ملخص
تلسكوبات "ناسا" الحديثة من فئة المناظير الفضائية التي يجب إطلاقها إلى أعمق نقطة ممكنة في الكون، ولهذا السبب تختلف مواصفاتها وقيمتها بصورة كبيرة عن المناظير الأرضية.
ارتفعت قيمة أسطول مسح الكون الخاص بـ"ناسا" بعد الإعلان أخيراً عن إطلاق منظار "بريما" الخارق بقيمة مليار دولار بحلول عام 2033، إلى أكثر من 15 مليار دولار منذ عام 2021، فيما بلغت قيمة أسطول "ناسا" من التلسكوبات الفضائية منذ عام 1990 إلى الآن أكثر من 32 مليار دولار، وذلك وفقاً لأرقام موثقة، ومن دون احتساب تلسكوبات عدة لا يوجد لها بيانات مالية دقيقة.
وأصدرت "ناسا" 12 تلسكوباً منذ نشأتها، وتصل قيمة الأسطول التقديرية الكاملة إلى أضعاف هذا الرقم. وبإطلاق "بريما" الخارق، تأمل الوكالة الأميركية أن تستعيد زخم البحث العلمي في الفضاء من جديد، إذ يعد أسطول مسح الكون من أهم ركائز مشاريع الوكالة الأميركية العلمية.
في الوقت ذاته تساءل خبراء فضاء عن جدوى تعزيز أسطول مسح الكون في هذا الوقت تحديداً بمنظار جديد "فالوكالة تتعرض بسبب الإسراف في موازنتها العلمية لضغوط مستمرة من إدارة الرئيس دونالد ترمب، إذ تتهم ’ناسا‘ منذ أعوام بتبديد الأموال من خلال مثل هذه المشاريع الضخمة".
ويأتي إطلاق "بريما"، في وقت يركز فيه رئيسها الجديد جاريد إيزاكمان على مشاريع تحقق إنجازات ملموسة للوكالة، وأهمها مهمة "أرتميس". وفي ضوء ذلك، عد بعض علماء الفضاء إعلان إطلاق "بريما" تحدياً جديداً يواجه الوكالة في مستهل عهدها الجديد.
زخم
منذ تسعينيات القرن الماضي أطلقت "ناسا" 12 تلسكوباً، وفي حين أن عاماً واحداً، وهو 2021 شهد إطلاق تلسكوبين دفعة واحدة، إلا أن الفارق الزمني بين إطلاق إثنين منها وصل أحياناً إلى نحو عقد من الزمان. وذلك كما هي الحال بين عامي 1991-1999 وعامي 2009 – 2018، إذ لم تشهد الفترات المذكورة أية إطلاقات. وبهذا يكون زخم إطلاق تلسكوبات "ناسا" الفضائية متركزاً في عام 2021 وبعده.
وإضافة إلى "بريما" أطلقت "ناسا" خلال خمسة أعوام بين 2021 و2026 مسبار "جيمس ويب" في 2021 بقيمة 10 مليارات دولار، ومسبار "رومان" خلال العام الحالي بقيمة 4.3 مليار دولار. وعلى رغم ذلك، تظل القيمة المالية الحقيقية لأسطول مسح الكون لـ"ناسا" منذ 1990 وحتى الآن غير قابلة للتحديد بدقة.
وهنا تؤكد موسوعات علمية أوروبية أنه من بين 12 تلسكوباً أطلقتها "ناسا" خلال مسيرتها، لم تتوفر أية بيانات مالية موثوقة لبقية التلسكوبات مثل "شاندرا" و"فيرمي" و"سويفت" و"تيس" و"سبيركس" و"كبلر" و"كومبتون".
يذكر أن أهم تلسكوبات "ناسا" العاملة حتى الآن هي "هابل" و"جيمس ويب" و"شاندرا" و"فيرمي" و"سويفت" و"رومان"، فيما أهم التلسكوبات المتوقفة عن العمل حالياً فهي "سبيتزر" و"كبلر" و"كومبتون".
مرصد "سبيتزر"
مرصد "سبيتزر" الفضائي هو تلسكوب تابع لوكالة "ناسا"، أطلق عام 2003، وعمل بالأشعة تحت الحمراء لرصد الأجرام الباردة والمختبئة خلف الغبار الكوني. "وحتى انتهاء عمله رسمياً عام 2020، أي بعد أكثر من 16 عاماً من الرصد والاكتشافات التي أثرت علم الفلك الحديث، بلغت كلفة بنائه وإطلاقه وتشغيله نحو 1.2 مليار دولار أميركي.
ويشمل هذا الرقم التطوير والإطلاق والتشغيل والصيانة العلمية. أما كلفة تلسكوب "هابل"، وهو أول وأشهر تلسكوبات الأسطول فبلغت كلفته نحو 16 مليار دولار حتى الآن.
مهمة لمختبر الدفع النفاث
في سياق مهمة "بريما" الحالية، أشار بعض المراقبين إلى مفارقة جديرة بالانتباه، إذ سيتولى مختبر الدفع النفاث التابع لـ"ناسا" ومقره مدينة باسادينا في كاليفورنيا، قيادة مشروع "بريما"، وذلك في وقت يواجه فيه المختبر بدوره أزمة مؤسسية، إذ لا يوجد سوى عدد قليل من المهام لدى المختبر قيد التطوير، وهو يعمل في ظل سلسلة من عمليات تسريح الموظفين.
في المقابل دعا علماء فضاء متحمسون لمشاريع "ناسا" العلمية عبر مواقع إخبارية إلى "مزيد من مهام مناظير الفضاء الحديثة باعتبارها نافذتنا الوحيدة على الكون، ولكن بكلفة مالية أقل".
وكتب بعض العلماء الأميركيين على موقع علمي، "عادة ما تندرج تلسكوبات "ناسا" الفضائية ضمن مهام منخفضة الكلفة، والتي تراوح موازنتها بين بضع مئات الملايين من الدولارات، أو ضمن مراصد رائدة مثل تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي الذي أطلق حديثاً، والذي بلغت كلفته نحو 4.3 مليار دولار".
وأكد هؤلاء أن مهمة "بريما" ستكون بمثابة خط جديد من المراصد، والذي يهدف إلى إجراء مزيد من الأبحاث العلمية بكلفة مالية أقل من السابق بكثير.
عن الصناعة قديماً
قدرت برامج ذكاء اصطناعي قيمة تلسكوب عالم الفلك "غاليليو 1564–1642" بـ50 دولاراً. وعلى رغم أنه كان منظاراً أرضياً بدائياً، قدم لعلوم الفلك خدمات جليلة. وفي هذا السياق، تقول موسوعات علمية أوروبية عن صناعة التلسكوبات قديماً، "صناعة التلسكوبات قديمة للغاية، وبدأت من أدوات خشبية رخيصة بقيمه تقدر في وقتنا الحالي بأقل من 20 دولاراً للتلسكوب الواحد، إذ بدأت الرحلة قبل عدة قرون مع مسبار (ليبرشي) في القرن الـ17، وتحديداً خلال عام 1608. وكان (ليبرشي) خشبياً ومطوراً من عدسات رخيصة، ثم جاء منظار غاليليو بعده بعام وتحديداً خلال عام 1609، وهو تلسكوب أقوى مع قدرة تكبير 20 مرة".
تجدر الإشارة إلى أن تلسكوبات "ناسا" الحديثة هذه هي من فئة المناظير الفضائية التي يجب إطلاقها إلى أعمق نقطة ممكنة في الكون، ولهذا السبب تختلف مواصفاتها وقيمتها بصورة كبيرة عن المناظير الأرضية.
أنواع تلسكوبات الفضاء
تقسم المناظير الفضائية من حيث القدرة على مسح الكون إلى نوعين، الأول مخصص للتعمق في الفضاء السحيق وهو على شاكلة "بريما" الأحدث ضمن أسطول "ناسا"، والثاني للمسح العرضي. وهناك عاملان حاسمان في قيمة المنظار الفضائي وعليهما يتوقف السعر والقيمة العلمية للمنظار الفضائي، وهما حجم المرآة ونوع التبريد.
"بريما" الخارق
لم يكن واضحاً حتى وقت قريب ما إذا كانت موازنة "ناسا" العلمية التي تتعرض لضغوط من إدارة ترمب، ستكون كافية لبدء تطوير أحد هذه التلسكوبات فعلياً، لكن الوكالة أعلنت أخيراً أنها ستمضي قدماً في مشروع "بريما"، وهو اختصار لـ"مهمة المسبار للأشعة تحت الحمراء البعيدة في الفيزياء الفلكية".
يذكر أن "بريما" هو المشروع الوحيد "المتأهل" للمرحلة النهائية من برنامج مسبار الاستكشاف، فيما استبعدت "ناسا" في وقت سابق من هذا العام مهمة منافسة، وهي مرصد للأشعة السينية يعرف باسم "أكسيس". وذكرت مواقع علمية أميركية أن المهام الرائدة مثل مهمة "بريما" قد تستغرق عقوداً من الزمن لتصميمها وبنائها واختبارها قبل إطلاقها.
وكان تلسكوب رومان الفضائي قد استغرق تطويره 10 سنوات منذ موافقة "ناسا" وحتى إطلاقه خلال سبتمبر (أيلول) الماضي في طريقه إلى محطة رصد تبعد مليون ميل عن الأرض. أما تلسكوب "بريما"، الذي تبلغ كلفته القصوى 1.2 مليار دولار أميركي "باستثناء كلف الإطلاق"، فلن يكون بنفس حجم وتعقيد "رومان"، لذا من الطبيعي أن يمر في دورة تطوير أقصر.
وتعتزم "ناسا" إطلاق "بريما" بعد سبع سنوات من الآن، أي خلال عام 2033. وسوف يرصد التلسكوب الكون في ضوء الأشعة تحت الحمراء الخافتة البعيدة ضمن نطاق أطوال موجية يراوح بين 24 و235 ميكرومتراً، مما يتطلب تبريد بصرياته الرئيسة إلى 4.5 كلفن، أو -451 درجة فهرنهايت. وهذا يتطلب عادة بناء نظام تبريد متطور وجديد كلياً.
المبرد وقطر المرآة
تستخدم مهمة "بريما" مبرداً معدلاً احتياطاً من تلسكوب "جيمس ويب" الفضائي. وسيستخدم مرصد "بريما" سائل تبريد متبق من تطوير تلسكوب جيمس ويب الفضائي، وذلك بعد تعديله لاستخدام الهيليوم-3 بدلاً من الهيليوم-4، وسيجري تبريد المستويات البؤرية لكاشفات الحث الحركي في "بريما" إلى درجة حرارة أقل تصل إلى 100 ملي كلفن، مما يجعل بصريات المهمة مرشحة لتكون الأبرد على الإطلاق التي أرسلت إلى الفضاء.
وبحسب العلماء المشرفين على المهمة أيضاً "ستتيح حساسية "بريما" للأشعة تحت الحمراء البعيدة رؤية أصول الكواكب وأغلفتها الجوية، والتطور المشترك للمجرات والثقوب السوداء، والتغيرات في خصائص الغبار والمعادن عبر الزمن الكوني".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولذلك يريد العلماء "أن يستقر "بريما" بمرآته الرئيسة التي يبلغ قطرها 1.8 متر، في مدار حول نقطة لاغرانج L2 بين الشمس والأرض، على بعد مليون ميل من الأرض".
ومن المتوقع أن يزن المرصد بالكامل أقل من 3.4 طن متري (7500 رطل) عند الإطلاق. وضمن هذا السياق قال مسؤول في مهمة "بريما"، "لا يمكن لمهمة واحدة بمفردها استكشاف جميع أسرار الكون، ولكن من خلال توسيع قدرات المسح لأسطولنا إلى أطوال موجات الأشعة تحت الحمراء البعيدة باستخدام (بريما)، فإننا نتيح نظرة شاملة بصورة لا تصدق على الكون".
غوص أعمق... خلق توازن أفضل
ستمكن مهمة "بريما" علماء الفلك من الغوص أعمق في نطاقات الأشعة تحت الحمراء مقارنة بأي من مراصد "ناسا" السابقة أو الحالية، وستبني المهمة على الاكتشافات التي حققها تلسكوب "هيرشل" الفضائي الأوروبي، والذي منح علماء الفلك رؤى جديدة حول تكوين الخيوط الكونية ودور الماء في تكوين النجوم والكواكب. ويسعى مسؤولو "ناسا" من خلال برنامجهم إلى تحقيق توازن أفضل بين مهام مستكشفي المجسات الأصغر حجماً والمراصد الرائدة التي تبلغ كلفتها مليارات الدولارات.
وضمن هذا السياق كتب الصحافي ستيفن كلارك المتخصص في شؤون الفضاء الأميركي تحت عنوان "مع مهمة بريما، ستسعى (ناسا) لبناء تلسكوب فضائي بكلفة مليار دولار في وقت قياسي"، أن "مهمة (بريما) التابعة لـ(ناسا) ستستخدم قطع غيار من تلسكوب (جيمس ويب) الفضائي لإجراء أبحاث علمية مهمة بكلفة أقل".
وجاء في مستهل المقالة التي نشرت على موقع علمي أميركي حديثاً، "أعلنت وكالة (ناسا) أن أول تلسكوب فضائي من فئة جديدة يسير وفق الخطة الموضوعة للوصول إلى منصة الإطلاق في أوائل ثلاثينيات القرن الحالي".
وقالت المديرة المساعدة لمديرية المهام العلمية في "ناسا" نيكي فوكس في بيان صحافي، "تمثل مهمة "بريما" نافذة البشرية التالية على أعماق الكون، وسوف تكشف هذه المهمة عن الخفايا عبر الزمن الكوني لفهم أفضل لتكوين الكواكب والنجوم والثقوب السوداء، وحتى عن كيفية نشأة الماء على الأرض".
وأعطى إعلان "ناسا" هذا الأسبوع الضوء الأخضر للانتقال إلى المرحلة الثانية من تطوير تلسكوب "بريما"، إذ يجري العمل الآن على مراجعة التصميم الأولي، وذلك قبل مراجعة التأكيد في مقر "ناسا" الرئيس بعد بضع سنوات، فيما يتوقع العلماء أن تمنح هذه المراجعة الموافقة النهائية للمضي قدماً في دمج "بريما" مع معدات الطيران.