Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الطاعون" على الشاشة... بين الخرافة والعقاب الديني

أفلام جائحة الموت اعتمدت على دمج التاريخ بالخيال والفلسفة واستعرضت رحلات الشك والإيمان خلال عصور الأوبئة

رحلة الشك والإيمان والبحث عن معنى الحياة في فيلم "موسم الساحرات" (مواقع التواصل)

ملخص

طغت السوداوية على الأفلام التي تناولت وباء الطاعون الذي انتشر عبر موجات عدة، وحصد ارواح عشرات ملايين البشر، وركزت على دور الأديان خلال تلك الحقب التاريخية، وهل ستكون محفزاً على التمسك بالقيم أو تعاليم رجالها التي تنشر التعصب والفوضى، بخاصة في ظل انتشار التفسيرات المتعلقة بالسحر والخرافات كسبب للإصابة بهذا المرض، الذي عدّه بعضهم عقاباً إلهياً على الخطايا.

قبل نحو ستة أعوام، استرجع العالم قائمة طويلة من أفلام الأوبئة والأمراض الفتاكة، لمحاولة الفهم والاكتشاف وإيجاد طريقة للتعامل مع جائحة كورونا حينها، إذ كانت الدراما قد استبقت هذا الوضع الصحيّ الحرج بمجموعة كبيرة من الأعمال التي كانت تحاول الإجابة عن سؤال: كيف بدأ الوباء؟ وهي أفلام ومسلسلات تدور غالبية أحداثها، حتى لو كانت خيالية، في العصور الحديثة، بينما تبدو الأعمال التي صاغت مأساة الموت الأسود، أو الطاعون، غارقة في الظلام بمعانيه المتشعبة، حيث انتشر الوباء الذي قضى على نصف سكان أوروبا، وقدّرت أعداد ضحاياه بأكثر من 200 مليون خلال الموجات التالية في القرن الـ 14، ولهذا فإن تصوّر الأوضاع ومحاولة إعادة تمثيلها سينمائياً كان يخضع لكتب وأبحاث تعود لمئات السنين.

والأعمال الفنية التي تتناول موجات الطاعون، الذي التهم عدداً ضخماً من سكان الكرة الأرضية شرقاً وغرباً، خلال موجات متعاقبة منذ القرون الوسطى وحتى مطلع القرن الـ 20، تكتسب أبعاداً مختلفة، فهي ذات دلالات تاريخية في المقام الأول، إذ أثرت التدابير الطبية الشحيحة ذلك الوقت في مستوى الرعاية الصحية والوعي، ولهذا كانت المآسي الإنسانية التي رصدتها شديدة الوطأة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإن كان وباء الكوليرا، الذي انتشر بصورته الشرسة خلال القرن الـ 19، وفي ست موجات متتالية، كان له نصيب أكبر من التناول، نظراً إلى توافر المعلومات، ولأنه دار في حقبة أحدث نسبياً، فإن أفلام ومسلسلات الطاعون بسبب طغيان التفسيرات اللامنطقية خلال تلك الفترة، جنحت نحو الخيال في أوقات كثيرة، وكانت مؤثرة ومليئة بمواطن التأمل.

والآن يمكن استحضار بعض من أبرز تلك الأعمال، بعد أن أصبح اسم مرض الطاعون يتردد في وسائل الإعلام يومياً، للوقوف على تطورات الأوضاع بعد الحديث عن احتمال تسببه في وفاة شخص واحد في الأقل، داخل روسيا، قبل أسبوع.

القلق والأسئلة الوجودية

روايات متضاربة وقلق متزايد صاحب واقعة وفاة داريا شيبيلوفا، الموظفة في معهد "إيركوتسك" لأبحاث مكافحة الطاعون في سيبيريا الروسية، إذ جرى تداول معلومات أن شيبيلوفا تعرضت من طريق الخطأ لأحد مسببات الطاعون التي تخضع لأبحاث في المركز، قبيل نحو أربعة أيام من إصابتها بالتهاب رئوي حاد، ثم وفاتها بعد أربعة أيام أخرى، وسط غموض كبير، فمن ناحية ترفض السلطات الروسية تأكيد أن داريا شيبيلوفا توفيت نتيجة الطاعون، على رغم إخضاع مئات المتعاملين معها للعزل الطبي، واُتخذت تدابير غير معتادة، وقد شُكك في رواية تعاملها مع بكتيريا مجهرية مسببة للمرض القاتل.

ومن ناحية أخرى يجنح كثر إلى أن الرقابة الصارمة وقلة الشفافية تسيطران على الرواية الروسية، بينما التفسير الأقرب يشير إلى أن الالتهاب الرئوي نتج من بكتيريا الطاعون، الذي يأتي على ثلاثة أنواع، وأنه على العالم أن يقلق.

 

هذا النوع من القلق صاغته الدراما السينمائية والتلفزيونية مراراً، في أعمال سوداوية تلائم كارثية انتشار مرض مميت، وسط معارف طبية قليلة للغاية، ويعد فيلم ( (The Seventh Seal- "الختم السابع" 1957، لمخرج الروائع، الحاصل على كبرى جوائز مهرجان "برلين" و"كان" و"البندقية"، إضافة إلى "أوسكار"، السويدي إنغمار برغمان، إحدى أهم الأعمال السينمائية التي جسّدت حيرة الإنسان المثقل بأسئلة وجودية، تتفاقم في ظل أزمة ينهار فيها الإيمان الديني بسبب سطوة الكنيسة، ويتشكك كثيرون في جدوى قيمهم الروحية والوطنية، بعد الويلات التي شاهدوها في الحروب الصليبية.

ثم يأتي الوباء ويعجز العلم عن تخليص البشر منه، فيبدو لبعضهم وكأنه انتقام بعد انتشار خطايا، مثل الظلم والتكفير والاضطهاد، إذ يتأمل البطل فلسفة الحياة من خلال تنوّع الشخصيات التي يتعامل كل منها مع الوباء بطريقته، وبين الفانتازيا والتاريخ، تدور أحداث الفيلم الذي قام ببطولته ماكس فون سيدو داخل السويد التي تنهار تحت وطأة فوضى المرض، ويحفل بمشاهد رمزية خيالية، أبرزها مشهد مباراة الشطرنج التي يأمل فيها البطل أن ينتصر على الموت، ليحظى بفرصة أخرى للاستمتاع بحياة بسيطة أكثر رحمة.

موت أسود وتفسيرات خرافية

ومن خلال دراما تاريخية أيضاً بها لمحات من الخيال والرعب وبعض الطب، يأتي فيلم (Black Death) ـ "الموت الأسود" 2010، الذي اتخذ عنواناً مباشراً للوباء المعروف بالموت الأسود، نظراً إلى القتامة والأيام المخيفة والأجواء الشديدة الرعب التي عاشتها البلاد التي انتشر فيها، وأيضاً لأنه في أحد أطواره يخلف بقعاً نزفية سوداء على أجساد المصابين به، إذ يختبر الراهب الشاب أوزموند، الذي جسد دوره إيدي ريدماين، إيمانه في لحظة عصيبة تعيشها إنجلترا بعدما تفشى مرض الطاعون الذي تساقط ضحاياه بصورة أعجزت السلطات عن الإحصاء، وعجز فيه الأطباء عن التفسير، وتداخلت الخرافة مع التعاليم الدينية بالتعصب وسلوكيات العنف، ليبحث الراهب عن سبب نجاة قرية واحدة من الوباء، ويأمل اكتشاف الظروف الغامضة التي جعلت أناسها لا يصابون بالعدوى التي لا ترحم، ويظل يطرح سؤالاً واحداً بصيغ عدة، هل الطاعون عقاب إلهي يرسل لمن يخالفون التعاليم فقط؟

 

فيما كان الطاعون خلفية ((Restoration "- استعادة" 1995، الذي دارت أحداثه في بريطانيا أيضاً، لكن في موجة أخرى من انتشار الطاعون خلال القرن الـ 17، إبان حكم الملك تشارلز الثاني، وكان محور القصة هنا طبيب وُضع في اختبار أخلاقي هذه المرة يتعلق بمهنته، وقدّم فيه روبرت داوني جونيور دور الطبيب روبرت ميريفيل، الذي يترك مجبراً حياة الترف والقصور الباذخة، بعد أن يعيش قصة حب مع المرأة المفضّلة للملك، ويبتعد من البلاط والرفاهية، ثم يحاول استعادة مجده مرة أخرى، لكنه يصدم بواقع مغاير حين يتفشى الطاعون في البلاد، فتنقلب رؤيته لمهنته وهدفه في الحياة، ويدخل في مساعدة المرضى البؤساء، ويحاول بالمعرفة الطبية القليلة عن المرض، في ذلك الوقت، أن يمنح للمرضى بعض الوسائل للتخفيف والراحة، فكان المرض القاتل خلفية مؤثرة عن معاني السلطة والحب وأخلاق المهنة ورسالة الطب، والتحول الشخصي الذي يأتي في توقيتات غير متوقعة.

بين الشك والإيمان

حفل الفيلم بمشاهد مؤثرة، ولا سيما معاناة الطبقة الأكثر فقراً، وتطرق مثل "الموت الأسود"، إلى الغيبيات والتفسيرات التي لا تستند إلى أي أساس طبي أو علمي لانتشار المرض المميت، فعلى ما يبدو أن التفسيرات المرتبطة بعوالم الخرافة قواسم مشتركة، سيطرت على تفكير كثيرين خلال تلك الفترة، وكانت ملاذاً مريحاً بعدما عجزت المعلومات المتاحة عن الإجابة عن الأسئلة، فيتحوّل الخوف فوراً إلى الدجل، ويبدأ الجميع في البحث عن قوة خفية تنتشلهم من الحيرة، لكن على رغم ذلك فالأفلام السابقة تجمع بين الحقائق التاريخية الموثقة، مع إضافة بعض الشخصيات والأحداث الخيالية، بينما ينتمي فيلم" - (Season of the Witch) موسم الساحرات" 2011 للفانتازيا الخالصة، والرعب الخارق للطبيعة.

 

وتدور القصة خلال القرن الـ 14، فلدى الكنيسة اقتناع تام بأن لعنة الطاعون هي عقاب جاءهم بسبب فتاة تمارس السحر، ويحاولون إيقافها عن تلك الأفعال التي تصنف كخطيئة، أملاً في إنقاذ البشر، ويجري تكليف مجموعة من الأفراد لاصطحابها في رحلة إلى الدير لتخضع لحكم الرهبان، وعلى رأس من يصحبونها فارسان يقوم بدوريهما نيكولاس كيج ورون بيرلمان، القادمان من تجربة يأس جعلتهما يهجران الإيمان الديني، كنتيجة لحجم الدمار والتعذيب الذي شاهداه بعد اشتراكهما في الحروب الصليبية، وهكذا تتحول الرحلة لمحاولات لاكتشاف تأثير الخوف الجماعي الذي يمكن أن يشوش على الأحكام الصائبة، ويودي بالإنسان إلى ظلمات روحية وعقلية.

مغامرات طبية

وعلى رغم أن فيلم " (The Physician) ـ "الطبيب" 2013 مليء بالمغالطات التاريخية، ومن أبرزها أنه يشير إلى أن تفشي مرض الطاعون في العالم كان خلال القرن الـ 11، بدلاً من الـ 14، فإنه يعتبر من الأعمال الشهيرة التي تناولت هذا الوباء، وركز على الجوانب الطبية من خلال قصة الفتى الإنجليزي الذي يذهب لتعلم الطب في بلاد فارس، ويلتقي أشهر علماء عصره، ابن سينا، في أصفهان، ويصبح تلميذاً له، حيث هجر لندن التي كانت ممارسات الطب فيها تقتصر على الحلاقين، ليدرس العلوم الحقيقية، وينجح الشاب الذي أدى دوره توم باين في أن يكشف العوامل الناقلة لمرض الطاعون، كما نجح في تحييد الجائحة بأساليب الوقاية المتمثلة في النظافة والعزل الصحي، لكن الأمر لم يخل أيضاً من صدامات بين الثقافتين ومناقشة لممارسات الأديان، ليأتي الحب ويضع الطبيب في موقف قد يجعله يخسر كل شيء.

 

وإن كانت عدوى الطاعون التي غيّرت مصائر عشرات الملايين حول العالم، وبدّلت معالم الدول، قد حضرت بصورة كبيرة في الأدب عالمياً ومحلياً، فإنها ظلت شحيحة التناول الفني عربياً، ربما لأن التأثر الأكبر بهذا المرض كان أوروبياً، حيث انطلق في البداية، على رغم أن الرواية الأشهر التي تناولت المرض تدور أحداثها في الجزائر، وهي "الطاعون" 1947 للفيلسوف والأديب الفرنسي ألبير كامو، التي قدمت كفيلم ومسلسل.

اللافت أن الدراما التلفزيونية شهدت مساحة أكبر للتعبير الفني حول مسألة الطاعون، ففي حين طغت السوداوية على التناول السينمائي، حظي التناول التلفزيوني ببعض اللمحات الكوميدية، مثل المسلسل القصير (The Decameron) ـ "الديكاميرون" 2024، إذ يسرد بأسلوب كوميدي هرب النبلاء للانعزال داخل قرية نائية، خوفاً من تفشي الوباء الأكثر فتكاً بالبشرية، فيما يعتبر مسلسل (World Without End) ـ "عالم بلا نهاية"، من أبرز الأعمال التي تناولت الصراعات داخل البلاط الملكي الإنجليزي، خلال فترة تفشي الطاعون في القارة الأوروبية.

اقرأ المزيد

المزيد من فنون