ملخص
بدأت السلطة قبل 2000 عام كخضروات مملحة بسيطة، وتطورت عبر عقود لترضي شغف الطهام ولتلبي احتياجات المجتمع أيضاً، لتتشعب أنواعها ولتتحول من مجرد طبق جانبي أو بقايا طعام إلى وجبة رئيسة فاخرة تُشكل تجارة عالمية. ورغم انتشارها كرمز للرشاقة فإن الوعي الصحي المتنامي يجعل تلك الموضة في تلاشي مع انتشار التحذيرات بشأن خطورة الاعتماد على حمية عذائية فقيرة.
قبل أكثر من 100 عام ابتكر شيف إيطالي سلطة السيزار، في بلدة صغيرة واقعة على الحدود المكسيكية الأميركية، حيث كانت مكوناتها الأساسية خساً وجبناً وجرجيراً وخبزاً محمصاً وعصير الليمون وبعض التوابل والبيض المسلوق، قبل أن تحصد مزيداً من المحسنات، بينها الصوصات الدبقة، والدجاج المشوي. لكن، طبق السلطة نفسه وفقاً لأكثرية المراجع فإنه يعود إلى أكثر من 2000 عام، إذ اشتهر به المطبخ اليوناني القديم، وتضمن حينها مكونات شديدة البساطة يمكن اختصارها ببقايا الخضراوات التي يجري تمليحها وأكلها نيئة، لفتح الشهية في أثناء الوجبات الرئيسة، وحتى إن اسمه نفسه مشتق من كلمة ملح باللغة اليونانية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ارتقاء السلطة من طبق جانبي على المائدة إلى آخر فاخر، مرّ بمراحل كثيرة، وفيما بعد امتزجت ثقافات غذائية عدة في طبق واحد، ففي العالم العربي عادة ما يتكون هذا الطبق من معالم أساسية، وهي الطماطم والخيار والجزر وبعض الخضراوات الورقية والملح والتوابل، فيما آخرون لا يضيفون الطماطم نهائياً إلى سلطاتهم، بل قد يكتفون بنوع خضار واحد مع زيوت نباتية وتتبيلة خاصة، وصولاً إلى أنواع لا تحصى من السلطات بينها سلطة الجمبري والزبادي والمعكرونة والدجاج وسلطة الكرنب والفواكه، فالسلطة ببساطة باتت بلا حدود.
تطور تاريخي
سلطة القيصر، التي سُميت على اسم الطاهي سيزار كارديني، يعتقد خطأ أن اسمها جاء تيمناً باسم يوليوس قيصر، فيما قصة نشأتها الدقيقة تحمل آراء عدة، والرواية الشائعة أن الشيف اليقظ وجد أن زبائنه كثر بينما تنفد مكونات مطبخه فقام بتجميع بقايا المقادير ليخرج هذا الطبق الذي أحبه العالم، وخلال عقود وعقود كان يتم إضافة المزيد له ليصل إلى شكله الحالي الغني بالبروتينات والخضراوات والزيوت الصحية غير المشبعة، بينما ابنته روزا أكدت في تصريحات سابقة لـ"لوس أنجلوس تايمز" أن الوصفة الأصلية كانت تتضمن الأنشوجة، بينما الواقع يقول إنه قلما تقدم الأنشوجة اليوم مع سلطة القيصر، إذ جرى استبدالها بالدجاج المشوي وسط قبول كبير بين متذوقيها.
هذه القصة تعد نموذجاً للمراحل التي يمر بها طبق سلطة واحد من بقايا مكونات الوجبات إلى طبق مستقل بمقادير غنية تحضر خصيصاً، وتظل تستقبل التحديثات والإضافات عصراً بعد آخر، فاللحوم المضافة إلى طبق الخضروات النيئة مع بعض الأعشاب قد تضمن وجبة مشبعة، ولهذا لم يعد هذا الطبق هامشياً، وبالتبعية لم يعد زهيد التكلفة كذلك، ولهذا فإن بيزنس السلطة الذي يعتمد على الخضراوات الموسمية ويرفع شعار "من المزرعة إلى الطبق مباشرة"، أخذ في الانتشار، فهناك سلاسل مطاعم تقدم السلطات حصراً توسعت بمئات الفروع حول العالم، إذ تعتمد على مزج النكهات أمام الزبون الذي يقف بدوره ويختار مكونات طبقه بنفسه من الورقيات وقطع الجزر والخيار، ولا مانع من إضافة بقوليات وحبوب مشبعة، ثم يزين طبقه الذي يمثل له وجبة متكاملة، بسلمون أو دجاج مشوي أو لحوم حمراء أو أسماك وكذلك التوفو، والأفوكادو.
موضة الحميات القاسية
الأمر وصل إلى الدول العربية، إذ يُباع أقل طبق سلطة في تلك المحال بما يعادل خمسة دولارات، فقد تغير مفهوم الطبق الجانبي البسيط تماماً مع طفرة الأنظمة الغذائية المستحدثة، التي يحاول الطهاة وأصحاب المطاعم مجاراتها، والاستفادة من متبعيها، حتى لو كانت هناك مآخذ كثيرة على تلك الأنظمة، لا سيما أن بعض عارضات الأزياء الباحثات عن الرشاقة المبالغ فيها كن يعشن على أطباق سلطات فقيرة غذائياً تماماً بعضها عبارة عن بضع أوراق من الخضراوات وحفنة من المكسرات، بحثاً عن القوام النحيل الذي يبحث عنه المصممون ومنصات العروض، وبينهن مولي سيمز وميراندا كير.
فقد عاشتا مثل غيرهما أعواماً على تلك الحميات القاسية بمواكبة المعايير القاسية قبل أن ينصحهما الأطباء بضرورة تنويع مصادر غذائهما، وأخيراً أصبحت أطباقهما أكثر اعتدالاً. فعلى رغم أن السلطة في الأساس خيار صحي عرفه العالم منذ قرون، لكن بوصفه طبقاً إضافياً وليس وحيداً، وحدث ما يشبه الثورة بشأنه منذ سبعينيات القرن الماضي في إطار الترويج لخيارات الأطعمة الزهيدة والمفيدة وقليلة الدهون والنشويات، لكن البعض كان يفرط في استخدامه بسبب مفاهيم غذائية خطأ.
الاكتفاء بالسلطات البسيطة للغاية الذي انتشر بين بعض الفئات بينها المراهقات أدى إلى عواقب وخيمة حيث متبعوه يفقدون عناصر مهمة مثل فيتامين "ب 12"، والكالسيوم والأحماض، كما أنه وفقاً لموقع Everyday Health المعني بالتثقيف الصحي الرقمي واللياقة، فإن تريند الاعتماد على الخضراوات النيئة يسبب للبعض مضار صحية مستمرة وبينها الانتفاخ، فحتى المكونات الصحية ينبغي التعامل معها بحكمة وعدم التهام كميات كبيرة منها بحثاً عن الشبع، ويحذر الموقع من المبالغة في تناول الأكل غير المطهي، لتجنب مشكلات الجهاز الهضمي الطويلة الأمد.
إضافات فخمة
في المقابل ومع ازدياد الوعي وإدراك أخطار الاعتماد على نوع واحد من الطعام، تنتشر في أرجاء العالم مطاعم السلطات، التي تعتني بالمكونات ولا تبدو كسلطات بقدر ما تمثل وجبات حقيقية شديدة التنوع تتضمن مقادير فاخرة من الفواكه النادرة إلى الأسماك باهظة الثمن والصلصات الغنية، وهي تصلح كوجبة خفيفة أو حتى رئيسة بالنسبة إلى البعض، لكن تحاول تلك المطاعم وضع مكونات مطهية إضافة للفواكه والورقيات النيئة الطازجة، مثل الخضراوات المشوية وشرائح اللحوم المطبوخة، وكذلك المعكرونات المسلوقة.
وعلى ذكر المعكرونة، فإن المهتمين بتتبع أرشيف الطعام على موقع "foodtimeline" وجدوا أن الدمج بين المطابخ الأوروبية أنتج واحدة من أشهر السلطات السريعة التي تصلح للنزهات، وكذلك تلائم صندوق غذاء الموظفين، إذ انتشرت تلك السلطة التي استندت أولاً إلى المطبخ الإيطالي كقاعدة أساسية، وهي المعكرونة المسلوقة في ماء مملح، ثم استقت بقية مكوناتها من دول مختلفة من القارة في العقد الثاني من القرن الـ20 بالتزامن مع التحولات المجتمعية، حيث كان الخارجون للعمل رجالاً ونساء يبحثون عن وجبة سريعة وخفيفة مجهزة مسبقاً تصلح لأن تؤكل باردة، فثقافة الوجبات السريعة بدأت على ما يبدو بوصفات سلطات صحية منزلية الصنع، قبل أن تتحول تماماً في خمسينيات القرن الماضي وتأخذ شكلها المعروف.
كانت تلك الوصفة من أوائل السلطات التي أضيفت إليها مكونات غير تقليدية مثل البطاطس وشرائح السمك الخفيف والمايونيز والليمون والخل، وبعدها بأعوام عدة كان عشاق السلطات مع تحول آخر أكثر فخامة متمثلاً في سلطة الشيف، فوفقاً لما يذكره موقعQuaint Cooking فإن الفضل في انتشارها يعود إلى الشيف لويس ديات الذي كان يعمل في فندق ريتز كارلتون بنيويورك بالولايات المتحدة الأميركية، إذ منح طبق السلطة وقاره ولم يعد مجرد بقايا مكونات الوجبات الرئيسة مثلما يحدث في الوصفات المنزلية المرتجلة، إنما منحه أناقة بترتيب دقيق للمكونات وطريقة محددة لتنظيم المقادير فوق بعضها بعضاً.
أدخل الشيف لحم الديك الرومي والجبنة السويسرية الفاخرة مع البيض والخس والطماطم في طبقات تبدو، وكأنها لوحة فنية متقنة بمكونات شديدة الجودة، لتبقى واحدة من أشهر السلطات الكلاسيكية التي لا تزال تحرص المطاعم على وضعها في قائمتها حتى اليوم حتى بعد تعديل بعض مكوناتها مثل إضافة الأسماك بدلاً من لحوم الطيور.