Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مناورات كالينينغراد الخطرة... هل ينفذ بوتين تهديده النووي؟

حذّر من أن أي هجوم على المقاطعة الروسية المعزولة سيؤدي إلى استخدام "كل الأسلحة المتاحة" للرد و"الناتو" يستبعد الحرب الذرية ضده

ينظر بوتين إلى "الناتو" ليس كحلف دفاعي بل كأداة للتوسع الغربي مما يبرر لديه حتى استخدام القوة العسكرية (أ ف ب)

ملخص

قال بوتين إن "مسألة استخدام روسيا الاتحادية جميع الأسلحة التي تملكها بلادنا على جدول الأعمال، ستُطرح حتماً وعلى الفور، وسيتعين علينا أن نستخدم مزايانا التنافسية في هذه المواجهة، أما عن ماهية هذه المزايا؟ فإنها تكمن في وسائل الدفاع عن أنفسنا، والتي تشمل ضمناً كل هذه المزايا التنافسية".

شهدت الأيام القليلة الماضية تصعيداً حاداً بين روسيا و"الناتو" حول مقاطعة كلينينغراد، المعزولة برياً عن الوطن الأم روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، وقد جاءت المناورات الأخيرة "Gallant Boar 2026" التي قامت بها فرنسا وليتوانيا وبولندا، قرب ممر "سوالكي"، مواكبة لاعتراض سفن روسية، فضلاً عما صدر من تصريحات أوروبية استفزازية على لسان مسؤولين أوروبيين تجاوزاً للخطوط الحمر، وهو ما وصفته روسيا بأنها "لعبة خطرة" من نخبة سياسية أوروبية "غير مسؤولة"، لتزيد من حدة التوتر في المنطقة، إضافة إلى استمرار القيود التي فرضتها ليتوانيا بإيعاز من الاتحاد الأوروبي، على نقل البضائع عبر أراضيها إلى كالينينغراد منذ عام 2022، مما يزيد من مخاوف موسكو من خنق مقاطعة كالينينغراد اقتصادياً، وأن تؤدي هذه الإجراءات إلى عزلها تماماً عن ارتباطها بالوطن الأم.

وكانت موسكو أعربت عما يمكن أن تقوم به رداً على مثل ما تقوم به بلدان "الناتو" على مقربة مباشرة من الأراضي الروسية، وذلك ما جرى تأويله بوصفه "تهديدات غير مباشرة" باحتمالات استخدامها للأسلحة النووية، مما توقف عنده الرئيس فلاديمير بوتين طويلاً خلال حديثه الأخير في اللقاء السنوي لـ "منتدى فالداي".

رحلة في الذاكرة

خلال اجتماعه السنوي الـ23 لـ "منتدى فالداي" الدولي الذي عقد هذا العام في مدينة أسترا، غير بعيد من العاصمة موسكو، توقف الرئيس فلاديمير بوتين عند مناورات "الناتو" التي وصفتها المصادر الرسمية الروسية بـ "غير المسبوقة"، في معرض تقييمه للأوضاع الدولية الراهنة.

وقال إن الأوضاع الحالية تقوم على ركيزتين أساسيتين، وهما الانتقال إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب، واعتبار توسع "الناتو" تهديداً وجودياً لروسيا، وأضاف الرئيس الروسي أن النظام الدولي يمر بمرحلة انتقالية من نموذج أحادي القطب، تهيمن عليه الولايات المتحدة، إلى نظام متعدد الأقطاب، حيث تلعب دول مثل الصين والهند والبرازيل، ضمن تجمع "بريكس"، أدواراً متزايدة، مؤكداً أن مثل هذا التحول من جانب بلدان مجموعة "بريكس" على سبيل المثال هو نتيجة طبيعية لفشل محاولات الحفاظ على الهيمنة الغربية بالقوة.

وكانت مصادر "الكرملين" اتهمت "الناتو" بتهديد أمن روسيا بما تقوم به من مناورات على مقربة من حدودها الغربية، وما تحاكيه من حصار جوي وبحري لمقاطعة كالينينغراد، يضاف إلى عزلتها البرية عن الأراضي الروسية، بموقعها الجغرافي على شواطئ البلطيق وجيرتها البرية مع كل من ليتوانيا وبولندا.

وانطلاقاً من كون روسيا دولة نووية، فقد استقبلت كثير من البلدان الغربية ما صدر عن "الكرملين" من تصريحات حول "استخدامها لكل ما لديها من وسائل للرد على أي عدوان ينال من كالينينغراد"، مما رفع من مستويات القلق، وزاد من مخاوفها من احتمالات استخدام الأسلحة النووية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي هذا الصدد، أشار بوتين إلى الموقف من "الناتو"، وما يعنيه من تهديد وجودي وخديعة تاريخية، وما يشكله من تهديد مباشر لأمن روسيا، مضيفاً أن موقف روسيا تجاه الحلف يرتكز على نقاط رئيسة عدة، منها ما يرتبط بخداعه المستمر منذ وعده لروسيا بعدم التوسع شرقاً، بعد انتهاء الحرب الباردة، فضلاً عن رفضه انضمام روسيا إلى "الناتو" مرتين: الأولى عام 1954، والثانية عام 2000، ومواصلته التوسع بداية من تسعينيات القرن الماضي، ليشمل دولاً على حدود روسيا، مما أثار "قلقاً مشروعاً" لدى موسكو.

كذلك حذّر بوتين صراحة من أن أي هجوم مباشر على الأراضي الروسية، بما في ذلك مقاطعة كالينينغراد، سيؤدي إلى استخدام بلاده "كل الأسلحة المتاحة"، بما فيها النووية، للرد على مثل هذا الهجوم.

وإذ أشار إلى أن روسيا تواجه "خصماً يملك ضعف قدراتها"، فقد خلص إلى تأكيد أن بلاده ستعتمد على "مزاياها التنافسية" في هذا الصراع، في إشارة غير مباشرة الى القدرات النووية لبلاده.

وتحول الرئيس الروسي ليؤكد أن العالم يتجه نحو التعددية القطبية، وأن روسيا تسعى إلى تكون أحد أقطابها الرئيسين، وفي هذا الإطار يُنظر إلى "الناتو" ليس كحلف دفاعي، بل كأداة للتوسع الغربي وتهديد وجودي، مما يبرر كل الإجراءات الروسية، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية، لحماية "مجالها الحيوي" وأمنها القومي.

رد موسكو ومعانيه

أكد بوتين أن موسكو ستضطر إلى توظيف مزاياها من الأسلحة التنافسية في وسائل الدفاع، إذا تعرضت لهجوم، مؤكداً أنها لا تنوي مهاجمة أحد، مضيفاً أن بلاده في حال تعرض سلامة أراضيها لأي خطر مباشر "ستُطرح على جدول الأعمال، حتماً وعلى الفور، مسألة استخدام جميع الأسلحة التي تملكها، وسيتعين علينا أن نستخدم مزايانا التنافسية في هذه المواجهة، أما عن ماهية هذه المزايا، فإنها تكمن في وسائل الدفاع عن أنفسنا التي تشمل ضمناً كل هذه المزايا التنافسية".

ومضى الرئيس الروسي ليدلي بمزيد من تفسيراته لهذه "المزايا" بقوله "إن هذه المزايا تتمثل في أن أحداً لا يمتلك وسائل التدمير التي تمتلكها روسيا"، وهو ما يعده خصومها "إشارة غير مباشرة للأسلحة النووية"، وزاد على ذلك ما قاله حول تصريحات بعض رجال السياسة الغربيين، في شأن استعدادات أوروبا، للحرب مع روسيا خلال الفترة بين عامي 2029 و2030، وإن قال إن روسيا "لا تهدد أحداً، ولا تنوي مهاجمة أحد، لا في عام 2029 ولا في 2030 ولا 2050، لكن إذا واجهت عدواناً ينال من الأراضي الروسية بما فيها كالينينغراد فإنها ستكون مضطرة إلى الرد باستخدام كل الوسائل المتوافرة لديها".

 

وكان المتحدث الرسمي باسم "الكرملين"، دميتري بيسكوف، أضاف إلى ذلك أن "هذا التحذير ليس تصعيداً، ولا ينبغي اعتباره كذلك"، مؤكداً أن الرد النووي على حصار كالينينغراد منصوص عليه في الوثائق التنظيمية والعقيدة النووية الروسية، التي جرى تحديثها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وذكر أن موسكو سمعت مراراً وتكراراً "تصريحات شائنة" من بولندا ودول أوروبية أخرى حول كالينينغراد، "ولذلك فمن الطبيعي تماماً أن يحاول دبلوماسيونا تذكير الأطراف المتشددة في أوروبا بوثائق سياستنا المتعلقة بهذا الشأن".

وفي هذا الصدد توقف المبعوث الشخصي للرئيس بوتين ورئيس الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة كيريل دميترييف، ليشيد بما قاله رئيس الوزراء الليتواني مينداوغاس سينكفيتشيوس، حول غياب أدلة على "الخطط العسكرية الروسية"، ونقلت وكالة "سبوتنيك" عنه قوله إن رئيس الوزراء الليتواني كشف في مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، عما أبلغه به الأخير حول "عدم وجود أية أدلة حقيقية، بما فيها استخباراتية، على أن روسيا تخطط فعلاً لعمليات عسكرية ضد الاتحاد الأوروبي".

وكتب دميترييف على صفحته في منصة "إكس"، إن "كلمات حكيمة على نحو غير معتاد من رئيس الوزراء الليتواني، الذي يعترف صراحة بأن الهيستيريا على شكل "التخويف من روسيا"، والتي انتابت أوروبا، لا تستند إلى أية وقائع، مؤكداً على أن البيروقراطيين الأوروبيين يستخدمون تهديدات مزعومة من جانب روسيا، لصرف انتباه السكان عن إخفاقاتهم في ملفات الهجرة والاقتصاد ومجالات أخرى.

أهمية كالينينغراد و"سوالكي"

وكالينينغراد مقاطعة روسية ذات أصول ألمانية، تقع على بحر البلطيق وتحدها كل من بولندا وليتوانيا، وهما عضوان في "الناتو"، وقد جرى ضم هذه المقاطعة التي كانت تحمل اسم كونيغسبيرج إلى الاتحاد السوفياتي السابق، بداية من يوليو (تموز) 1946 بموجب نتائج الحرب العالمية الثانية، وهي منفصلة جغرافياً عن الأراضي الروسية الرئيسة، وتمثل أهمية عسكرية كبيرة، وقاعدة تضم أسطول البلطيق وأنظمة صاروخية روسية، من بينها منظومات "إسكندر" الصاروخية القادرة على حمل رؤوس نووية.

أما ممر "سوالكي" (Suwałki Gap) فهو شريط من الأراضي البولندية والليتوانية يوافر الاتصال البري الوحيد بين دول البلطيق الثلاث: ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا، وبين بقية دول "الناتو"، مما يضفي عليه أهمية إستراتيجية خاصة، بما يشغله من موقع جغرافي مميز، فضلاً عن كونه طريقاً برياً للمرور ولسكك الحديد.

وفي صدد ما يرقى إلى مستوى الأزمة التي تتصاعد يوماً بعد يوم، بين أوروبا وروسيا، فإن "الناتو" قال على لسان أمينه العام مارك روته، إنه "تلقى تحذيراً من روسيا في شأن ردّ نووي محتمل في حال محاولة فرض حصار على كالينينغراد"، ووفقاً لوكالات الأنباء، فإن "موسكو تتهم، في مذكرة دبلوماسية، الحلف باتباع مسار خطر ومتهور، ينطوي على أخطار عالية لنشوب صراع مسلح مباشر".

 

وأضاف روته أن المذكرة أشارت إلى إمكان "شنّ ضربات على مراكز صنع القرار في الدول الأعضاء بالحلف"، وإضافة إلى نفيه السابق لإمكان استخدام الأسلحة النووية ضد دول البلطيق، كان روته أكد خلال مؤتمر عقده في بروكسل، أنه "لا يأخذ هذا التهديد من جانب روسيا على محمل الجد"، وذلك في أعقاب ما قاله بوتين في اجتماع للجنة الصناعات العسكرية عقد منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، حول أن موسكو لا تنوي القيام بأية أعمال عدائية تجاه أوروبا، وذكرت وكالة "رويترز" أن بوتين أشار في الاجتماع نفسه إلى "أن روسيا أخذت علماً بالمناورات الأوروبية الأخيرة في بحر البلطيق، والتي تضمنت، من بين أمور أخرى، التدريب على الاستيلاء على سفن مدنية، مضيفاً أن عدد التهديدات المحتملة لا يتناقص، وأن "الناتو" يتوسع.

وننقل عن وكالة "رويترز" ما نشرته حول ردّ روته، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، على هذا التصريح، وتأكيده أن "الناتو" حلف دفاعي، داعياً موسكو إلى الكف عن "التهديد بالأسلحة النووية"، ومؤكداً أن "هذا أمر غير لائق على الإطلاق، ولا يخدم أي غرض"، وفق "رويترز" التي أضافت أن "الناتو".

وفي ردّ مكتوب إلى روسيا، أكد "أن أياً من مناوراته لا تشكل تهديداً للأراضي الروسية"، على أن الأخطر والأكثر إثارة، بحسب مراقبين كثر، أنه "في الوضع الحالي ليس هناك وجود لحصار فعلي، وإنما تصاعد للخطاب العسكري، وزيادة القوات والتدريبات، والحوادث الجوية والبحرية، والتهديد الروسي باستخدام كل القدرات المتاحة في حال محاصرة كالينينغراد".

ولم تكن أوكرانيا لتغيب عن اهتمام الحضور خلال اجتماع بوتين مع ضيوف "منتدى فالداي" في اجتماعه السنوي، إذ أشار الرئيس الروسي إلى كونها الأداة التي تستخدمها الدول الغربية في حربها ضد روسيا، مؤكداً أن الضربات التي تشنها أوكرانيا في العمق الروسي، ما كانت لتتحقق لولا الاستطلاع الفضائي والدعم التقني الغربي، وقال "عند توجيه ضربات في عمق الأراضي الروسية، لا يمكن أن تسير الأمور بهذه السلاسة بالنسبة إلى القوات المسلحة الأوكرانية، من دون استطلاع فضائي، ومن دون مساعدة تقنية من خبراء غربيين".

ووصف الرئيس الروسي سعي بعض الدول إلى محاربة روسيا بالوكالة بأنه تهديد، وقال "حين يريد أحد أن يحاربنا بأيدي غيره، وفي هذه الحال بأيدي النظام الأوكراني الذي يزج بأبناء شعبه في محرقة الإبادة، فهذا بلا شك تهديد، وتهديد ينبغي لنا أن نستوعبه ونقيّمه ونضعه في الحسبان"، ثم عاد ليؤكد ثانية أن "الغرب يستخدم أوكرانيا أداة في حربه ضد روسيا"، مردداً ما سبق أن أشار إليه في أكثر من مناسبة حول أن جميع دول "الناتو" تقريباً تقاتل الآن ضد روسيا في أوكرانيا، وذلك نجده في ما أوجزه الرئيس الروسي بقوله "إن بلاده لا تنوي القيام بأية إجراءات عسكرية ضد أوروبا أو (الناتو)، وليست لديها أية خطط تستهدف ذلك"، مما يعني عملياً أن موقف روسيا يتلخص في أنه "خليط بين القوة العسكرية والانفتاح المشروط بالدبلوماسية"، بما يتفق مع كلمته التي استهل بها "العملية العسكرية الروسية الخاصة" في أوكرانيا في الـ22 من فبراير (شباط) 2022 ، وهو الاعتراف بمصالح بلاده الأمنية، وعودة أوكرانيا لوضعها الحيادي، بما يتفق مع بنود دستورها الذي أعلنته في مرسوم استقلالها، إضافة الى تخليها عن طلب الانضمام إلى "الناتو"، فضلاً عن الاعتراف بما قامت روسيا بضمه من أراض، ومنها شبه جزيرة القرم والمقاطعات الأربع في جنوب وجنوب شرق أوكرانيا، وإن كان بوتين سبق وأعلن قبوله بعض نقاط خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ذات الـ28 نقطة، التي عرضها في "لقاء ألاسكا" في الـ15 من أغسطس (آب) 2025.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير