ملخص
بعد الهجوم الصاروخي الذي أوقع 79 قتيلاً ونحو 200 جريح في مركز التدريب بمنطقة العلم، تحولت محافظة شبوة إلى مشهد واسع من التضامن والتكافل المجتمعي، من عتق إلى المديريات والأرياف، حيث تسابق المواطنون إلى التبرع بالدم وتقديم المساعدات الغذائية والمالية، فيما شاركت النساء والأطفال والشباب والمؤسسات التطوعية في مساندة المصابين وأسرهم. ولم تكن تلك المبادرات مجرد استجابة إنسانية لفاجعة موجعة، بل كشفت عن تماسك المجتمع الشبواني وقدرته على تجاوز خلافاته في لحظات المحن.
لم تكسر الصواريخ التي استهدفت مركز التدريب في منطقة العلم بمحافظة شبوة اليمنية إرادة الأهالي في الـ19 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على رغم سقوط 79 قتيلاً ونحو 200 جريح.
فبينما كانت المستشفيات تستقبل المصابين، والعائلات تتنقل بين أقسام الطوارئ بحثاً عن أبنائها، كانت المحافظة تكشف عن وجه آخر للمأساة، مجتمع يتحرك بكامل طاقته، من مدنه وقراه ومدارسه ومساجده، لمساندة الضحايا وأسرهم، في مشهد امتزج فيه التكافل الإنساني بالغضب من الهجوم الحوثي والإصرار على مواجهة تداعياته.
خلال الأيام الثلاثة الأولى بدت شبوة وكأنها على قلب واحد. تدافع المواطنون إلى مراكز التبرع بالدم، وتسابقت المبادرات التطوعية لتوفير الغذاء والملابس والمياه والحاجات الأساسية، فيما تولى متطوعون إيصال الوجبات إلى المستشفيات ومساندة الجرحى ومرافقيهم.
لم يكن هناك من ينتظر دعوة كي يشارك، فالمعلم والتلميذ والبائع والمشتري والرجل والمرأة والكبير والصغير وجدوا لأنفسهم دوراً في مواجهة آثار المأساة.
ولم يقتصر المشهد على الحزن والغضب، إذ برزت إرادة الحياة في صورة متبرعين يقدمون دماءهم، ونساء يتخلين عن حليهن، وأطفال يحاولون المشاركة في إنقاذ المصابين.
وهي مبادرات لم تقتصر دلالتها على الاستجابة الإنسانية، بل عكست قدرة أبناء شبوة على الالتفاف حول بعضهم في لحظات الخطر، وتجاوز خلافاتهم وتبايناتهم أمام فاجعة طاولت عشرات الأسر.
التكافل... استجابة تتجاوز الخلافات
يقول مسؤول السلامة الميداني في لجنة الطوارئ بمحافظة شبوة الدكتور محسن شرمد خلال حديث إلى "اندبندنت عربية"، إن المبادرات التي أعقبت الهجوم تعددت بين توفير الملابس للجرحى، وتقديم المساعدات المالية، وتنظيم حملات لإعداد الوجبات الغذائية وتوزيعها، إضافة إلى توفير المياه والعصائر للمصابين ومرافقيهم والطواقم الطبية على مدى 10 أيام.
ويرى شرمد أن أبرز ما كشفته الاستجابة المجتمعية هو قدرة شبوة على تجاوز خلافاتها عندما تتعرض للخطر، واستعادة روحها الجماعية في مواجهة المحن. فقد اتسعت دائرة المشاركة لتشمل شرائح اجتماعية ومناطق مختلفة، وأصبح الشعور بالمسؤولية تجاه المصابين وأسر الضحايا عاملاً جامعاً بين أبناء المحافظة.
ولم يقتصر أثر الحادثة، بحسب شرمد، على إعادة تنشيط روابط التكافل الاجتماعي، بل امتد إلى تجديد الالتفاف الشعبي وتعزيز الوعي بالأخطار التي تواجه المحافظة. فقد أعاد الهجوم إلى الواجهة قناعة لدى قطاعات من أبناء شبوة بأن مواجهة المشروع الحوثي لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، وإنما ترتبط أيضاً بحماية الأرض والإنسان والكرامة والاستقرار.
يشير إلى أن مشاعر الغضب والرغبة في الثأر للضحايا كانت حاضرة بقوة في الشارع، غير أن تحويل هذا الغضب إلى موقف مسؤول يظل أمراً بالغ الأهمية. فمواجهة التهديدات، وفق رؤيته، تتطلب تعزيز الجاهزية الأمنية، وتوحيد القرار، وحماية المجتمع، والتمسك بمؤسسات الدولة، بعيداً من ردود الفعل العشوائية التي قد تفضي إلى مزيد من الخسائر.
رسالة "واتساب" تحرك مدينة بأكملها
لم يقتصر التفاعل مع ضحايا الهجوم على مدينة عتق، بل امتد إلى المديريات والأرياف، حيث تحرك السكان كل وفق إمكاناته. وكانت مدينة الروضة، الواقعة على بعد نحو 70 كيلومتراً من عتق، واحداً من أبرز الأمثلة على هذا التضامن.
هناك، بدأت الحكاية برسالة عبر تطبيق "واتساب". فقد بادر الشاب علي عبدالعزيز زعبل إلى نشر حال على التطبيق، دعا فيها أبناء المدينة إلى التوجه نحو عتق للتبرع بالدم، استجابة لنداءات الاستغاثة التي انتشرت عقب الهجوم.
يستعيد زعبل في حديث خاص إلى "اندبندنت عربية"، تلك اللحظات بوصفها استجابة تلقائية لفاجعة هزت شبوة واليمن، إذ لم يكن الضحايا في نظر أبناء الروضة مجرد أسماء في حصيلة القتلى والجرحى، بل شباباً من أبناء المحافظة، في مقتبل العمر، وجدوا أنفسهم ضحايا هجوم خلف حزناً واسعاً في مجتمعاتهم وأسرهم.
وما إن انتشرت الدعوة حتى تجمع عدد من شباب الروضة في سوق المدينة، قبل أن يتوجهوا إلى عتق للتبرع بالدم. وكانت تلك الخطوة بداية مبادرة أوسع، ففي المساء ظهرت فكرة مساعدة الجرحى ومرافقيهم بتوفير المواد الغذائية والمياه والمرطبات، وسرعان ما تحولت إلى حملة تبرعات تجاوزت قيمتها مليوني ريال يمني في أقل من ساعتين.
أتاحت المبالغ التي جمعت إعداد وجبات غذائية في اليوم التالي ونقلها إلى مستشفيات عتق، بالتوازي مع التواصل مع إدارات المستشفيات لمعرفة حاجاتها وتوزيع المساعدات وفقاً لها، وشاركت فرق أخرى من أبناء المدينة في توفير الغذاء والمياه والمرطبات، واستمرت الحملة ثلاثة أيام وسط تفاعل واسع من الأهالي.
لم تكن المسافة بين الروضة وعتق عائقاً أمام المبادرة، ولم تكن محدودية الإمكانات سبباً للتراجع. فقد تحرك الشباب بوسائل بسيطة، لكنهم استطاعوا تحويل نداء إنساني عبر الهاتف إلى عمل جماعي شارك فيه أبناء المدينة، كل بما يستطيع.
ويصف زعبل ذلك بأنه موقف إنساني يعكس شعور السكان بواجبهم تجاه الجرحى وأسرهم، ويعبر في الوقت ذاته عن رفضهم للهجوم الحوثي. ولم يكن أكثر ما لفت انتباهه حجم المبالغ التي جمعت، بقدر ما كان سرعة الاستجابة واستعداد الأهالي للمشاركة من دون انتظار دعوة رسمية أو جهة تتولى تنظيم جهودهم.
حين ضاقت قاعات المركز بالمتبرعين
في عتق، كان المركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه في قلب الاستجابة الإنسانية. فمنذ الساعات الأولى التي أعقبت الهجوم، تدفق المواطنون إلى المركز للتبرع، حتى تجاوز الإقبال قدرته الاستيعابية، واضطر العاملون إلى استخدام المبنى الاحتياط المجاور لاستقبال المتبرعين وتنظيم عملية سحب الدم.
ويقول مدير المركز عبدالخالق بن فهيد لـ"اندبندنت عربية" إن الحادثة كانت فاجعة للمحافظة بأكملها، وإن مشاعر الحزن والغضب التي أعقبتها دفعت أبناء شبوة إلى التوجه نحو المركز وتقديم ما يستطيعون للمساهمة في إنقاذ المصابين.
وبحسب إفادته، بدأ تدفق المتبرعين منذ نحو التاسعة صباحاً، واستمر بأعداد كبيرة حتى امتلأت مرافق المركز، مما اضطر العاملين إلى توسيع مساحة الاستقبال والاستعانة بالمبنى المجاور. وفي الوقت ذاته، أطلقت نداءات إنسانية عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومكبرات الصوت المتنقلة لحث المواطنين على التبرع، في ظل حاجة المستشفيات إلى مختلف فصائل الدم، بما فيها الفصائل النادرة.
ووفق الأرقام التي أوردها بن فهيد، وصل ما جرى سحبه إلى 291 قربة دم في أحد أيام الحملة، فيما بلغ إجمال ما سحب خلال الأيام الثلاثة 359 قربة، جرى تجهيزها وإرسالها إلى المستشفيات لتلبية حاجات المصابين، وفي مقدمها مستشفى الهيئة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولم يكن العمل داخل المركز أقل كثافة من مشهد المتبرعين خارجه، فقد ألغيت إجازات العاملين، وواصل الطاقم الطبي والفني عمله حتى ساعات متأخرة من الليل، لمواكبة التدفق الكبير وتأمين حاجات المستشفيات، واستمرت عملية التبرع في اليومين التاليين، مع التركيز على توفير الفصائل التي كانت المستشفيات تحتاج إليها، ولا سيما النادرة منها.
ومن بين المشاهد التي لا ينساها بن فهيد، إصرار بعض المواطنين على التبرع على رغم أن حالاتهم الصحية لا تسمح بذلك، بسبب ارتفاع ضغط الدم أو الإصابة بالسكري. وكان العاملون يعتذرون عن قبول تبرعاتهم حفاظاً على سلامتهم وسلامة المرضى، لكن كثيرين ظلوا يتطلعون إلى أن يكون لهم نصيب في إنقاذ الجرحى، حتى وإن حالت الضوابط الطبية دون ذلك.
ويؤكد مدير المركز، الذي تأسس في سبتمبر (أيلول) عام 2024، ويقدم خدماته مجاناً ويمد المستشفيات بالدم، أنه لم يشهد من قبل هذا المستوى من الازدحام والإقبال. وكان المشهد، كما يصفه، استثنائياً في حجم التفاعل والتسابق بين المواطنين على التبرع، وفي الجهد الذي بذله العاملون لتلبية الحاجات الطبية في وقت قصير.
نساء يتخلين عن حليهن وأطفال يطلبون التبرع
لم تكن النساء بعيدات عن مشهد التضامن، فقد شاركت بعضهن في تقديم المساعدات، ووصلت المبادرات إلى حد تقديم أساور ذهبية أو بيعها لتوفير مبالغ تستخدم في شراء الوجبات والحاجات اللازمة للجرحى ومرافقيهم.
ولم يكن ذلك مجرد تبرع مادي، بل تعبيراً عن رغبة في المشاركة بما تملكه المرأة، حتى لو كان من مقتنياتها الشخصية، في وقت كانت المستشفيات تواجه ضغطاً كبيراً، والأسر تجد نفسها أمام أعباء العلاج والتنقل والإقامة.
أما الأطفال، فقد حاول بعضهم التبرع بالدم، لكن صغر أعمارهم حال دون قبول تبرعاتهم وفق الشروط الطبية. ومع ذلك، ظلت محاولاتهم واحدة من أكثر الصور الإنسانية دلالة على اتساع أثر الفاجعة في المجتمع، إذ لم تعد الرغبة في مساعدة المصابين مقتصرة على فئة أو عمر، بل امتدت إلى الصغار الذين أرادوا بدورهم أن يكونوا جزءاً من جهود إنقاذ الجرحى.
وشاركت مبادرات أهلية، من بينها ملتقى أبناء شبوة الخيري، في توفير الملابس والوجبات والمساعدات المالية، إضافة إلى النزول الميداني إلى المستشفيات للاطمئنان على الجرحى وتلمس حاجاتهم.
وتعددت صور الدعم بين إعداد الطعام وتوزيعه، وتوفير المياه والمرطبات، ومساعدة المرافقين الذين وجدوا أنفسهم أمام أعباء الإقامة والتنقل ومتابعة علاج ذويهم. وفي بعض المستشفيات، لم تعد المساعدة مقتصرة على المصاب وحده، بل امتدت إلى من يرافقه، بعدما تحولت رحلة العلاج إلى عبء على أسر قدم بعضها من مديريات وقرى بعيدة.
من الاستجابة العاجلة إلى مساندة طويلة الأمد
تكشف المبادرات التي شهدتها شبوة عقب فاجعة العلم عن مجتمع استطاع، في لحظة شديدة القسوة، أن يستعيد روابطه ويتجاوز جانباً من خلافاته، ليواجه المأساة باستجابة جماعية جمعت بين العمل الإنساني والرفض الشعبي للهجوم.
فمن الروضة إلى عتق، ومن الأحياء والمدارس إلى المساجد والقرى، لم تكن المسافة عائقاً أمام المشاركة، ولم تكن محدودية الإمكانات سبباً للابتعاد عن المشهد. وقد أسهمت المبادرات في تخفيف جانب من المعاناة عن الجرحى ومرافقيهم، وفي إسناد المستشفيات التي واجهت ضغطاً استثنائياً بسبب أعداد المصابين.
لكن آثار الفاجعة لا تنتهي بانتهاء أيام الاستنفار الأولى. فالمصابون الذين نجوا من الهجوم قد يحتاجون إلى متابعة طبية وعلاج طويل، وبعضهم سيواجه آثاراً صحية ومعيشية تمتد إلى ما بعد مغادرة المستشفيات، إضافة إلى أن أسر القتلى تحتاج إلى رعاية ومساندة مستمرة، لا تقتصر على أيام العزاء أو المبادرات العاجلة.
لقد كان يوم العلم يوماً ثقيلاً على شبوة، بما حمله من فقد ودم ووجع، لكن الأيام التي تلته كشفت عن مشهد آخر، مجتمع لم يكتف بالحزن على ضحاياه، بل تحرك لمساندة الجرحى وأسرهم، وأعاد تأكيد تماسكه في مواجهة التهديدات.
لم تستطع المبادرات أن تعيد القتلى إلى أسرهم، ولم يكن بمقدورها محو آثار الإصابة من أجساد الجرحى، لكنها منحت كثيرين شعوراً بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة المحنة.
وبين متبرع قدم دمه، وامرأة تخلت عن قطعة من حليها، وطفل أراد أن يتبرع فمنعه صغر سنه، وشاب أرسل رسالة عبر الهاتف فاستجاب لها أبناء مدينة بأكملها، تتجسد الحكاية الإنسانية التي كتبتها شبوة في أعقاب فاجعة العلم، حين تحول وجع الضحايا إلى تضامن واسع، وحين أثبت الأهالي أن ما يجمعهم في لحظات المحن أكبر مما يفرقهم.