Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تعز... من حاضرة الثقافة إلى مدينة تحاصرها الحرب

الحصار يثقل حياة السكان والحرب تطاول معالم المدينة التاريخية وتهدد إرثها الحضاري العريق

تعز ليست مجرد مدينة محاصرة أو جبهة مشتعلة في حرب اليمن، بل واحدة من أبرز الحواضر الثقافية والعلمية في البلاد (اندبندنت عربية)

ملخص

تعيش مدينة تعز اليمنية تحت وطأة الحرب والحصار، وسط أزمة إنسانية متفاقمة ونقص حاد في الغذاء والدواء والوقود والمياه والخدمات الأساسية، فيما امتدت تداعيات الحرب إلى المشهد الثقافي والسياحي، وطاولت معالم المدينة التاريخية وآثارها التي تختزن ذاكرة أجيال وإرثاً حضارياً عريقاً، لتواجه تعز خطر فقدان جانب من هويتها الثقافية إلى جانب معاناة سكانها اليومية.

تعود تعز، المدينة اليمنية المحاصرة منذ أكثر من عقد، إلى واجهة الاهتمام الدولي مع استمرار الحرب وتفاقم معاناة سكانها، حتى وصل صدى مأساتها إلى الفاتيكان، حيث وجّه البابا لاون الرابع عشر أمس الأحد نداءً باللغة العربية أعرب فيه عن قلقه إزاء الوضع الإنساني الخطير في المدينة، وما يعانيه أهلها من نقص الغذاء والمياه والرعاية الطبية، داعياً إلى وقف الأعمال العدائية وضمان حق اليمنيين في العيش بسلام.

مدينة الثقافة محاصرة

لكن تعز ليست مجرد مدينة محاصرة أو جبهة مشتعلة في حرب اليمن، بل واحدة من أبرز الحواضر الثقافية والعلمية في البلاد، ومدينة ارتبط اسمها عبر قرون بالمعرفة والأدب والتعليم والحياة المدنية. ففي تعز، لم تكن الطريق إلى المدرسة مجرد رحلة صباحية، ولا الذهاب إلى المكتبة أو الجامعة تفصيلاً عابراً في يوم الناس. هنا، حيث كان العلم جزءاً من الحياة اليومية، اعتاد الطلاب حمل كتبهم في الشوارع، والمعلمون فتح أبواب الفصول، والقراء ارتياد المكتبات، والمثقفون الاجتماع لتبادل الأفكار.

 

غير أن الحرب فرضت واقعاً مختلفاً، فتحولت طرق الحياة اليومية إلى مسارات محفوفة بالخوف والأخطار، وأصبح الوصول إلى أبسط الحاجات معركة أخرى يخوضها السكان. وبين الحصار والقصف والدمار، تكافح المدينة للحفاظ على ما تبقى من مقومات الحياة، وعلى هويتها الثقافية التي طالما ميزتها، في مفارقة تختصر مأساة مدينة كانت تُعرف بمكتباتها ومدارسها ومنتدياتها، قبل أن تطغى على أخبارها أصوات المدافع وأوجاع المحاصرين.

تاريخ وازدهار

ولفهم حجم التحول الذي أصاب تعز، لا بد من العودة إلى تاريخها الزاهر، فقد كانت المدينة إحدى الحواضر اليمنية البارزة في العصور الوسطى، وبلغت مكانة سياسية وعلمية وثقافية مهمة في عهد الدولة الرسولية (1229–1454م)، وشهدت آنذاك ازدهاراً عمرانياً وعلمياً انعكس في بناء المساجد والمدارس والحصون، وفي نشاط العلماء والفقهاء وطلاب العلم. ولم يكن ذلك الازدهار مجرد أثر في كتب التاريخ، بل ترك بصمته في معالم لا تزال حاضرة في ذاكرة المدينة، وفي هويتها المعمارية والثقافية.

 

تقف قلعة القاهرة على مرتفع يطل على تعز، شاهدة على أهميتها الإستراتيجية عبر العصور، فيما تعكس القلاع والمنشآت الدفاعية الأخرى مكانتها في تاريخ اليمن. ويبرز جامع المظفر والمدرسة الأشرفية والمدرسة المعتبية بوصفها شواهد على ازدهار العمارة والتعليم الديني في العصر الرسولي. ولم تقتصر الحياة الثقافية على هذه المنشآت، فقد تشكلت أيضاً في الأسواق التقليدية والحرف والعادات الاجتماعية، وفي علاقة الناس بالعلم والمعرفة.

وهكذا تداخل التاريخ مع تفاصيل الحياة اليومية، لتصبح الثقافة جزءاً من هوية المدينة، لا مجرد إرث محفوظ في المباني القديمة.

الحرب قلبت المسار

غير أن الحرب التي أشعلها الحوثيون قلبت مسار الحياة في تعز، وألحقت أضراراً واسعة بنسيجها الاجتماعي والعمراني. ولم يكن ما أصاب المدينة مجرد خراب في المباني أو تراجع في الخدمات، بل كان تحولاً عميقاً مسّ علاقة الناس بمكانهم ومستقبلهم، فصار الذهاب إلى العمل أو المستشفى مرهوناً بظروف الطريق، وأصبح توفير الماء والغذاء والدواء عبئاً إضافياً على أسر أنهكتها سنوات الصراع.

ومع الحصار، امتدت المعاناة إلى تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية، فارتفعت كلفة التنقل، وتعطلت أعمال ومصالح، واضطرت أسر إلى تأجيل احتياجاتها، فيما واجه الطلاب اضطرابات في تعليمهم، وتقلصت أمام الشباب فرص العمل والاستقرار. لم تعد الحرب حدثاً يقع على أطراف المدينة فحسب، بل غدت واقعاً يفرض نفسه على قرارات الأسر اليومية، ويحدد ما تستطيع فعله وما تضطر إلى التخلي عنه.

 

وكان للثقافة نصيبها من هذه الخسارة، إذ أدى اضطراب التعليم وتراجع الأنشطة الثقافية ومغادرة بعض أصحاب الخبرات بحثاً عن الأمان إلى إضعاف الحياة الفكرية التي عُرفت بها تعز. ولم تقتصر الخسارة على المؤسسات التعليمية والثقافية، بل امتدت إلى الفرص التي ضاعت، والمواهب التي لم تجد مجالاً للنمو، والأجيال التي اضطرت إلى بناء أحلامها وسط عدم اليقين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التراث العمراني في مواجهة الحرب

ولا يقتصر خطر الحرب على تعطيل الحياة الثقافية، بل يمتد إلى التراث العمراني الذي يربط حاضر تعز بماضيها. فالمعالم التاريخية ليست حجارة صامتة، بل شواهد على تطور المدينة ومكانتها، ومصادر للمعرفة والذاكرة الجماعية. وحمايتها وترميمها جزء من الحفاظ على هوية تعز، إلى جانب تلبية احتياجات السكان الأساسية من الأمن والماء والتعليم، فلا يمكن بناء مستقبل متماسك لمدينة تُترك معالمها التاريخية عرضة للإهمال والتدهور.

ومع ذلك، لم تستسلم تعز للانكسار، فما زال المعلمون يحاولون مواصلة رسالتهم، والطلاب يتمسكون بحقهم في التعليم، والمبادرات المجتمعية تسعى إلى مساعدة المحتاجين وإبقاء مساحات التعلم والتواصل مفتوحة. وقد تبدو هذه الجهود محدودة أمام حجم المعاناة، لكنها تعكس قدرة المجتمع على الصمود، وتؤكد أن الثقافة ليست ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الصراع، بل وسيلة للحفاظ على المعرفة والأمل بالمستقبل.

غير أن صمود السكان لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للتقاعس عن مسؤولية إنقاذ المدينة. فمستقبل تعز يحتاج إلى خطة واضحة تتجاوز المعالجات المؤقتة، تبدأ بإنهاء الحصار وفتح الطرق وتأمين حركة المدنيين، وإعادة تأهيل المستشفيات والمدارس والجامعات وشبكات المياه والكهرباء، إلى جانب تعويض المتضررين وإنعاش الاقتصاد المحلي وتوفير فرص العمل للشباب، ودعم المؤسسات الثقافية وترميم المعالم التاريخية.

وينبغي تنفيذ هذه الأولويات ضمن مشروع لإعادة الإعمار يتسم بالشفافية، وتشارك فيه الحكومة والسلطات المحلية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، مع إخضاع موارده للرقابة والمساءلة، لضمان وصولها إلى مستحقيها واستجابتها لحاجات السكان الفعلية.

التراث العمراني في مواجهة الحرب

يخشى الدكتور محمد مخارش، أحد الشخصيات المعروفة في مدينة تعز، من أن تؤدي الحرب التي تشنها جماعة الحوثي والحصار المفروض على المدينة إلى أضرار جسيمة تطال مخزونها الثقافي والسياحي والتاريخي، مؤكداً أن المساس بالتراث الحضاري خسارة لا يمكن تعويضها.

ويرى مخارش أن المعالم التاريخية والآثار المنتشرة في أنحاء المدينة تمثل جزءاً أساسياً من ذاكرة تعز وهويتها، محذراً من أن استمرار القصف واتساع رقعة المواجهات يضاعفان الأخطار التي تهدد المواقع الأثرية. ويؤكد في حديثه إلى “اندبندنت عربية” أهمية حماية هذه المعالم وصونها للأجيال المقبلة.

 

ولم تكن المخاوف على تراث تعز مجرد تحذيرات من أخطار محتملة، فقد طالت الحرب بالفعل عدداً من أبرز معالمها التاريخية. ففي فبراير (شباط) عام 2016، وثقت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) تعرض المتحف الوطني في تعز للقصف، مما أدى إلى احتراق أجزاء واسعة منه، وتضرر مقتنيات أثرية ومخطوطات نادرة تعود إلى حقب تاريخية مختلفة. وتعرضت قلعة القاهرة التاريخية لأضرار جسيمة جراء القصف، شملت انهيار أجزاء من أسوارها وتصدع واجهاتها، مما استدعى تنفيذ أعمال توثيق وترميم بدعم من مؤسسة "أليف” الدولية لحماية التراث.

ولا تقتصر تداعيات الحرب، بحسب مخارش، على تهديد التراث العمراني، بل تشمل تراجع النشاط الثقافي والسياحي وصعوبة وصول السكان والزوار إلى المواقع التاريخية.

معاناة من جانبين

وفي الجانب الإنساني، يصف مخارش واقعاً معيشياً بالغ الصعوبة نتيجة الحصار وقطع الطرق، مشيراً إلى نقص الوقود والأدوية والمواد الغذائية، وصعوبة توفير الوقود اللازم لتشغيل بعض الخدمات الطبية في المستشفيات.

ويضيف أن أزمة المياه تفاقمت مع انقطاع خط مشروع الضباب، مما زاد الأعباء على السكان، الذين يقدر عددهم بنحو مليون ونصف المليون نسمة.

ويشير إلى تعرض مناطق سكنية للقصف، من بينها بير باشا والمطار القديم، محذراً من الأخطار التي تهدد المدنيين، بمن فيهم الأطفال والنساء وكبار السن.

ويشبّه مخارش معاناة سكان تعز بما يعيشه سكان قطاع غزة، معتبراً أن الحصار ونقص الحاجات الأساسية والخوف من القصف تمثل أوجهاً مشتركة في المعاناة الإنسانية. ويشير إلى فقدان كثير من السكان وظائفهم ومصادر رزقهم، مما فاقم الأعباء الاقتصادية على الأسر.

ويتحدث مخارش عن سقوط 23 مدنياً، وفقاً لروايته، من دون أن تتضح الفترة الزمنية التي يشملها هذا الرقم، مؤكداً أن المدنيين يدفعون ثمناً باهظاً لاستمرار الصراع.

وتكشف شهادته جانبين من مأساة تعز: معاناة يومية تهدد حياة السكان، ومخاطر تطال إرث المدينة التاريخي والثقافي، في ظل حرب امتدت آثارها من الأحياء السكنية والمرافق الحيوية إلى المعالم التي تختزن ذاكرة المدينة.

تعز لا تحتاج إلى إعادة بناء جدرانها فحسب، بل إلى استعادة شروط الحياة التي تجعلها قادرة على النهوض، من مدارس ومستشفيات وطرق آمنة وفرص عمل ومؤسسات ثقافية تحفظ هويتها. فالمدينة التي عُرفت عبر تاريخها بالعلم والمعرفة لا ينبغي أن يصبح الحصار والخراب قدرها الدائم. وبين ضرورة إنهاء معاناة سكانها وحماية تراثها الحضاري، يبقى التحدي الأكبر أن تستعيد تعز مكانتها مدينة للعلم والحياة، لا شاهداً دائماً على الحرب.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير