Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المقابر الجماعية تعطل تأهيل مطار المزة السوري

مخاوف من احتمالات دفن آلاف المعتقلين في المنطقة ومحاذير حقوقية لمنع تخريب أدلة على ارتكاب نظام الأسد جرائم حرب

بدأت الفرق الفنية والهندسية بأعمال هدم أقسام من مباني منطقة المطار (الهيئة العامة للطيران المدني السوري)

ملخص

تحاول السلطات الانتقالية في سوريا إعادة تأهيل مطار المزة العسكري في دمشق، واستخدامه كمطار مدني وللرحلات الخاصة، وسط حذر حول استخدامه من قبل النظام السابق كقاعدة عسكرية وأمنية، جرى فيها تنفيذ أحكام إعدام ميداني وتحويل مرافقه إلى مقابر جماعية محتملة، وهو ما يلقى اعتراضاً من الجهات الحقوقية على بدء الاستثمار فيه، من دون كشف الأدلة والتحقق منها وحمايتها في سياق كشف مصير المفقودين خلال أعوام الصراع الأخيرة.

يعود مطار المزة العسكري، الواقع في الطرف الغربي من مدينة دمشق، لواجهة النقاش السوري في المستوى الحقوقي والشعبي، بعد إعلان "الهيئة العامة للطيران المدني" السوري انطلاق أعمال إعادة التأهيل الأولية للمطار، تمهيداً لإعادة تصنيفه من منشأة ذات استخدام عسكري إلى مطار مدني محدود، ومتخصص في الطيران الخاص والتنفيذي، ليكون مكملاً لمطار دمشق الدولي، وفق الإعلان الرسمي.

وأضافت الهيئة أن المرحلة الحالية تشمل تنفيذ عدد من الأعمال الأولية، من بينها إزالة الركام وتأهيل بعض مكونات البنية التحتية المرتبطة بالملاحة الجوية، بالتوازي مع استكمال المتطلبات الفنية والتشغيلية والتنظيمية اللازمة، لإعادة تصنيف المطار وتأهيله للاستخدام المدني.

وتابعت الهيئة أن الأعمال تُنفذ بالتنسيق مع المؤسسات الوطنية المعنية، وبالتعاون مع "الهيئة الوطنية للمفقودين"، مع مراعاة المواقع التي يُشتبه في وجود مقابر جماعية أو رفات بشرية فيها، والتعامل معها وفق الأصول والإجراءات المعتمدة، بما يحفظ الأدلة والرفات، ويصون حقوق وكرامة الضحايا.

وخلال الأيام القليلة الماضية، بدأت الفرق الفنية والهندسية بأعمال هدم أقسام من مباني منطقة المطار، تمهيداً لتنفيذ المخططات المخصصة للمرافق الجديدة في المطار المدني، لكن سبق ذلك إجراء احترازي من قبل المسؤولين في الحكومة الانتقالية، حيث جال مسؤولون في "هيئة الطيران المدني"، رفقة فريق متخصص من "الهيئة الوطنية للمفقودين"، في ميدان المطار الثلاثاء الماضي، وجرى تحديد عدد من النقاط التي تستوجب اتخاذ تدابير احترازية ‌‏لحمايتها إلى حين استكمال أعمال التحقق والكشف الفني وفق الأصول، بحسب ما نقلت "وكالة الأنباء السورية الرسمية" (سانا).

بروتوكول خاص

وأعلنت "هيئة المفقودين" أنها اتخذت خلال الزيارة تدابير احترازية لحماية هذه النقاط والحفاظ عليها، بالتنسيق ‌‏مع "هيئة الطيران المدني" والنقل الجوي، بما يضمن عدم تنفيذ أي أعمال حفر أو ‌‏تسوية أو إنشاء، أو أي تدخل في التربة من شأنه المساس بسلامة المواقع أو التأثير في الأدلة ‌‏المحتملة، وذلك باعتماد بروتوكول خاص ينص على الإيقاف الفوري ‌‏للأعمال، في حال ظهور أي رفات أو متعلقات أو مؤشرات، قد تدل على وجود موقع دفن ‌‏أثناء تنفيذ الأعمال في أي موقع آخر ضمن نطاق المطار، إضافة إلى عدم لمس أو ‌‏نقل أي مواد ظاهرة، وتأمين الموقع ومنع الدخول إليه أو العبث به، وإبلاغ "الهيئة الوطنية ‌‏للمفقودين" من دون تأخير، لإجراء التقييم الأولي واتخاذ التدابير الفنية والقانونية اللازمة، ‌‏بالتنسيق مع الجهات المختصة.‏

 

 

وهذه الإجراءات الحكومية تأتي بناء على معطيات مسبقة، تفيد باستخدام المطار خلال أعوام حكم النظام السوري السابق كمكان سري للإعدامات الميدانية ومقابر جماعية محتملة، وذلك اعتماداً على وثائق استطاعت منظمة المركز، من أجل العدالة والمساءلة الحقوقية، الوصول إليها، وتفيد بتبعية مرافق المطار للمخابرات الجوية، وأنها استخدمت بين عامي 2012 و 2015، لكن المدير التنفيذي للمنظمة، محمد العبدالله، الذي تحدث إلى "اندبندنت عربية"، أشار إلى أن المطار استخدم أيضاً بداية الاحتجاجات لنقل المعتقلين إلى المطار، قبل تسلمه من المحكمة العسكرية الميدانية، وتنفيذ الإعدامات ودفن رفاة آخرين داخل حرمه ومرافقه.

محكمة ومقابر

وأوضح العبدالله أن المطار اختير من قبل النظام السابق لمهماته الجديدة، بناء على قرار من أعلى المستويات العسكرية في وزارة الدفاع السورية، وأنه كان أحد المقريّن المقترحين، إضافة إلى مقر قيادة الشرطة العسكرية في القابون، وسط دمشق، بدلاً من نقل السجناء وإعدامهم داخل سجن صيدنايا، إذ اتخذ النظام هذا القرار وقتها كإجراء احترازي، عقب تسرب معلومات عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، تكشف أسماء الوفد الأمني أو اللجنة الأمنية التي تنفذ الإعدامات، والطريق التي تسلكها والتواريخ.

وأضاف المتحدث أنه في عام 2013 أيضاً اُعتمد مطار المزة كموقع لانعقاد المحكمة الميدانية العسكري، فأصبحت هناك غرفتين لهذه المحكمة، غرفة عقيد في سجن صيدنايا وأخرى في مطار المزة، وبالتالي فإن عدد المعتقلين الذين أعدِموا في هذا المطار كبير، ويتوقع أن يكونوا بضعة آلاف"، وأن هناك شريحة أخرى منفصلة عن الذين أُعدموا، بناء على أحكام المحاكم الميدانية العسكرية، وهم الذين توفوا تحت التعذيب أو بسبب ظروف السجن السيئة، وقلة الطعام، أو قلة الرعاية الصحية وسوء المعاملة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكشف المدير التنفيذي للمركز السوري عن قوائم تضم 1150 شخصاً، توفوا نتيجة سوء المعاملة والتعذيب وغيره، وأن هؤلاء كانت لديهم طريقة أخرى لتوثيقهم وإجراءات دفنهم، "إذ كانت رفاتهم تنقل إلى مستشفى تشرين العسكري، ثم إلى مستشفى حرستا، ويصدر محضر طبي عن توقف القلب أو فشل كلوي أو جلطة، ثم يعاد الشخص ليدفن هناك"، وفق حديثه.

جزء من الحقيقة

العبدالله استند مع فريق منظمته في عملية التحقق إلى الوثائق الرسمية وصور الأقمار الاصطناعية التي تثبت أن المطار استخدم كمقر للإعدامات، وفي تفاصيلها يجري الطلب من وزارة الدفاع بإنشاء منصة للإعدامات، والمواد التي استخدمت فيها، من الأخشاب والحبال وأحجار الأسمنت، بينما تدعم صور الأقمار الاصطناعية هذه النظرية من خلال إظهار تغير في التربة والتضاريس خلال تلك الفترة، التي أنشأت فيها المقابر الجماعية بين عامي 2012 وحتى 2015.

وحول شمول الوثائق جميع العمليات المرتكبة في المطار، يؤكد الحقوقي السوري البارز أن ما استطاعوا الحصول عليه من الوثائق لا تعتبر كلية أو شاملة لجميع عمليات الإعدام أو الدفن، ولذلك يعتقد أن الأرقام أكبر بكثير من تلك الوثائق التي استطاعوا حمايتها وإنقاذها من داخل المطار، خلال الفترة الأولى لسقوط النظام.

 

 

ويعتقد العبدالله بوجود سبع مقابر جماعية داخل حرم المطار، وأنهم تمكنوا من تثبيت موقعين بالإحداثيات، وهو ما يدفعه نحو المطالبة بإجراء عمل بحثي لكشف باقي المواقع، وأنه يمكن استخدام تكنولوجيا ما يعرف بـ "الرادار المخترق" لتصوير الأرض، إذ يستطيع التقاط صور لطبقات الأرض من دون حفر المطار أو تخريبه، لكن مثل هذا العمل يحتاج ما بين ستة و 12 شهراً، وهو ما يفرض على الحكومة الانتقالية تعليق عمل إعادة تأهيل المطار، والسماح بإنجاز التحقيقات، و بعد نهاية التحقيقات فإن كانت هناك مقابر جماعية مثبتة في الموقع، فيجري استخراجها ونقلها بصورة علمية ودقيقة، وبعدها يصبح المطار متاحاً أمام الحكومة للاستثمار، وبالصيغة التي تراها مناسبة، على حد تعبيره.

حماية الأدلة

وختم المدير التنفيذي لـ "المركز السوري للعدالة والمساءلة" حديثه بأن استثمار مكان ما، قد يكون مواقع مقابر جماعية، هو جريمة حرب، "لذلك لا أعتقد أن جميع الشركات ستتشجع للعمل في سوريا إن لم يجر مسح الأدلة وحمايتها والتعامل معها بصورة علمية وقانونية، وهو ما يؤمن الغطاء القانوني والأخلاقي أيضاً لأي شركات ترغب في الاستثمار داخل سوريا".

يشار إلى أن مطار المزة أُسس في عهد الانتداب الفرنسي كمطار مدني، واستخدم كقاعدة جوية فرنسية أثناء الحرب العالمية الثانية، فيما استخدم من قبل السوريين بعد الاستقلال كمطار مدني وعسكري، ليتحول إلى مطار وقاعدة عسكرية زمن حافظ الأسد، في بداية السبعينيات، مع إنشاء مطار دمشق الدولي، لكنه بقي منطقة عسكرية وأمنية مغلقة، واستخدم في قمع المعارضين السوريين، ولا سيما خلال أعوام الأزمة والصراع داخل البلاد.

وفي تاريخ القمع السياسي في سوريا يبرز اسم سجن المزة، وهو مختلف عن المطار العسكري في هذه المنطقة الغربية من دمشق، وكان أبرز رؤساء سوريا نزلاء في السجن، مثل شكري القوتلي ونورالدين الأتاسي وصلاح جديد، إضافة إلى سياسيين آخرين قضوا فيه.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير