ملخص
يخوض آلاف الأطفال معركة خفية مع "التهاب المفاصل اليفعي"، وسط نقص في الوعي بطبيعة المرض داخل المدارس. وتجسد تجربة جيسيكا وارد، التي عانت الألم والتنمر وسوء الفهم، أهمية إدراك حاجات المصابين وتوفير الدعم الذي يساعدهم في مواصلة تعليمهم وحياتهم بصورة طبيعية.
يقدر عدد الأطفال في سن الدراسة في المملكة المتحدة الذين يعانون اليوم الإرهاق المزمن، وآلام الأطراف، ومشكلات في الحركة، جراء إصابتهم بـ"التهاب المفاصل اليفعي مجهول السبب" (اختصاراً "جيا" JIA)، بنحو 10 آلاف طفل، ومع ذلك، لا يزال معظم المعلمين يجهلون مدى انتشار هذا المرض.
يعد "التهاب المفاصل اليفعي مجهول السبب" أكثر أنواع التهاب المفاصل شيوعاً بين الأطفال والمراهقين، ويصيب عادة مفاصل اليدين والركبتين والكاحلين والمرفقين والمعصمين بالالتهاب، لكن لأن هذه الحالة تعد من أمراض المناعة الذاتية وترتبط في أذهان الناس عادة بالتقدم في السن، كثيراً ما تغفل علاماته التحذيرية لدى الأطفال.
وفي حالة جيسيكا وارد، بدأ والداها يشعران بقلق متزايد حين كانت لا تزال في السادسة من عمرها، إذ استمرت مفاصلها في التورم طوال العام التالي لإصابتها بتسمم الدم جراء التهاب الزائدة الدودية.
وعلى مدى 14 شهراً، أصبحت جيسيكا زائرة دائمة للمستشفى، تتنقل بين فحوص الدم والمواعيد الطبية التي لا تنتهي، فيما كانت تكابد ألماً في ركبتيها وعدم استقرارهما.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبعد إحالتها إلى قسم أمراض الروماتيزم في "مستشفى ألدر هاي" للأطفال في ليفربول، علماً أنه واحد من المستشفيات القليلة في بريطانيا التي تضم قسماً متخصصاً في هذا المجال، شخص الأطباء حالتها خلال دقائق فقط من وصولها.
وقالت جيسيكا: "شخص الأطباء حالتي على الفور بعد ملاحظتهم طريقة مشيي. فالمعرفة بهذا المرض محدودة، ولا يحظى باهتمام كافٍ في التعليم الطبي إلا لدى المتخصصين في علاج الأطفال".
صحيح أن والديها تنفسا الصعداء أخيراً بعد معرفة التشخيص، إلا أن السنوات التالية حملت مزيداً من الصعوبات، إذ وجد معلموها في مدرسة "ويرال" صعوبة في فهم حالتها.
وكانت جيسيكا تعاني صعوبة في الكتابة بسبب آلام يديها، فضلاً عن اضطرارها إلى استخدام العكازات وارتداء أحذية مخصصة تساعدها في المشي.
وقالت الشابة: "لم تكن تجربتي في المرحلة الابتدائية أو الثانوية سهلة، فقد كانت مشكلتي أن الجميع تقريباً كانوا يشككون في حقيقة حالتي. وفي المدرسة، واجهت صعوبة بالغة بسبب الأثر النفسي الذي خلفته في زيارات المستشفى، مما جعلني أتغيب عن المدرسة كثيراً".
وأضافت "في المرحلة الثانوية، طرأ تغيير على أدويتي، فتضرر جهاز المناعة لدي بشدة. وواجهت صعوبة في علاقتي بأصدقائي، وأذكر أن جدتي اضطرت ذات يوم إلى حملي إلى المنزل، لأنني كنت أعاني ألماً شديداً في ركبتي إلى درجة أنها اضطرت إلى حملي".
وتابعت قائلة "كان بعضهم يسخر من حالتي، فالأطفال والتلاميذ يكونون قساة أحياناً. لم يكن الأمر ممتعاً، ولم تكن تجربة جيدة. وأعتقد ببساطة أن المعلمين لم يفهموا ما كنت أمر به. تعرضت فعلاً للتنمر في مواقف كثيرة لأنني لم أكن أستطيع مشاركة الآخرين في أنشطتهم".
وفي إحدى المرات، زارها فريق التمريض من مستشفى "ألدر هاي" في مدرستها، وقدم للتلاميذ والعاملين فيها شرحاً عن "التهاب المفاصل اليفعي"، لمساعدتهم في فهم حالتها.
وبعد تغيير نظامها الدوائي خلال سنوات دراستها الثانوية، ساءت حالتها الصحية، وواجهت صعوبة في الحصول على الدرجات التي كانت تطمح إليها، على رغم اجتيازها جميع اختباراتها.
وبعد انتقال جيسيكا إلى مدرسة أخرى في المرحلة التالية للتعليم الثانوي وتركيزها على الدراسة المهنية، تحسنت درجاتها، وقررت أن تصبح معلمة.
واليوم، وقد بلغت 27 سنة، تعمل جيسيكا في مدرسة ابتدائية وأخرى ثانوية، حيث تقدم الدعم لتلاميذ يواجهون صعوبات جسدية، ولآخرين من ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة.
وقالت جيسيكا "بكل صراحة، الآن وقد أصبحت معلمة، لا يزال فهم الناس لالتهاب المفاصل محدوداً، حتى عندما أحاول أن أشرح لهم طبيعة المرض. لا يمكن التعامل مع الجميع بالطريقة نفسها، إذ تختلف الحالات من شخص إلى آخر، ولا تتشابه حالات جميع المصابين. ربما يكون من المفيد طرح مزيد من الأسئلة، فقد كانت أكبر مشكلاتي في المدرسة أنني كنت أضطر باستمرار إلى تكرار كلامي أمام المعلمين أنفسهم". وأضافت "الأهم أن تجد من يصدقك ويفهمك، فالتهاب المفاصل مرض لا تظهر آثاره دائماً للعيان، وهذا أمر صعب".
يذكر أن "التهاب المفاصل اليفعي مجهول السبب" أحد أمراض المناعة الذاتية، إذ يهاجم جهاز المناعة الجسم نفسه من طريق الخطأ. وعلى رغم عدم وجود علاج شاف له، تتوافر مجموعة من العلاجات المختلفة للسيطرة على أعراضه، من بينها مسكنات الألم، والستيرويدات، وأدوية مضادة للروماتيزم تعمل على الحد من تطور المرض.
وفي حين يدخل المرض في مرحلة خمود لدى بعض الأطفال مع تقدمهم في العمر، تستمر الالتهابات لدى آخرين طوال حياتهم، مما قد يؤدي إلى تلف المفاصل والإعاقة الجسدية.
أما في حال السيدة وارد، فقد اضطرت أخيراً إلى أخذ إجازة من العمل لأسابيع عدة بعدما تفاقمت حالتها مجدداً.
وتسعى منظمة "أرثريتس يو كي" Arthritis UK (التهاب المفاصل في المملكة المتحدة) إلى زيادة الوعي بالمرض في المؤسسات التعليمية، وتشجع المدارس على فهم تداعياته على التلاميذ والتعامل بتفهم مع التغيب عن الحصص الدراسية.
ويستخدم الدواء "الميثوتركسات" Methotrexate على نطاق واسع لعلاج الأطفال المصابين بالتهاب المفاصل، ولكنه قد يسبب الغثيان والإرهاق الشديد لدى التلاميذ، مما يؤدي غالباً إلى تغيبهم عن المدرسة.
وتطرقت إلى هذه المسألة لين وولي، رئيسة قسم شؤون الشباب والأسر في منظمة "أرثريتس يو كي"، فقالت إن "سنوات الدراسة تشكل إحدى أهم مراحل حياة الشاب، ونعلم أن عدم حصول المصابين بالتهاب المفاصل على الدعم المناسب يجعل جوانب كثيرة من حياتهم المدرسية صعبة للغاية". وأضافت "غالباً ما يمر التهاب المفاصل اليفعي مجهول السبب من دون أن يلاحظه الآخرون، ومن الصعب أيضاً التنبؤ بمساره. كذلك يكون التعامل مع المواعيد الطبية، والآثار الجانبية للأدوية، والألم، وتأثير المرض في صحتك النفسية أمراً شاقاً، إلى جانب متطلبات الدراسة وتحديات هذه المرحلة من العمر". وتابعت "تشبه قصة جيسيكا قصصاً كثيرة سمعناها سابقاً، ولكن، كما تشير الشابة نفسها، ثمة خطوات عدة يمكن للعاملين في المدارس اتخاذها لمساعدة التلاميذ".
وترى وولي أن "العاملين في المدرسة يمكنهم إحداث فارق كبير من خلال تخصيص وقت لفهم حاجات كل تلميذ على حدة، والعمل من كثب معه ومع أسرته. أضف إلى ذلك أن توفير بيئة آمنة وداعمة يسودها التفهم يشجع على التواصل الصريح، ويساعد المدرسة على تقديم الدعم المناسب للتلميذ كلما تغيرت احتياجاته".
وختمت بالقول "نريد من المدارس أن تبادر بثقة إلى فتح باب الحوار مع الشباب المصابين بالتهاب المفاصل اليفعي مجهول السبب ومع أسرهم. فكثيراً ما تكفي تعديلات بسيطة نسبياً للحيلولة دون تغيب التلاميذ عن المدرسة، ويكون لها أثر بالغ في رفاههم وثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على التقدم والنجاح. ويوفر الموقع الإلكتروني الخاص بـ’أرثريتس يو كي‘ مواد مجانية تساعد المدارس في هذا المجال، من بينها نماذج لخطط الرعاية الصحية الفردية، وأفلام، وأدلة للمعلمين، وندوة عبر الإنترنت مخصصة للعاملين في المدارس".
© The Independent