ملخص
أوضح السديري أن المؤسسات المالية الأجنبية هي الأكثر استخداماً للخوارزميات في السوق السعودية، فيما تراقب الهيئة هذه التداولات بهدف ضمان العدالة بين مختلف فئات المستثمرين.
تدخل سوق الأسهم السعودية مرحلة جديدة من الإصلاحات التنظيمية تستهدف معالجة تحديات ظهرت خلال العامين الماضيين، في مقدمتها أداء بعض الطروحات الأولية وتراجع مشاركة المستثمرين الأفراد، وسط تحركات لإعادة توزيع المسؤوليات بين أطراف عملية الطرح وتشديد الرقابة على بعض الممارسات، بالتوازي مع العمل على زيادة جاذبية السوق أمام المستثمرين المحليين والأجانب.
وكشف رئيس مجلس هيئة السوق المالية السعودية مازن السديري عن خطة عمل لا تتجاوز 90 يوماً لإطلاق حزمة من الإصلاحات، مؤكداً أن استعادة الثقة وتحقيق العدالة بين المتعاملين يمثلان محور المرحلة الجديدة، وأن الهيئة ستتعامل بمرونة مع التنظيمات بما يسمح بتشديدها أو تخفيفها وفق متطلبات السوق وطبيعة كل طرح.
وفي أول مقابلة إعلامية له منذ تعيينه رئيساً للهيئة، قال السديري لـ"العربية بيزنس" إن التوجيه الذي تلقاه عند تكليفه كان واضحاً في شأن "خلق العدالة في السوق وتعزيز كفاءتها"، موضحاً أن التطورات التي شهدتها السوق خلال العامين الماضيين، ومن بينها ارتفاع عدد الأسهم التي تراجعت وجودة بعض الاكتتابات وانخفاض مشاركة الأفراد، فرضت الحاجة إلى تحركات تنظيمية جديدة.
إعادة ضبط سوق الطروحات
ويبدو ملف الطروحات الأولية في صدارة أولويات الهيئة، إذ كشف السديري عن مراجعة الطريقة التي تُقاس بها جودة الاكتتابات ونجاحها، معتبراً أن ارتفاع معدلات التغطية لا يقدم بمفرده دليلاً كافياً على وجود طلب استثماري حقيقي.
وأردف أن "غالبية الطلبات في بعض الطروحات لا تعكس طلباً حقيقياً"، مشيراً إلى أن الهيئة تستهدف إعادة تحديد المسؤوليات في عملية الطرح بين جميع الأطراف، بما يشمل الشركة المصدرة والمستشارين ومديري الاكتتاب والجهات الأخرى المشاركة في العملية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية في ظل اعتماد السوق تقليدياً على حجم الطلب ونسب التغطية كأحد أبرز المؤشرات إلى نجاح الاكتتاب، بينما يطرح السديري معياراً أوسع يمتد إلى ما بعد الإدراج، إذ يرى أن أداء السهم في السوق يمثل مؤشراً مهماً إلى تقييم نجاح الطرح ومدى قدرته على خلق قيمة للمستثمرين.
وكشف رئيس هيئة السوق المالية عن إجراء تحقيقات في طروحات سابقة واكتشاف ثغرات فيها، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن توجه الهيئة ليس تحويل الرقابة إلى عامل يثير القلق لدى الشركات والمستثمرين.
وقال إن "دور الهيئة ليس دور الشرطي بل دور المنظم"، مضيفاً أن الهيئة يجب أن تكون "مصدراً للثقة وليست مصدراً للتخويف".
تنظيم أكثر مرونة واستعادة الثقة
وتشير تصريحات السديري إلى توجه نحو نموذج تنظيمي أكثر مرونة، بدلاً من تطبيق متطلبات موحدة بمعزل عن ظروف كل عملية طرح، إذ أكد أن الهيئة قد تشدد أو تخفف التنظيمات مع كل طرح إلى أن تصل إلى التوازن المناسب.
والهدف، بحسب رئيس الهيئة، هو إعادة الثقة لسوق الاكتتابات من خلال رفع جودة الشركات المطروحة وتحسين مسؤولية الأطراف المشاركة وتعزيز حماية المستثمر، من دون أن تتحول الإجراءات التنظيمية إلى عائق أمام دخول شركات جديدة إلى السوق.
ومنذ تعيين السديري بأمر ملكي في الـ13 من أغسطس (آب) الماضي رئيساً لمجلس هيئة السوق المالية بمرتبة وزير خلفاً لمحمد القويز، طرحت الهيئة سلسلة من المشاريع التنظيمية لاستطلاع آراء العموم، شملت تحسين ممارسات الطروحات الأولية وفرض قيود على التداولات الخوارزمية وتنظيم ممارسة نشاط التعامل في الأسواق المالية خارج السعودية، إضافة إلى أحكام تنظيمية تتعلق بلقاءات مناقشة الأرباح.
الأفراد يعودون لقلب الاكتتابات
وضمن مساعي توسيع المشاركة في السوق، أكد السديري أن الوضع الطبيعي هو أن تصل حصة المستثمرين الأفراد في الطروحات الأولية إلى 30 في المئة، في توجه يعكس رغبة الهيئة في إعادة تعزيز حضور هذه الشريحة ضمن عمليات الاكتتاب.
وتأتي زيادة مشاركة الأفراد ضمن رؤية أوسع لزيادة عمق السوق وتنويع قاعدة المستثمرين، إذ لا تستهدف الهيئة، بحسب السديري، زيادة مشاركة المؤسسات والأجانب وحسب، وإنما توسيع الحضور عبر جميع شرائح المستثمرين.
ويرتبط هذا التوجه بهدف استراتيجي أوسع عبّر عنه رئيس الهيئة بقوله إن المطلوب هو أن تصبح سوق الأسهم "مكان ادخار للمواطن"، وليس مجرد منصة للتداول قصير الأجل، بما يعزز ارتباط السوق "بيتكوين" المدخرات والاستثمار طويل المدى.
ضوابط جديدة للبيع على المكشوف
وفي جانب آخر من الإصلاحات، كشف السديري عن مراجعة نشاط البيع على المكشوف، قائلاً إن من المحتمل أن تكون بعض الممارسات المرتبطة بهذه الأداة ذات أثر سلبي في السوق حالياً، وأكد أن البيع على المكشوف يمثل أداة مالية مستخدمة في الأسواق العالمية ويمكن أن تكون مفيدة، لكن شرط ألا تستخدم بصورة تضر بالسوق أو تؤثر في عدالة التداول.
وبدأت الهيئة بالفعل، وفق السديري، بتنظيم الجزء الأول المرتبط بالبيع على المكشوف، وهو إقراض الأسهم، فيما تعمل على وضع ضوابط إضافية لاستكمال الإطار التنظيمي للنشاط.
ويعكس ذلك محاولة للموازنة بين تطوير الأدوات المتاحة للمستثمرين ورفع كفاءة التسعير والسيولة من جانب، ومنع تحول الأدوات المتقدمة إلى مصدر لاختلال حركة السوق من جانب آخر.
الخوارزميات تحت الرقابة
ويمتد الملف التنظيمي إلى التداولات الخوارزمية التي باتت تمثل جزءاً متزايداً من التعاملات في الأسواق المالية العالمية.
وأوضح السديري أن المؤسسات المالية الأجنبية هي الأكثر استخداماً للخوارزميات في السوق السعودية، فيما تراقب الهيئة هذه التداولات بهدف ضمان العدالة بين مختلف فئات المستثمرين.
وكانت هيئة السوق المالية طرحت مشروعاً لتنظيم التداولات الخوارزمية، ضمن سلسلة تعديلات تستهدف مواكبة التطور التقني للسوق مع الحد من الممارسات التي قد تمنح بعض المتعاملين مزايا غير عادلة أو تؤثر في نزاهة التداولات.
ملكية الأجانب قيد الدراسة
وبالتوازي مع تنظيم أدوات التداول، تبحث الهيئة توسيع حضور المستثمرين الأجانب، إذ كشف السديري عن مفاوضات مع منظمي القطاعات المختلفة في شأن تحديد نسب تملك الأجانب في الشركات السعودية.
ويأتي ذلك ضمن مسار طويل اتخذته السوق خلال الأعوام الأخيرة لزيادة انفتاحها أمام رأس المال الدولي وتوسيع قاعدة المستثمرين المؤسساتيين، فيما أكد رئيس الهيئة أن الهدف خلال المرحلة المقبلة هو زيادة مشاركة جميع الفئات، سواء الأفراد أو المؤسسات أو المستثمرين الأجانب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى السديري أن حماية السيولة المحلية لا تتحقق بمنع انتقال الأموال إلى أسواق أخرى، وإنما برفع قدرة السوق السعودية نفسها على المنافسة وتعزيز ثقة المستثمرين بها.
لا وصاية على الاستثمار في الخارج
وفي هذا السياق، نفى رئيس الهيئة وجود توجه لفرض وصاية على قرارات المواطنين المتعلقة بالاستثمار في الأسواق الخارجية، مؤكداً أن المستثمر يمتلك حرية تحديد الوجهة التي يختارها لرأسماله.
وقال إن الهيئة "لم تتعرض لخيارات الاستثمار في الخارج ولا توجد وصاية على ذلك"، وإن مهمتها الأساسية تتمثل في حماية المستثمر، موضحاً أن الشروط الموضوعة على التداول في الخارج تتماشى مع تلك المطبقة على التداول المحلي.
وبذلك، فإن التعامل مع خروج جزء من السيولة السعودية إلى الأسواق العالمية سيعتمد، وفق رؤية الهيئة، على تعزيز تنافسية السوق المحلية وقدرتها على جذب الأموال والاحتفاظ بها، بدلاً من تقييد حركة المستثمرين.
الحوكمة تبدأ من المساهم
ويمثل تعزيز الحوكمة محوراً آخر في خطة الهيئة، لكن السديري يضع تمكين المساهمين في قلب هذه العملية بدلاً من توسيع التدخل المباشر في قرارات الشركات.
وأوضح أن الهيئة تستهدف رفع كفاءة وفاعلية مجالس الإدارات والإدارات التنفيذية، فيما ألزمت الشركات المدرجة عقد لقاءين سنوياً لمناقشة النتائج المالية مع المستثمرين، بهدف تعزيز الشفافية وإتاحة مساحة أكبر للمساءلة والتواصل بين الشركات ومساهميها.
وشرح أن هذه الخطوة يمكن أن تكون ذات أهمية خاصة للشركات المتوسطة والصغيرة، إذ إن تحسين التواصل ومناقشة الأرباح بصورة منتظمة قد يساعدان في زيادة اهتمام المستثمرين المؤسساتيين بها.
وفي المقابل، استبعد السديري تدخل الهيئة لتحديد مستويات مكافآت أعضاء مجالس الإدارات، مؤكداً أن "الهيئة ليس لديها دور في وضع معايير لمكافآت أعضاء مجالس الإدارات"، وأن الأولوية التنظيمية تتمثل في رفع كفاءة الشركة وفاعلية مجلس إدارتها وتمكين المساهمين من أداء دورهم الرقابي.
السوق المالية واجهة للاقتصاد السعودي
وتتجاوز الإصلاحات التي طرحها السديري معالجة الاختلالات الآنية إلى محاولة إعادة تحديد الدور الذي يفترض أن تقوم به السوق المالية في الاقتصاد السعودي خلال المرحلة المقبلة.
وشدد على أن الهدف هو أن تصبح سوق الأسهم "واجهة حقيقية للاقتصاد السعودي"، من خلال توسيع تمثيل القطاعات والشركات وزيادة مشاركة المستثمرين المحليين والمؤسسات والأجانب وتقديم طروحات قادرة على جذب رؤوس الأموال وتحقيق قيمة مستدامة بعد الإدراج.
ويضع هذا التوجه الثقة في مركز المعادلة الجديدة، سواء في سوق الطروحات أو التداول أو الحوكمة أو التعامل مع المستثمر الأجنبي، إذ تراهن الهيئة على أن الاحتفاظ بالسيولة المحلية واستقطاب رؤوس الأموال الخارجية لا يتحققان بالقيود، وإنما بسوق أكثر كفاءة وعدالة وتنافسية.
وبين خطة الإصلاح الممتدة لـ90 يوماً، وإعادة النظر في الطروحات والبيع على المكشوف والتداول الخوارزمي وملكية الأجانب، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة الهيئة على تحقيق هذا التوازن، تطوير أدوات السوق وتوسيع قاعدة المشاركين فيها، وفي الوقت نفسه تعزيز حماية المستثمر واستعادة الثقة بسوق يراد لها أن تكون قناة للتمويل والاستثمار والادخار، وانعكاساً أكثر دقة للتحولات التي يشهدها الاقتصاد السعودي.