ملخص
تشير مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى أن طريقة تواصلك مع جسدك قد تؤثر في صحتك
"في عام 1986 تعرضت لحادثة دهس أثناء مشاركتي في سباق دراجات ثلاثي، وعندما شخصت بكسر ست فقرات ووجود شظايا عظمية على نخاعي الشوكي واحتمالية عدم قدرتي على المشي مجدداً، كان علي اتخاذ قرارات مصيرية. رفضت جراحة ضرورية أوصى بها أربعة أطباء مختلفين مواجهاً بذلك احتمالية الشلل، فغادرت المستشفى وأنا أحمل قناعة واحدة، "القوة التي خلقت الجسد، هي التي تشفيه". لذا كانت مهمتي التواصل مع هذه القوة الفطرية، ثم توجيهها بخطوات محددة، وأخيراً تسليم شفائي لهذه القوة اللامحدودة.
لم يكن لدي آنذاك مكان أذهب إليه وقت الحادثة، ولم يكن لدي الكثير لأفعله، لذا كانت تلك فرصة مثالية لتجربة استخدام عقلي لشفاء جسدي.
ولمدة ساعتين مرتين يومياً، كنت أتأمل وأبدأ في رسم صورة للنتيجة المرجوة، فقرات عمودي الفقري متراصة وفوق بعضها بصورة سليمة ومعافاة، وكان إذا شرد ذهني إلى أي أفكار أخرى كنت أبدأ من جديد وأعيد رسم الصورة الذهنية من البداية، فقد استنتجت أن الصورة النهائية يجب أن تكون واضحة ونقية ومتواصلة حتى يحسن هذا الذكاء حالتي. وعلى مدار 10 أسابيع، شهدت شفاءً رائعاً وحقيقياً. وبعد 11 أسبوعاً عدت إلى عيادتي لأستقبل المرضى مجدداً من دون جراحة أو دعامات".
بين ما نعرفه وما نجربه
هذا ما قاله الطبيب في علوم الأعصاب وعلم التخلق والفيزياء الكمية جو ديسبنزا عن تجربته التي غيرت حياته ورؤيته، حيث كرس فيما بعد كل حياته للبحث والتقصي حول العلاقة بين العقل والجسد، وكذلك مفهوم العقل والمادة، وجال العالم ليخبر الناس كيف تستطيع أفكارنا ومشاعرنا التحكم بمصيرنا. وعن هذا قال "تعلمت دروساً عميقة كنتيجة ثانوية لإصابتي، وأعلم أننا نعرف بالمحن وعندما نواجه صدمة أو أزمة في حياتنا، لذا عندها يجب أن نغير طريقة تفكيرنا لنعالج الموقف بصدق. ونبدأ بالتفكير والتصرف والشعور بطرق جديدة لنخلق واقعاً جديداً وأكثر عمقاً". وشرح بالتفصيل التوجه الذي يجب أن نكون عليه في هذه اللحظات فقال، "في الأوقات الصعبة، يجب أن نبحث عن أي جزء من الفلسفة أو الفهم الفكري الذي نعرفه، ولكننا لم نجربه، وأن نطبق تلك المعرفة لنخلق تجربة جديدة، فعلى سبيل المثال في حالتي، كنت أدرك فكرياً أن الجسم يشفي نفسه، لكن كان علي تطبيق كل ما أعرفه من فلسفة للارتقاء بهذه القدرة إلى مستوى أعلى ولخلق تجربة شفاء حقيقية، إذ يمكننا الإصرار والإيمان والتركيز على أي مستقبل محتمل في عقل الإنسان، وكذلك في عقل الإمكانيات اللامحدودة في المجال الكمي، مما يعني أن هذين العقلين يجب أن يعملا معاً لتحقيق أي واقع مستقبلي موجود تقنياً بالفعل".
ويتابع الطبيب حديثه من منطلق الفيزياء الكمية، فيقول "تخبرنا فيزياء الكم أن العقل والمادة ليسا عنصرين منفصلين، ففي الواقع يوجد لعقلك تأثير حقيقي على العالم الخارجي الموضوعي. وإذا تقبلنا هذه الفكرة، فمن المنطقي أن نستنتج أن تغيير طريقة تفكيرنا سيؤدي إلى تغييرات في عالمنا، وإذا استطعنا صقل قدراتنا على توقع مسار معين، ستبدأ حياتنا في إعادة تنظيم نفسها، وسيجدنا جمال التغيير الحقيقي الذي نختبره من خلال التجارب الجديدة".
أصل التصميم... سلبي
لقد صمم دماغنا على رصد التهديدات في بيئتنا كوسيلة لدعم البقاء، ومن أوائل أجزاء الدماغ التي تتشكل اللوزة الدماغية وهي جزء من الجهاز الحوفي، وتؤدي دوراً رئيساً في مسح البيئة بحثاً عن التهديدات. وعن هذا تقول شرادها نيفادكار، اختصاصية في علم النفس بمركز سنترستون، "مع تقدمنا في العمر، ولأن دماغنا مصمم بطبيعته للتركيز على السلبيات، نبدأ في استيعابها بصورة أكبر، بخاصة عندما نتلقى ملاحظات نقدية، فحتى النقد البسيط يميل إلى أن يبقى عالقاً في أذهاننا أكثر من الملاحظات الإيجابية".
وبما أن الدماغ يفسر الحديث السلبي مع الذات على أنه تهديد، فإنه يفعل استجابة التوتر ويفرز الكورتيزول، وإذا بقي الجسم في هذه الحالة الدائمة من الخطر، تبقى استجابة التوتر مرتفعة، مما قد يزيد من الالتهاب ويساهم في ظهور أعراض مثل الصداع ومشكلات المعدة. وبمرور الوقت، قد يسهم التوتر المستمر في ظهور مشكلات الصحة النفسية، بما في ذلك القلق والاكتئاب. وقد يرتبط أيضاً بتأثيرات صحية أوسع، تشمل ضعف وظائف الجهاز المناعي وزيادة خطر الإصابة ببعض الأمراض المزمنة. وعن هذا تقول نيفادكار "عندما تكرر لنفسك باستمرار عبارة: لا أستطيع فعل هذا أو أنا غير قادر، فإن دماغك يعمل بصورة أكبر من مناطق الكشف عن التهديدات بدلاً من قشرة الفص الجبهي. ونتيجة لذلك، يميل القلق والاكتئاب إلى الزيادة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أثر اللغة الداخلية
وعلى رغم كل ذلك، تشير مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى أن طريقة تواصلك مع جسدك قد تؤثر في صحتك بنفس قوة وأحياناً أسرع من تأثير المكملات الغذائية وحدها، وقد وجد العلماء الذين يدرسون العلاقة بين العقل والجسم أن الحديث الذاتي الواعي والوعي الجسدي والتواصل الداخلي الداعم، يمكن أن تحدث تغييرات فسيولوجية قابلة للقياس، لا سيما في تنظيم التوتر وتوازن المناعة ووظائف الجهاز العصبي. فالجسم لا يستجيب للمغذيات والمواد الكيميائية فحسب، بل يستجيب أيضاً للمعنى. فالإشارات الصادرة من الدماغ والتي تنقل عبر الأفكار والمشاعر والإدراك، تخبر الجسم باستمرار ما إذا كان في أمان أم تحت تهديد.
لذا، عندما يوجه الناس بوعي أفكاراً مهدئة ومطمئنة نحو أجسادهم، غالباً ما تنخفض هرمونات التوتر مثل الكورتيزول. ويرتبط انخفاض مستويات الكورتيزول بتحسين الهضم ونوم أفضل وتقليل الالتهابات وتحسين تنظيم سكر الدم واستجابة مناعية أقوى. في الوقت ذاته، ينتقل الجهاز العصبي من حالة التأهب القصوى (الكر والفر) إلى حالة الإصلاح والترميم التي يتحكم بها الجهاز العصبي اللاودي. وفي هذه الحالة، تصبح عمليات الشفاء أكثر فاعلية. لكن الأمر اللافت للنظر هو سرعة حدوث هذا التحول، ففي كثير من الحالات يحدث تنظيم الجهاز العصبي أسرع من التغيرات الكيميائية الحيوية الناتجة عن المكملات الغذائية وحدها، وهذا يشير إلى أن التواصل الداخلي يمكن أن يعمل كمفتاح بيولوجي سريع، يهيئ الظروف للشفاء حتى قبل أن تبدأ التدخلات الجسدية في إحداث أي تأثير.
وعليه، يعتقد الباحثون أن هذا يعود إلى التواصل المستمر ثنائي الاتجاه بين الدماغ والجسم، حيث يرسل الدماغ رسائل إلى الأعضاء والعضلات والأنسجة الضامة والخلايا المناعية عبر المسارات العصبية والهرمونات والإشارات الكهربائية. فعندما تكون اللغة الداخلية مخيفة أو ناقدة أو تهديدية، غالباً ما يستجيب الجسم بصورة دفاعية. أما عندما تكون اللغة هادئة وداعمة، فإن الجسم يفسر هذه الإشارات على أنها أمان، مما يسمح بتنشيط الأنظمة المتعلقة بالإصلاح والمناعة والتوازن.
الجسد يشعر بالدعم
وعلى مر السنين، بدأ العلم في تفسير ما عرفته التجربة الإنسانية دائماً، فدرس مجال متنامٍ يسمى "علم النفس العصبي المناعي" كيفية تواصل أفكارنا ومشاعرنا وجهازنا العصبي مع جهاز المناعة والهرمونات. وقال ببساطة، ما تفكر فيه وتشعر به لا يبقى حبيس رأسك، بل ينتقل عبر جسدك، فعندما يدرك العقل التوتر أو الخوف أو التهديد، يتلقى الجسم إشارات الخطر وترتفع هرمونات التوتر ويزداد الالتهاب، ويتحول الجهاز المناعي إلى وضع البقاء على قيد الحياة. لكن عندما يشعر العقل بالأمان والطمأنينة والرعاية، يستجيب الجسم بصورة مختلفة تماماً، فتعمل عمليات الشفاء بكفاءة أكبر في جهاز عصبي هادئ ومنظم.
ولهذا السبب فإن الشفاء العاطفي والصحة العقلية والعاطفية ليست منفصلة عن التعافي الجسدي، إنها جزء من النظام ذاته. ولا تقتصر المشاعر على العقل فحسب، بل تظهر أيضاً في الجسد. وبمرور الوقت، غالباً ما تلاحظ أنماط حيث تتعايش التحديات الجسدية مع الحالات العاطفية، فقد تتداخل صعوبة فقدان الدهون أحياناً مع مشاعر انعدام الأمان أو الشعور بعدم الشعور بالأمان. وقد تحمل مشكلات الغدة الدرقية أو الكبد أو آلام الظهر أو الآلام المزمنة ضغوطاً نفسية إلى جانب عوامل نمط الحياة والهرمونات ونرى هذا كل يوم في حياتنا، إذ يهدأ الطفل فوراً عندما يسمع صوت أحد والديه المطمئن، ويشعر الشريك بالقوة عندما يتم التحدث إليه بلطف خلال الأوقات الصعبة، كذلك يشعر الشخص المريض بتحسن، حتى قبل أن يبدأ مفعول الدواء عندما يتلقى الرعاية والاهتمام.
وهنا لابد من سؤال، ماذا لو قدمنا هذا القدر من الراحة لأنفسنا؟ إذ لا يفرق الجسد بين الكلمات التي ينطق بها الآخرون والكلمات التي تقال في الداخل. فالراحة تخلق الأمان والأمان يدعم التنظيم والتنظيم يسمح بحدوث الشفاء الجسدي والنفسي بطريقة أكثر فعالية. وهذه ليست مجرد أمنيات، بل هي الطريقة التي صمم بها الجهاز العصبي البشري ليعمل. لذا، فإن التحدث بلطف مع جسدك لا يضمن الشفاء الفوري، ولكنه يخلق شعوراً بالأمان والمرونة والتفاؤل، والشفاء يكون في أفضل حالاته عندما يشعر الجسد بالدعم لا بالعقاب. وعليه فمن أقوى الممارسات التي غالباً ما يجري تجاهلها، هي التحدث إلى أجزاء الجسم التي تعمل بطريقة جيدة والامتنان لها، فالامتنان يولد الوعي، والوعي يعزز عملية الشفاء التي تجمع بين العقل والجسد.