ملخص
ارتبط مفهوم الزراعة وفلاحة الأرض بالشقاء والتعب، فكان يحلم أصحاب تلك المهن بالراحة وممارسة مهنة أخرى بديلة أو تحقيق الثراء الذي يجعلهم يتوقفون عن العمل بالأرض وانتظار المحاصيل، ولكن خلال الأعوام الأخيرة تحولت المهنة إلى علامة على الرفاهية والثروة بعدما وجدنا مشاهير العالم يتجهون إلى العمل بأيديهم في مزارعهم والتباهي بخبراتهم في نوعيات المحاصيل وطرق الري والحصاد في مزارعهم الفاخرة
كثيراً ما ارتبط العمل في الزراعة وفلاحة الأرض بأسلوب الحياة الشاقة، فمراحل مثل نثر البذور ومتابعة الحيوانات والطيور وجمع البيض والمحاصيل والري كلها مهمات مجهدة وصعبة، لكن هناك صورة أخرى رومانسية ومخملية يروج لها عن هذا المجال، إذ تحول إلى نمط فاخر وعلامة على الثراء والحياة الهادئة التي لا تخضع لمتطلبات سوق العمل المتسارعة، في إطار موجة العودة للطبيعة وعيش الحياة التقليدية، والأكل مما تزرع اليدان.
منذ عقود طويلة ارتبطت المزارع الشاسعة بعالم الإقطاع، حيث تمتلك الأراضي الخصبة حفنة من الأثرياء ويستخدمون فيها مزارعين بأجور زهيدة بالكاد تكفي القوت، بينما تذهب الأموال الطائلة إلى أيدي الملاك الذين لا تلمس أصابعهم خشونة الأرض أو أشواك النباتات، أما التحول الحالي فيقتضي بأن يستعرض المشاهير ونجوم المجتمع يومياتهم وهم يلتقطون بيض الدجاج ويقطفون الكوسى والباذنجان والطماطم، ويروون الذرة في مزارعهم الملحقة بمنازلهم الريفية الفارهة بدورها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي وقت تراجعت نسبة الأشخاص العاملين في الزراعة إلى 26 في المئة من إجمال سكان العالم وفقاً لتقرير "الفاو" عام 2024، مقارنة بـ44 في المئة مطلع تسعينيات القرن الماضي، بحسب تقديرات البنك الدولي، فإن الزراعة الفاخرة التي هي نسخة رومانسية ومنقحة وتشبه قصص القصص الملونة من المهنة المرتبطة بالتعب والإجهاد والأيدي المتشققة، تجد مكانها بين أثرياء العالم، والمروجين لنمط الحياة الطبيعي، فهناك آلاف الصفحات التي يديرها "إنفلونسرز" يحلبون البقر ويصنعون الجبن ويطبخون طيور مزارعهم ويطحنون ويخبزون خير الأرض التي تقع إلى جوار منازلهم، وهي صفحات تتلقى ملايين التفاعلات يومياً، إذ يرتدي المؤثرون وعائلاتهم حتى ملابس ريفية تعود تصميماتها للعصور الوسطى في إشارة إلى رغبتهم في الانفصال التام عن حياة المدينة القاسية، فتتحول النساء وفق الصور المروج لها إلى ربات بيوت يعتنين بطعامهم ويحيكون ملابس أطفالهم من الألف إلى الياء، فيما الأزواج يجتهدون في القيام بأعمال الفلاحة الشاقة والصيد.
المزارعون المثاليون
هذه الصورة التي ترسمها "السوشيال ميديا" للزراعة تبدو مزيفة تماماً بالنسبة إلى وضع تلك المهنة القاسية التي يزداد عدد المهاجرين منها يوماً بعد يوم نظراً إلى مصاعبها الشديدة مما يهدد مصدر الغذاء لكوكب الأرض، لتصبح على أيدي فئة قليلة علامة على الدلال وامتلاك المال الوفير الذي يخوّل لأصحابه التوقف عن اللهاث وراء فرص العمل النمطية بما فيها التمثيل الذي يبدو بالنسبة إلى نجمة مثل غوينيث بالترو أكثر مشقة بكثير، إذ إن الممثلة الشهيرة أصبحت شبه معتزلة ولا تعود إلا كل أعوام عدة لتقدم دوراً ثم تعود لعزلتها في مزرعتها بمنطقة الهامبتونز الفاخرة بنيويورك، حيث تعتني النجمة الأميركية ببشرتها وبأطباقها بالمثل في منزل مصمم للحفاظ على البيئة، فيما مزرعتها تنتمي إلى ما يسمى حدائق المطبخ الفاخرة، من خلال اتباع نمط الزراعة العضوية مئة في المئة فتقضي ساعات تهتم بمزروعاتها من التفاح والخوخ والأعشاب العطرية والثوم، وفق أنظمة ري مُهندسة تشبع شغفها بتوفير الموارد.
وتشجّع بالترو هذا النوع من الحياة، مشددة على أن أسعد أوقاتها تقضيها بين النباتات والأشجار مستمتعة بالهدوء النفسي والسلام الروحي، وفق تصريحاتها في البودكاست الخاص بها عبر منصة Goop، إذ يعيد المشاهير صياغة مفهوم الترف بصورة جذرية، وبعدما كان يرتبط على نحو قاطع بأسلوب الحياة العصري تماماً المعتمد على التكنولوجيا والوجبات الجاهزة، أصبح عنوانه هو حراثة الأرض وري النباتات.
وفقاً للدراسة التي نشرتها جامعة بوسطن الأميركية، فإن ارتباط مفهوم الزراعة بالأثرياء مر بمراحل كثيرة، إذ يعود أولاً للقرن الـ18 وما عُرف حينه بـ"مزارع الرجل النبيل"، فقد كانت الطبقة الأرستقراطية تتباهى بأملاكها من المزارع الكبيرة، لكنهم لم يكونوا يعملون بها، بل يستأجرون مزارعين يكدون بها، ويحصلون هم على الأرباح بعد جني المحاصيل وبيعها، كذلك كانت هناك طفرة بين بعض مشاهير المجتمع الذين دخلوا في الترويج لحركة "العودة للأرض" خلال السبعينيات في محاولة لمحاربة النمط الاستهلاكي، لكنهم أيضاً كانوا بعيدين من فكرة الفلاحة، بل كانوا يكتفون بالإدارة، وإن سعوا لأن ينتجوا طعامهم بأنفسهم وما يبقى يبيعونه، لكنها ظلت حركة خافتة إلى حد ما وبقيت على نطاق ضيق.
ووفقاً للأرشيف، فإن نجوم ونجمات هوليوود انطلقوا في موجة زراعية جديدة مع مطلع الألفية في محاولة لتنشئة أبنائهم في بيئة صحية وإبعادهم من أسلوب حياة هوليوود الصاخب، لكن الطفرة الحقيقية حدثت مع الاستعراض الرقمي الممنهج لأسلوب حياة المزارعين عبر مواقع التواصل الاجتماعي الذي أخذ شكلاً أكثر تبلوراً بالتزامن مع فترة الحجر الصحي وانتشار فيروس كورونا، فكانت فرصة لتجربة أنواع جديدة من المحتوى الذي يحتفي بالطبيعة والهواء النقي من خلال المزارع الخاصة التي تحقق العزلة الصحية المطلوبة، وأيضاً تمنح المتابعين آفاقاً خضراء ومريحة بصرياً تسهم في تهدئة النفس والتطلع أيضاً إلى امتلاك مساحة مماثلة.
كان من أبرز من استغل تلك الفترة ليعتني بملكيته الشاسعة الخضراء لاعب الكرة البريطاني السابق ديفيد بيكهام الذي يمتلك شبكة من المشاريع الرياضية والتجارية، وأصبح يعلن منذ فترة الجائحة عن جانب آخر من شخصيته مرتبط بالزراعة، إذ يظهر في صور وفيديوهات بملابس المزارعين الإنجليز القدامى، ملوحاً بخضراواته العملاقة ومتباهياً بإنتاجية دجاجاته من البيض، وبقدراته على استخلاص العسل من الأقراص، فيبدو المزارع بيكهام متأنقاً بملابس ناصعة، وهو يجري وراء طيوره ويستعرض أحواض الزرع التي تتنوع بين الفواكه والخضراوات والأعشاب كما يستعرض الأطباق التي يطهيها بنفسه من مكونات تلك المزرعة العامرة التي تقع في منطقة كوتسوولدز بمقاطعة أكسفوردشير في إنجلترا.
بينما في لقطة أخرى نجد نجم المنتخب الإنجليزي السابق متأنقاً بأفضل حلة مع عائلته الكبيرة ويحتفي بنجمته في ممر المشاهير بهوليوود، ومنسجماً في سهرات مخملية خاصة مع كبار نجوم الفن والرياضة والمجتمع وربما يتحدثون عن جودة منتجات مزرعته وأهمية العودة للطبيعة.
وفي المنطقة نفسها وعلى مسافة ليست بعيدة، يدير أيضاً المذيع البريطاني الشهير جيريمي كلاركسون مزرعته التي تبلغ مساحتها أكثر من 1000 فدان، حيث أصبح هو المسؤول الأول عنها منذ عام 2019 وتجربة كلاركسون تكشف عن جانب آخر هو أن الاستثمار الضخم بحاجة إلى أموال طائلة أيضاً، ولن يبني نفسه بنفسه، فتكبد الإعلامي البارز مشقة التعلم والإنفاق وخسر كثيراً في البداية، وانتظر طويلاً حتى يجني الأرباح، إذ توسع في تربية الماشية وبينها الخنازير والأبقار والأغنام، وكذلك النحل الذي يحقق إنتاجية كبيرة من العسل تدر عليه الجانب الأكبر من أرباح هذا الاستثمار الذي يلتحق به متجر يبيع منتجات الأرض من فطر وكرنب والمشروبات والزيوت والصلصات والهدايا التذكارية.
الفلاح المدلل
لكن اللافت أن نمط الحياة الريفي الفطري تحوّل مع جيريمي كلاركسون أيضاً إلى برنامج تلفزيوني واقعي، يعيش فيه المشاهدون معه مشكلات الطقس وتأثيرها في إنتاجية المحاصيل وأزمات المذيع المعروف مع القوانين المحلية والبيروقراطية التي قد تكبده وقتاً وأموالاً طائلة ليحافظ على مزرعته، إضافة إلى أنظمة الري وتمرد الحيوانات وغيرها، بالتالي فالمشروع الاستثماري يجري استغلاله من كل الجهات تقريباً، ويتحوّل النمط الريفي في العيش إلى محتوى إعلامي وإعلاني مسلٍّ يجلب عوائد جيدة.
وتحول اتجاه المشاهير إلى عالم الزراعة من هواية عابرة إلى أسلوب الذي يجري الترويج له، يعكس الترف والراحة النفسية والاكتفاء المادي، كما يعكس الاهتمام بالبيئة والاستدامة والتوجه للأطعمة العضوية الطبيعية المفيدة صحياً، لكن وفقاً لتقرير معمق نشر في مجلة "ديزيريت نيوز" عام 2023 حول كون الزراعة أصبحت هوساً بين النخبة، فإن هناك فرقاً بين حب الزراعة وبين امتهانها لتصبح مصدر الدخل الأساسي، إذ إن صورة الحياة الريفية التي قدمها المشاهير والمؤثرون تبدو مثالية تماماً ومبهجة وبلا أعباء تقريباً، بينما على أرض الواقع الأمر أكثر صعوبة، بل إن هناك تحديات كثيرة تواجه المزارعين حول العالم الذين قد يعانون الديون ويواجهون تغييرات مناخية تهدد مصدر رزقهم، وسط عزوف الأجيال الأصغر من ذويهم عن المساعدة، لأن المهنة بنوعيها الشاق والحقيقي ليست جاذبة بالمرة.
ووفقاً للتقرير، فالمزارع التقليدي ليست لديه رفاهية الاختيار، بينما المشاهير والأثرياء يرغبون في خوض تجربة الحياة البسيطة هرباً من زحام المدينة والاحتراق الوظيفي ورغبة في البعد من الشاشات والمعيشة الرقمية، ويشير التقرير إلى أن "السوشيال ميديا" لها الدور الأكبر لتحويل أسلوب المزارعين الريفيين إلى مشاهد فاتنة بصرياً من دون إظهار الجانب القاتم المتمثل في الأعباء الاقتصادية والبدنية.
وفي السياق نفسه، ذكرت دراسة نشرت عام 2017 بمجلة علمية تصدرها "جامعة ريدينغ" البريطانية أن الشهرة أصبحت وكأنها تضع سياسات زراعية جديدة، إذ إن القصة الشخصية وراء المحصول باتت جزءاً من الصورة التي يجري الترويج لها عبر شخصيات تحقق انتشاراً في مواقع التواصل الاجتماعي، ومن ثمّ تجذب المستهلكين المتأثرين بمن يقدم لهم المنتج ويتابع معهم يومياته، وتشير الدراسة إلى أن غالبية تلك المنتجات تباع بأثمان باهظة وتقدم لجمهور نوعي، ولهذا فإن هذا النمط الاستعراضي بحسب البحث يعمق الفجوة الطبقية.
محاصيل النخبة
ربما تعتبر منتجات مزرعة الطاهية الأميركية الشهيرة مارثا ستيوارت من أبرز تلك الأمثلة، إذ تبيع العصائر العضوية وخضراوات وفواكه وبيض مزرعتها بأثمان باهظة وتسوّق لها في برامجها وعبر المجلات الخاصة بأسلوب الحياة، وكانت مارثا من أوائل المشاهير الذين وجدوا ملاذاً في أسلوب المعيشة الريفية من خلال مزرعتها بنيويورك، فامتلاك الأراضي لم يعُد فقط استثماراً فاخراً، إنما أيضاً تولد منه مشاريع تجارية ذات توجه حصري، إذ إن كثراً يركزون على زراعة ما يسمى "محاصيل النخبة" مثل السلالات النادرة التي تتطلب عناية كبيرة وإنفاقاً ضخماً، ويعلن عنها كقيمة عالية من الصعب الحصول عليها، وتكتمل الصورة بأن تزين ملصقاتها بعبارات تنم عن أصحابها من العائلات الشهيرة.
ومن أبرز العائلات التي تستثمر في المنتجات الغالية الثمن أسرة العارضتين بيلا وجيجي حديد، إذ إن لديها مزرعة في بنسلفانيا الأميركية تقدر قيمتها بأكثر من 11 مليون دولار، وتظهر الأسرة وعلى رأسها والدتهما العارضة السابقة يولاندا حديد في مواسم كثيرة تعتني بالنحل وتقطر اللافندر، وتستمتع بالخصوصية، وهم يقودون الجرارات ويركبون الخيول مرتدين ملابس ريفية فضفاضة بعيداً من صخب منصات عروض الأزياء، ومثلهم أيضاً لكن على مساحة أقل تفضّل العارضة جيزيل بوندشين تربية أطفالها بصحبة الخيول في مزرعتها بولاية فلوريدا، محاولة أن تضمن لهم نمط حياة صحياً فيما يأكلون، وأيضاً تتخذ من الاعتناء بالنبات والحيوانات وسيلة لتعليمهم الترابط مع المقربين ومع الطبيعة.القائمة تضم عشرات من نجوم الصف الأول كذلك مثل نيكول كيدمان وراسل كرو وجينيفر غارنر وأدريان غرينيه وغيرهم كثر، بينما عربياً حتى الآن تفضل غالبية المشاهير الترويج لصورتهم النمطية كنجوم مجتمع، ولا يظهرون هذا الجانب من حياتهم إلا قليلاً فيندرج معظم الأوقات في خانة الهوايات الجانبية، فأحمد السقا يمتلك مزرعة خيول يشارك لقطات منها بين حين وآخر، وكذلك عاصي الحلاني لديه مزرعة شاسعة، كما صرح محمود حميدة أكثر من مرة عن تفضيله للحياة في الصحراء لأسابيع وربما أشهر حيث إنه دائم السفر لواحة سيوة.