور فنائه داخله، ولن ينجح في إنقاذ قوات الجبهة من هذه الحرب"، لكنه يقر في الوقت ذاته بأن "الحرب لم تنته بعد، إذ ستعمل الجبهة على إعادة تنظيم صفوفها والدخول في مواجهة حياة أو موت".