Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التشادي روزي جدِّي يروي مآسي الصراع على السلطة

الفصول ثلاثة في "ثلاثية أنجمينا" والربيع غائب بسبب الحروب والحر

من مآسي الشعب التشادي (الأمم المتحدة)

ملخص

تمتد أحداث رواية "ثلاثية أنجمينا" للكاتب التشادي روزي جدِّي، لمدة عام واحد، إلا أنه يقسمها إلى ثلاثة "كتب"، يحمل كل منها اسماً لأحد فصول السنة، باستثناء فصل الربيع، ربما لأن المناخ الصحراوي يجعله شبيهاً بالصيف الشديد الحرارة، وربما لأن البلاد لم تعرفه بالمعنى السياسي لانشغالها بحروب ما إن تنتهي إحداها حتى تشتعل أخرى.

يتناول الروائي التشادي روزي جدِّي في روايته "ثلاثية أنجمينا" (دار ديوان) شخصيات يحاصرها واقع بلا أفق يبشر بتحسن الأوضاع المعيشية، على عكس ما كان يشي به اكتشاف النفط قبل نحو عقدين، ومن ثم فإنهم يسعون إلى فرصة لمغادرة البلاد، لكن الشخصية الرئيسة في العمل؛ "أبكر بركاي"، سعى إلى عكس ذلك، عندما قرر في مستهل العام الذي تدور فيه الأحداث أن يغادر باريس بعدما عاش فيها نحو عشر سنوات وحصل على جنسيتها وأصبح على رأس عمل مرموق، إلى أنجمينا، مشدوداً بحنين غامض إلى ذكريات طفولته فيها.

 تبدأ الرواية بـ"كتاب الشتاء"، يليه "كتاب الصيف"، وتختتم بـ"كتاب الخريف". يتولى السرد"جنكيز عثمان اللمين" بضمير المتكلم، ويشاركه فيه راو عليم، هو طالب في السنة النهائية في كلية الحقوق، يكتب الأدب. يولي "جنكيز" صديق طفولته "أبكر بركاي" الاهتمام الأكبر، فتبدأ الرواية بخبر وصوله إلى أنجمينا قادماً من فرنسا، وتنتهي بموته منتحراً بعد بتر ساقه في "المستشفى الأميركي" في باريس. كان "أبكر" قد تعرض لإطلاق نار، خلال إحدى المعارك بين الجيش والمعارضة المسلحة في أنجمينا وأجلته طائرة عسكرية فرنسية إلى باريس لإنقاذ حياته، بوصفه مواطناً فرنسياً.  

حدث العودة

"لم يكن ليحدث كل هذا لو استمع إلى أمه. لم يكن ليحدث كل هذا لو لم يعد إلى الوطن". هكذا يستهل السارد الفصل الأول من الرواية الذي يحمل اسم "أبكر بركاي"، فيما يأتي الفصل الأخير حاملاً الاسم نفسه، ليُفصل ذلك الذي حدث. وهكذا يتخذ العمل بناءً دائرياً، ليركز، عبر تقنية الاسترجاع، على مأساة الشاب "أبكر بركاي" الذي عانى من التمييز بسبب سواد بشرته في ظل تصاعد شعبية "التجمع الوطني" اليميني في فرنسا بقيادة ماري لوبان.

أصيب "أبكر" باكتئاب حاد، دفعه إلى اتخاذ قرار العودة إلى مسقط رأسه، على غير إرادة أسرته: "عندما قرر الانتحار، أراد أن يقفز (من شرفة غرفته في المستشفى الباريسي) وفي أذنيه وذاكرته أغنية لأحمد بيكوس، لكن حبال ذاكرته ذهبت إلى عجيزة أم بنَّة بائعة الفنقاسو، قبيل لحظات من ارتطام جسده بالأرضية، ولن يعرف أبداً أن آخر أغنية سمعها لم تكن لبيكوس، بل لمغنٍ آخر يدعى دار سيلا" ص 7. كلمات من تلك الأغنية اختتم بها جدِّي الرواية: "البلد دي أنا تاني ما بجي/ تشاد دي أنا تاني ما بجي/ الحِلة دي أنا تاني ما بجي"، عاكساً رغبة اعترت غالبية شخصيات الرواية: الخروج بلا عودة من بلاد لا تتوقف فيها حرب إلا لتبدأ حرب جديدة. 

والحاج أحمد بيكوس (مهدي أحمد مهدي صديق)، يُعد من أبرز رموز الفن والموسيقى في تشاد، وهو أحد مؤسسي جمعية الموسيقيين التشاديين وكان رئيساً لها، وعرفت فرقته باسم "الجيل الموسيقية". أما محمد علي دار سيلا، فقد عرف بتقديم الأغاني التراثية والوطنية والاجتماعية المعبرة عن الثقافة التشادية والتنوع الثقافي في البلاد.

بيئة عربية

بحسب "جنكيز"، فإن "أبكر بركاي" كان قد غادر أنجمينا في طفولته، "مرعوباً مذعوراً"، عقب انقلاب فاشل شارك فيه والده وبعض جنرالات، "أيقنوا أن رفيقهم الرئيس قرر التخلص منهم، مع أنهم خاضوا الثورة ووصلوا إلى السلطة معاً". لا يحب اسمه "لأنه لا يشبهني، ليس من المناسب أن نطلق جنكيز على شخص أسود، أكرت الشعر، ولد في أنجمينا أواسط التسعينيات". صديقه "إدريس ود كرل"، يناديه أحياناً "ود مابيريو"، "رداً على سخريتنا من اسمه الذي ألصقه والده باسم قريته. هو ينحدر من أسلاف عاشوا في كرل وما حولها، وأبي ولد في قرية مابيريو"

. تدور الأحداث في بيئة تتحدث العربية في جنوب غرب تشاد، وتحديداً في العاصمة أنجمينا ومحيطها. من عاداتها: "من العيب أن يتحدث الرجل عن أخواته، هكذا علموني، ولن أخالف العادات"، يقول "جنكيز". على رغم أن "ود كرل" قال له: "الكاتب هو القادر على الحديث عن كل شيء. يتحدث عن حياته كأنها حياة أشخاص آخرين، ويحكي قصص الآخرين كأنها حياته الشخصية". ينتظر التخرج ليسافر من فوره إلى فرنسا، "الجميع هنا يحلم بمغادرة البلاد، عدا إدريس، فقد سبق أن سافر إلى فرنسا وألمانيا لحضور مؤتمرات عن الكتابة والصحافة، وعاد بعدها من دون أن يتسلل ويبقى هناك مقدماً على اللجوء كما فعل الآلاف".

يقول "جنكيز": "منذ استقلال البلاد لم نعرف سنة واحدة من دون وجود معارضين مسلحين رابضين على حدودها في انتظار اللحظة المناسبة لضرب العاصمة". لم يرتبط "جنكيز"، المعروف باستقامته، بصداقة حقيقية سوى مع "أبكر بركاي" ولذلك اختاره الأخير ليرافقه إلى "المستشفى الأميركي" في باريس ويلازمه طوال أيام سبقت إقدامه على الانتحار. استقبله في مطار "أنجمينا" وصحبه إلى البيت الذي سبق أن فرت منه الأسرة قبل عشر سنوات، ثم ما لبث أن تركه لمصاحبة "إدريس ود كرل"، الذي كان يعمل صحافياً ومترجماً ومدققاً لنصوص الأدباء المبتدئين، في التردد على الحانات والمقاهي الشعبية"، في البداية كان "أبكر يعيش في أنجمينا أجمل أيامه. ينام حتى العاشرة، ثم يخرج بسيارته مرتدياً الرداء الهولندي، ليوزع الحلوى على أطفال الحارة من النافذة، في حين يركض الأطفال خلف السيارة مرددين بصخب: بركاي أنطانا كادو" .

أما في فرنسا، فكان يعمل في مكتب استشاري بشهادة في قانون العلاقات، حصل عليها من جامعة باريس ديكارت؛ "يمضي الأصيل في الضفة الشمالية لنهر السين، ويشتري الحبوب ويطعم الحمام الزاجل متفرجاً على تدافعه"، "كان لا يعرف الكثير عن بلاده، ولم يسأله أحد عنها، حتى أتت مارين لوبين، وعكَّرت حياته وجعلته يدرك أنه من عِرق آخر وبلاد أخرى بعيدة" .

نماذج متباينة

يقدم روزي جدَّي نماذج متباينة من الطبقة الوسطى المثقفة وأخرى من المشردين وممن يعيشون في بيوت أحياء عشوائية تحت خط الفقر، في مقابل طبقة الصراع على السلطة التي لا تأبه سوى لتحقيق مصالحها الشخصية حتى ولو جاء ذلك عبر إثارة الفتن بين جنوبيين وشماليين، ومسلمين ومسيحيين، وعرب وزنوج. كما يتطرق الدور الذي لعبه تشاديون مع أفارقة آخرين في الدفاع عن فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية. كما يتطرق إلى انفتاح قطاع معتبر من التشاديين على الأدب العربي، جنباً إلى جنب مع الأدب العالمي، لكن يلاحظ أن الحوار غلبت عليها مفردات شديدة المحلية كان يصح أن تُشرح في هوامش.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"إدريس ود كرل"، لا يعتبر أياً ممن يتواصل معهم في الجامعة حيث يحضر لأطروحة ماجستير، أو خارجها، صديقاً له. وحتى "مريومة" التي كان يحبها، تنازل عنها ببساطة لـ"أبكر بركاي" الذي كان يرغب قي أن ينسى حبيبته الفرنسية "كارلا" بعدما لاحظ ميلها إلى أفكار لوبان اليمينية المعادية لذوي الأصول غير الفرنسية، خصوصاً من ذوي البشرة السوداء. الوحيد الذي تمنى "ود كرل" أن تربطه به صداقة هو "محمود بركاي"، ابن عم "أبكر"، إلا أنه بحسب تعبيره؛ "يفضل مصادقة الملائكة على البشر.

وهنا يخبره "جنكيز" بأن "محمود" لا يمكن أن يصادقه، "لأنه يعتبره ليبرالياً لعيناً". ويعد "محمود بركاي" نموذجاً للتطرف الديني، الذي طرأ على الحالة التشادية في السنوات الأخيرة، وارتكبت بسببه مذابح عدة راح ضحيتها آلاف من الأبرياء، بحسب متن رواية "ثلاثية أنجمينا". كان"ود كرل" ينشر مقالات في صحف في بيروت والقاهرة ويستضاف في القنوات ويحوم حوله الكتاب المبتدئون ليأخذوا رأيه فيما يكتبون. قبل الحرب بين الرئيس الحالي لتشاد ومعارضيه، كان يعمل في الترجمة بعقود حرة، فهو يجيد العربية والفرنسية والانجليزية.

يقول: "منذ سنة وأنا أترجم لثلاث وزارات بسرية تامة، لأنها لا تملك مترجماً قادراً على ترجمة قرار لا يكلف المرء سوى نصف ساعة. لكن ولا واحدة من هذه الوزارات فكَّرت في توظيفي، على رغم أنني طلبت من الجميع صراحة". ومن هؤلاء الحالمين بأن يبحوا أدباء "سلمى" التي سلمت "ود كرل" مخطوطة بعنوان "مذكرات عاهرة" ، و"دمَّان مكاوي" (الملحد)، الذي سلمه مخطوطاً تحت عنوان "رسائل ممن انشقينا". يكتب "انشقينا" بدل أنجمينا. لأنه يشقى هنا – يشرح إدريس – ومن حقه أن يكتب ما يحس به. ثم ما يلبث أن يسلم "ود كرل" المخطوطتين إلى "جنكيز" ليبدي رأيه فيهما، ومن ثم فإنه ينشر أجزاء منهما، في سياق سرده لأحداث الرواية، وفي قلبها واقعة عودة "أبكر" إلى أنجمينا، مرورا بحياته اللامبالية فيها، وصولاً إلى إصابة إحدى ساقيه برصاصتين، ما ترتب عليه بترها، ومن ثم إقدامه على الانتحار.

يقيم روزي جدِّي في أنجمينا، ويعمل في السلك القضائي، صدرت له من قبل أربع روايات. فازت روايته "زمن الملل" بجائزة غسان كنفاني، ونال جائزة التميز الأدبي عن روايته "ارتدادات الذاكرة"، وهي أرفع الجوائز التي تمنحها وزارة الثقافة في تشاد. وخلال العام الحالي فاز بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة عن كتابه "فوق الأهرامات وتحت القباب: يوميات بين القاهرة وإسطنبول".         

    

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة