ملخص
تشير الدوائر السياسية والحقوقية في اليمن إلى أن ميليشيات الحوثي تستخدم كثيراً من التسميات لاستنزاف جيوب مزارعي القات منها "ضريبة القات"، والتي جرى رفع قيمتها بصورة غير مسبوقة، أو الإتاوات لدعم المجهود الحربي، وغير ذلك.
في وقت يئن فيه اليمنيون تحت خط الفقر وويلات النزوح جراء المعارك وانقطاع للرواتب، لا سيما في مناطق سيطرة الحوثيين، تلجأ الميليشيات المدعومة من إيران إلى فرض مزيد من الضرائب والجباية على المزارعين والتجار من أجل تعبئة موارد مالية ضخمة.
ومن بين أبرز الجهات التي تفرض عليها جبايات ثقيلة نجد مزارعي "القات" الذين باتوا في مواجهة حرب اقتصادية يكرسها الحوثيون ضدهم لتعبئة خزائنهم، مما دفع دوائر سياسية وحقوقية في اليمن إلى إطلاق ناقوس الخطر حياله، خصوصاً أن هذا المجال يستقطب الآلاف من اليمنيين.
وبحسب إحصاءات حكومية في اليمن فإن السكان ينفقون سنوياً على القات نحو 1.6 مليار دولار أميركي، وهو عبارة عن منشط أو مخدر ظرفي يتمثل في أوراق تحوي مادة شبه قلوية تدعى الكاثينو، وهي مادة منشطة تشبه في تأثيرها الأمفيتامينات وتسبب النشاط الزائد وانعدام الشهية.
في المقابل، وخلال يناير (كانون الثاني) الماضي بدأت العاصمة الموقتة عدن (جنوب) تنفيذ قرار رسمي أصدره محافظها عبد الرحمن شيخ، يقضي بمنع تعاطي "القات" و"الشمة" (التبغ المطحون الذي يوضع تحت الشفة) و"التمبل" داخل جميع الدواوين والمؤسسات والمكاتب التنفيذية خلال أوقات الدوام الرسمي.
ويستخدم "القات" عبر مضغ أوراقه الخضراء ووضعها على أحد جانبي الفم، ملتصقة ببطانة الخد الداخلية، فيما يعرف شعبياً بـ"التخزين"، وقد تستمر هذه العملية لساعات طويلة، مانحة المتعاطي شعوراً بالانتشاء والتنبه.
حزمة موارد
ويستحوذ القات على 58.8 في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة في اليمن، و55 في المئة من المياه الجوفية وهو ما يجعلها من أكثر الزراعات استقطاباً للمزارعين، لكن خنق الحوثيين لهؤلاء يهدد مصدر دخل الآلاف من اليمنيين الذين يواجهون أصلاً أزمة اقتصادية طاحنة.
وعد الباحث السياسي اليمني تميمي ياسين أن "الجباية المفروضة على القات هي مورد يومي يعود بملايين الدولارات لمصلحة الحوثيين، لكن موارد القات ليست إلا واحدة من حزمة موارد أكثر أهمية تعود بمليارات الدولات سنوياً. فعائدات الجمارك نتيجة تحويل معظم السفن إلى ميناء الحديدة، والضرائب على كل شيء، وخصوصاً على كبار المكلفين، والزكاة التي تجبى بصورة صارمة، والتحويلات بالعملة الصعبة تعود جميعها إلى خزانة الحوثي نتيجة سيطرته على معظم الكتلة السكانية في اليمن".
وأضاف ياسين في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "صحيح أن القات شجرة مدمرة للأرض ومستنزفة للمياه، لكن الواقع أن مع مرور الوقت تحولت هذه الشجرة إلى أهم مورد نقدي للمزارعين، ومن المؤكد أن المستهلك الأخير والمزارعين سيتكبدون خسائر مادية نتيجة هذه الجبايات المفروضة من قبل الحوثيين".
وبين أنه "للأسف هذا سيعني استنزافاً لموازنة الأسرة وتأثيراً بالسلب في قدرة الناس على تأمين الحاجات الضرورية من الغذاء، بسبب سطوة القات على رغائب وأمزجة متعاطيه".
مخاوف جدية ومشروعة
تشير الدوائر السياسية والحقوقية في اليمن إلى أن ميليشيات الحوثي، التي فقدت كثيراً من المناطق التي استعادتها قوات الحكومة المعترف بها دولياً والمدعومة من التحالف العربي بقيادة السعودية خلال الأيام المقبلة، تستخدم كثيراً من التسميات لاستنزاف جيوب مزارعي القات منها "ضريبة القات"، والتي جرى رفع قيمتها بصورة غير مسبوقة، أو الإتاوات لدعم المجهود الحربي، وغير ذلك.
ويرى المحامي والناشط السياسي اليمني توفيق الحميدي أن "هناك مخاوف جدية ومشروعة على مزارعي القات، باعتباره مصدراً وحيداً في ظل الحرب، خصوصاً أن الحوثيين لم يكتفوا بتحصيل الضرائب المعتادة، بل توسعوا في فرض جبايات وإتاوات على المزارعين والتجار ووسائل النقل والأسواق".
وأكد الحميدي في تصريح خاص أنه "بحسب تقارير صحافية فإن الضرائب المحصلة من شاحنات القات القادمة من ذمار إلى صنعاء وحدها تجاوزت الـ100 مليون ريال (نحو 43 ألف دولار) يومياً، بخلاف الإتاوات الإضافية، وهو تقدير مرتبط بتلك الفترة".
اقتصاد حرب
وقبل أيام، أطلقت قوات الشرعية عملية "فجر اليمن" بهدف استعادة جميع المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات المدعومة من طهران، وقد نجحت بالفعل في تحقيق اختراقات مهمة على كثير من الجبهات منها الوازعية، مما أشاع أجواء من التفاؤل في شأن مسارات المعركة التي قد تضع حداً لمعاناة اليمنيين المستمرة منذ انقلاب الحوثي خلال عام 2014.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واستدرك الحميدي بالقول، "لكن القضية أكبر من تجارة القات، فقد أنشأ الحوثيون اقتصاد حرب قائم على السيطرة على الموارد العامة والخاصة. ووفق تقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن لعام 2024، قدرت الإيرادات التي جمعها وسيطر عليها الحوثيون خلال عام 2023 بنحو 3.392 تريليون ريال (نحو 14 مليار دولار)، بينها قرابة 300 مليار ريال (مليار و270 مليون دولار) من نقاط التحصيل البرية".
واستطرد قائلاً إن "التقرير نفسه أشار إلى تحصيل نحو 994 مليار ريال (أربعة مليارات و290 ألف دولار) رسوماً جمركية على واردات الوقود عبر الموانئ الخاضعة لسيطرتهم، ومنها الحديدة، بين أبريل (نيسان) 2022 ويونيو (حزيران) 2024. وقدرت وزارة الخزانة الأميركية خلال يناير (كانون الثاني) الماضي عائدات تجارة النفط غير المشروعة بأكثر من ملياري دولار سنوياً".
وذكر الحميدي أن "الموارد الأخرى تشمل قطاع الاتصالات، الذي قدر تقرير الخبراء الأمميين لعام 2025 إيراداته بنحو 150 مليار ريال (653 مليون و191 ألف دولار) سنوياً، فضلاً عن الزكاة والأوقاف والخمس ومصادرة الأراضي والعقارات والشركات والممتلكات الخاصة، وتضاف إليها شبكات السوق السوداء للمشتقات النفطية، وعمليات التهريب وشراء الأسلحة، والتلاعب بالمساعدات الإنسانية والمتاجرة بأقوات المحتاجين، وتوجد تحقيقات واتهامات في شأن تجارة المخدرات، لكن تحديد عائداتها المباشرة للجماعة يحتاج إلى أدلة مستقلة".
واستنتج أن "المشكلة ليست في حجم الأموال وحده، بل في غياب الشفافية والرقابة، وتحويل موارد المجتمع إلى اقتصاد حرب، بينما يعيش ملايين اليمنيين من دون رواتب منتظمة أو خدمات أساسية، ويتحمل المزارعون والتجار والمواطنون كلفة هذه السياسات".