Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القواعد الليبية... بوابة النفوذ الروسي نحو دول الساحل

جسر جوي مكثف وقواعد عسكرية تدعم تمدد الفيلق الأفريقي

روسيا سيرت 75 رحلة جوية نحو بوركينا فاسو ومالي والنيجر، جميعها استخدمت القواعد الجوية الليبية كنقطة ربط، انطلاقاً من يناير  2025 إلى يوليو الماضي (مواقع التواصل)

ملخص

تكشف بيانات تتبع الملاحة وتقارير مراكز الدراسات الدفاعية عن تحول الشرق والجنوب الليبي إلى عقدة لوجيستية، وجسر جوي محوري لتمدد "الفيلق الأفريقي" التابع لوزارة الدفاع الروسية نحو دول الساحل الأفريقي (مالي والنيجر وبوركينا فاسو). وتستخدم موسكو القواعد الجوية الليبية، مثل الخادم والجفرة وبراك الشاطئ وتمنهنت، كمحطات وسيطة للتزود بالوقود ونقل الأفراد والعتاد من روسيا وقاعدة حميميم في ـسوريا، وصولاً إلى باماكو. ويؤكد خبراء عسكريون وسياسيون أن هذا التموضع يقلل كلفة وأخطار الإمداد، ويمنح روسيا بديلاً استراتيجياً عن الموانئ السورية، مما يعزز نفوذها السياسي والاقتصادي داخل المنطقة لتعويض الانكفاء الفرنسي والأميركي

من قواعد الخادم والجفرة في الشرق والوسط إلى براك الشاطئ وتمنهنت الجوية في الجنوب الليبي، نطاق جغرافي تتمدد فيه عناصر الفيلق الأفريقي الروسي التابع لوزارة الدفاع الروسية، مستغلة موقع ليبيا الذي يربط البحر الأبيض المتوسط بشمال القارة الأفريقية ومنطقة الساحل الأفريقي.

حضور روسيا في عدد من القواعد الجوية الليبية عبَّد الطريق أمامها للانفتاح على دول الساحل الأفريقي، وبخاصة مالي عبر المسار الليبي - النيجيري، وفي أغسطس (آب) الماضي أكد مركز الدراسات الدفاعية المتقدمة (C4ADS)، الذي يتخذ من واشنطن مقراً له، تعزيز روسيا لوجودها العسكري داخل منطقة الساحل الأفريقي وبخاصة في بوركينا فاسو ومالي والنيجر، موضحاً في تقريره أن جميع الرحلات مرت عبر ليبيا.

قوة عابرة للصحراء 

فريق التتبع الملاحي في "إيكاد" أكد بدوره تنفيذ طائرتين حكوميتين روسيتين أربعة تحركات بين روسيا وباماكو، جميعها استخدمت بنغازي شرق ليبيا كمحطة وسيطة، التقرير الصادر في الـ29 من سبتمبر (أيلول) الماضي، قال إن المسار الجوي شمل أيضاً قاعدة حميميم السورية.

ومع بروز مالي كأحد مراكز النفوذ الروسي في الساحل الأفريقي انطلاقاً من ليبيا، يقول العقيد المتقاعد من قوات الجيش الموريتاني البخاري مؤمل إن روسيا سيرت 75 رحلة جوية نحو بوركينا فاسو ومالي والنيجر، جميعها استخدمت القواعد الجوية الليبية كنقطة ربط، انطلاقاً من يناير (كانون الثاني) 2025 إلى يوليو (تموز) الماضي، وذلك وفق معلومات صادرة عن موقع C4ADS الأميركي.

 

وحول دور القواعد الليبية في هذا الجسر الرابط بين ليبيا ودول الساحل الأفريقي يؤكد العقيد الموريتاني أن القواعد الجوية مثل الخادم معطن السارة والجفرة والويغ استخدمت كمحطات للتزود بالوقود والراحة، قبل توجه الطائرات الروسية نحو دول الساحل الأفريقي. ويقول إن هذه الرحلات توظف لنقل القطع البحرية والمقاتلين والعتاد نحو الدول المذكورة، منوهاً بأن روسيا لديها قرابة 2500 عنصر في مالي التي تمثل نقطة إمداد نحو بقية دول الساحل الأفريقي.

ويرى العقيد الموريتاني أن الوجود الروسي في مالي يتحول إلى قوة إقليمية عابرة للصحراء، من خلال الفيلق الأفريقي الروسي التابع لوزارة الدفاع الروسية، مضيفاً أن الساحل الأفريقي ينتقل من نظام غربي مهيمن في السابق إلى نظام تنافسي متعدد المراكز حالياً، أصبحت روسيا اليوم أحد أقطابه العسكرية الرئيسة.

هامش للمناورة 

ويتابع أن هذا التحول يطرح تساؤلاً حول كيفية تعامل دول الساحل مع القوى الكبرى، وما إذا كان ذلك يمنحها هامشاً أوسع للمناورة، لافتاً إلى أن التطورات الحالية قد تمثل فرصة لدول المنطقة لتنويع علاقاتها وشراكاتها الدولية.

ويوضح أن فرنسا تبدو أبرز الخاسرين من هذا التحول، مشيراً إلى أن روسيا امتازت عليها بوضوح الرؤية في علاقتها بالأنظمة الحاكمة، إذ دعمت موسكو الأنظمة القائمة في النيجر ومالي وبوركينا فاسو، بينما لم يتجه الموقف الفرنسي في الاتجاه نفسه.

وحول الحركة الجوية، يؤكد مؤمل أن مسار الرحلات من روسيا مروراً بشرق وجنوب ليبيا وصولاً إلى النيجر ومالي سيشهد تزايداً خلال الفترة المقبلة، ويُعزى ذلك إلى تراجع نسبي في تركيز القوى الغربية على الساحل، في ظل انشغالها بالحرب داخل أوكرانيا، وانتقال جزء من الاهتمام الأميركي إلى دعم إسرائيل إثر تطورات الشرق الأوسط، إلى جانب الصراع الجيوسياسي مع الصين، قائلاً إن الغرب لم يهمل الساحل الأفريقي، لكن حضوره تراجع مقارنة بالحضور الروسي، وهو ما قد يمنح دول المنطقة فرصة أكبر لتطوير علاقاتها مع القوى الدولية المختلفة.

دعم الفيلق

في قراءته للتحرك الروسي من ليبيا باتجاه مالي عسكرياً ولوجيستياً، يقول العميد المتقاعد من قوات الجيش التونسي وعضو الهيئة الاستشارية لمركز الجامعة العربية للدراسات الأمنية مختار بالنصر إنه يصعب قراءة الرحلات الأربع كحركة منفصلة، فالمعطيات الحديثة تشير إلى جسر جوي روسي منتظم يربط شرق ليبيا بمالي، وقد رُصدت عشرات الرحلات المرتبطة بالإمداد الروسي للساحل مع اعتماد واضح على القواعد الليبية كنقاط عبور.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى أن ليبيا تبدو لوجيستياً كـ"محطة وسيطة" لإعادة تجميع وشحن المعدات المقبلة من روسيا بحراً أو جواً، ثم دفعها إلى مالي. فوصول معدات عسكرية إلى طبرق في سبتمبر (أيلول) وتزامن نقل جزء منها جواً إلى مالي يدعم هذه القراءة، وإن كانت حمولة كل رحلة غير قابلة للتأكيد من بيانات التتبع وحدها.

ويتابع أن التكرار والانتظام في عمليات الإمداد يوحيان عسكرياً بدعم مستمر للفيلق الأفريقي الروسي في مالي، ولا يمكن اعتبار ذلك مجرد زيارة أو مهمة نقل استثنائية، وتشمل شبكة الإمداد عادة أفراداً وقطع غيار وذخائر ومعدات لوجيستية، لكن لا يمكن الجزم بمحتوى الرحلات الأربع تحديداً.

ويؤكد العميد بالنصر أن الأهم استراتيجياً هو تحوُّل شرق ليبيا إلى عقدة في العمق اللوجيستي الروسي نحو الساحل، مما يقلل الاعتماد على طرق برية طويلة ومعقدة، ويتيح لموسكو ربط قواعدها الليبية مباشرة بباماكو. ويقول إن الرحلات الأربع ومساراتها تعد جزءاً من عملية إمداد جوي متكررة لدعم تركيز الوجود الروسي في مالي، أكثر من كونها تحركاً قتالياً روسياً مباشراً من ليبيا.

بديل عن سوريا 

وعلاقة بالمزايا التي يقدمها هذا المسار الجوي بين ليبيا ومالي للحضور العسكري والروسي في الساحل الأفريقي، يرى بالنصر أن إضافة مالي إلى مسار الرحلات اللوجيستية الروسية المنطلقة عبر ليبيا تعني عملياً تحويل ليبيا إلى عقدة إمداد أمامية نحو الساحل، وليس مجرد محطة عبور، إذ تشير بيانات تتبع الرحلات إلى مسار متكرر انطلاقاً من روسيا نحو قواعد في ليبيا ومنها إلى مالي، مع استخدام طائرات نقل روسية تابعة لوزارة الدفاع.

وينوه أن ذلك يسمح بمزيد من تأمين واختصار خط الإمداد إلى باماكو مقارنة بالاعتماد على طرق برية، ويمكن من ربط مسرحي العمليات، فتصبح القواعد الليبية جزءاً من شبكة واحدة تمتد من شمال أفريقيا إلى مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

ويضيف أن هذا المسار يقدم مرونة استراتيجية، إذ تمنح ليبيا موسكو بديلاً مهماً بعد فقدانها جزءاً كبيراً من البنية الروسية في سوريا، مع استمرار تطوير البنية الجوية الليبية، ويسمح هذا المسار بنقل الأفراد والمعدات والإمدادات المختلفة بسرعة أكبر إلى الساحل.

ويختتم بالنصر بالقول إن روسيا تجعل اليوم من ليبيا عملياً بوابة لوجيستية نحو الساحل، وتمنح الحضور الروسي قدرة أكبر على الاستدامة والحركة، وتبقى فعالية هذا النموذج مرتبطة بالوضع الأمني في مالي وقدرة موسكو على حماية خطوط الإمداد.

الأخطار الأمنية 

في شأن الدور الذي يمكن أن تؤديه ليبيا في تحرك روسيا باتجاه منطقة الساحل، يقول الباحث والكاتب في الشؤون الأفريقية محمد تورشين إن انخفاض الكلفة يمثل أحد العوامل المهمة، موضحاً أن روسيا تدرك أن وجودها في أفريقيا مرتبط ارتباطاً وثيقاً بليبيا، وبخاصة في المنطقة الشرقية والجنوبية، إذ يمكن أن ترسل البوارج والقطع البحرية الروسية إلى ليبيا، ثم يُنقل الدعم اللوجيستي من طريق الطائرات نحو منطقة الساحل الأفريقي، مما يقلل كلفة عملية الشحن والأخطار الجوية.

ويضيف تورشين أن روسيا ترى أن كل الدعم الذي يأتي إلى أفريقيا ينبغي أن يكون من طريق ليبيا، باعتبارها القاعدة البحرية والجوية الأكبر، فضلاً عن أن الأوضاع داخلها أكثر أمناً مقارنة بدول الساحل الأفريقي. ويتابع الكاتب المتخصص في الشؤون الأفريقية أن استهداف روسيا في ليبيا معدوم مقارنة ببقية دول الساحل الأفريقي، وبخاصة في ظل الأخطار الأمنية الكبيرة في دول الساحل.

 ويقول إن ليبيا تعد المحور الأساس لكل العمليات العسكرية واللوجيستية الروسية في منطقة الساحل الأفريقي، وحتى في منطقة البحيرات العظمى وسط أفريقيا، التي تتميز بوجود المياه العذبة والمعادن النفيسة. ويلاحظ تورشين أن روسيا تعتمد على القواعد الجوية الليبية لإحداث تأثير سياسي واقتصادي في منطقة الساحل الأفريقي.

ويرى تورشين أن تعزيز روسيا لحضورها في مالي يرتبط بعدة اعتبارات، ويظهر ذلك من خلال الطائرات التي أرسلتها إلى مالي، والتعاقدات العسكرية، إضافة إلى الدور الروسي في المواجهات العسكرية والاعتماد عليها لمعالجة الخلل الأمني في باماكو وتعويض الخروج الفرنسي والأميركي.

ويضيف أن تعزيز الحضور الروسي في مالي مسألة مهمة جداً، فمالي مفتاح منطقة الساحل ومن أكثر الدول اضطراباً، بالتالي فإن استعادة الأمن والاستقرار في مالي ستسهم في إعادة السيطرة وانتشار النفوذ الروسي إلى بقية دول الساحل الأفريقي.

ويؤكد أن الجماعات المتطرفة ومن بينها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تنطلق من مالي، وهي أحد العوامل التي عززت وجود روسيا في هذا البلد، لافتاً إلى أهمية الموارد المنجمية، فمالي من أغنى الدول الأفريقية وأكثرها تصديراً للذهب، الذي يقول إنه من أهم العوامل التي دفعت روسيا إلى نسج علاقات مع مالي من خلال الشركات والتعاون العسكري.

المزيد من تقارير