Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لوغوف يكتشف الأب الشرعي للتاريخ: فولتير

أسئلة من فيلسوف القرن الـ18 تضع الأسس الفكرية لمدرسة "الحوليات" الفرنسية

جاك لوغوف: اكتشاف غير مفاجئ (أ ف ب)

ملخص

يرى المفكر الفرنسي جاك لوغوف في فصل تضمنته مساهمته في مجلة "الحوليات" أن البداية الحقيقية للتاريخ الجديد، كما وصل إلينا في صفحات "الحوليات" ومساهمات المئات من كتابها لا يمكنها أن تعزى إلا إلى الفيلسوف الفرنسي فولتير

يمكن بكل بساطة لأي مؤرخ معتبر من الذين واكبوا مجلة "الحوليات" التاريخية والاقتصادية والاجتماعية الفرنسية وأسهموا في دراساتها، منذ أعوام ما قبل الحرب العالمية الثانية أن يعتبر نفسه المؤسس الأول لهذه المطبوعة وتيارها العلمي الذي ساد في العمل التاريخي الجامعي، منذ ذلك الحين ولا يزال سيد الساحة في هذا المضمار حتى اليوم.

وينطبق هذا على مارك بلوك كما على لوسيان لوفيفر وطبعاً على فرنان بروديل كما على أكثر من دزينة من علماء ومفكرين مؤرخين كبار، وصولاً طبعاً إلى جاك لوغوف الذي حتى رحيله قبل أعوام كان يعتبر الوريث الأكبر لكل ذلك الرهط من المفكرين والكتاب الذين غيروا مفاهيم التاريخ ودراساته انطلاقاً من فرنسا ولكن حول العالم أيضاً.

ولكن لوغوف وفي وسط سجالات تحاول أن تعثر على جذور التاريخ الجديد حتى في العودة إلى هوميروس وتوكيديدس وابن خلدون، آثر أن يأتي بنظرية فاجأت كثراً حين رأى في مساهمة له في كتاب جامع حول "التاريخ الجديد" شارك فيه عدد من كبار الورثة لكبار مؤرخي القرن الـ20 وربما أيضاً القرن الذي يليه، أن أبوة هذا التيار التاريخي الفكري إنما تعود بالتحديد إلى... فولتير.

فولتير لأبوة هذا التاريخ

فجاك لوغوف رأى في فصل تضمنته مساهمته المذكورة أن البداية الحقيقية للتاريخ الجديد، كما وصل إلينا في صفحات "الحوليات" ومساهمات المئات من كتابها لا يمكنها أن تعزى إلا لفولتير نفسه، لماذا؟ ببساطة لأن لوغوف يخبرنا أن فيلسوف التنوير الفرنسي الكبير، الذي عرف بتأسيسه لعدد لا بأس به من صنوف الفكر والإبداع، خلف بين تراثه نصاً دبجه في عام 1744 تحت عنوان شديد الفصاحة هو: "تأملات جديدة حول التاريخ" إذ يقول حرفياً: "قد يحدث قريباً للكتابة التاريخية ما حدث للفيزياء، فقد أدت الاكتشافات الجديدة إلى التخلي عن الأنظمة القديمة، وبات في الإمكان أن نتعرف إلى الجنس البشري من خلال هذه الجزئيات المهمة التي تعتمد عليها الفلسفة الطبيعية اليوم (...)، إنه لمن المستحسن أن توجد أرشيفات لكل شيء حتى يتسنى استعمالها كلما دعت الحاجة إلى ذلك".

ويتابع لوغوف هنا نقلاً عن فولتير: "فأنا اليوم أنظر إلى المجلدات الضخمة وكأنها قواميس، ولكن بعد مطالعة 3 أو 4 آلاف وصف لوقائع حربية وبعد التمعن في مئات المؤلفات، وجدتني غير مطلع أكثر من ذي قبل، فأنا لا أعرف الفرنسيين والمسلمين من خلال معركة شارل مارتيل، أكثر مما أعرف المغول والأتراك من خلال انتصار تيمور لنك على العثماني بايزيد، إنني أريد أن أتعرف إلى قوى بلد ما كما كانت قبل خوضها الحرب لأتبين ما أسهمت به هذه الحرب في تزايدها أو نقصانها".

أسئلة متشابكة

ومن الواضح أن هذا يقود فولتير إلى طرح تلك الأسئلة التي نادراً ما يجيب عنها التاريخ الرسمي المعهود، مثل: هل كانت إسبانيا قبل احتلال العالم الجديد (أميركا)، أكثر ثراء منها اليوم؟ هل كان عدد سكانها في عهد شارل الخامس يفوق ما هو عليه في عهد شارل الرابع؟ لماذا كان عدد سكان مدينة كأمستردام لا يتعدى 20 ألف نسمة قبل 200 سنة ولماذا يبلغ عدد سكانها اليوم أكثر من 240 ألفاً؟ وكيف يمكننا أن نعرف ذلك معرفة إيجابية؟ بكم يفوق عدد سكان إنجلترا اليوم عدد سكانها في عهد هنري الثامن؟ وهل صحيح ما يروى في "الرسائل الفارسية" من أن عدد سكان الأرض قد تقلص قياساً بما كان عليه قبل 2000 سنة؟

ومن المهم هنا أن يقول جاك لوغوف كيف يرى أن هذه إنما هي بعض المواضيع التي تستجيب، في رأي فولتير، لفضيلة حب الاطلاع لدى الناس عندما يريدون النظر في كتب التاريخ بوصفهم مواطنين ولكن أيضاً بوصفهم فلاسفة، "إذ لا يكتفي المرء بمثل هذه المعطيات، بل سيبحث في العيوب والفضائل الأساسية السائدة لدى أمة من الأمم، ويتساءل مثلاً عن سبب قوتها أو ضعفها في البحر؟ وكيف وإلى أي مدى استطاعت أن تحقق تزايداً في ثرواتها منذ قرن من الزمان؟".

إن سجلات الصادرات والواردات يمكن أن تنبئ بذلك وقد يريد المرء أن يعرف كيف نشأت الفنون والصناعات ويتابع انتقالها من هذا البلد إلى ذلك... ويفيدنا لوغوف بالطبع أنه لم يفاجأ بأن يعثر على كل هذه الأسئلة والتأكيدات لدى فولتير، ولكن ليس لدى أي مفكر سبقه في ذلك وبخاصة سبقه في دراسة تشكل التحولات التي تمر بها عادات الناس وتقاليدهم التي نعرفها بخاصة باسم قوانين وتحولات في الذهنيات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التاريخ تبعاً لفواتير

ومن البديهي بعد هذا أن يصل لوغوف إلى ذلك الاستنتاج المنطقي الذي يحثه على القول إن "التاريخ في نظر فولتير، إذاً، هو التاريخ الاقتصادي والديموغرافي وتاريخ التقنيات، وتاريخ العادات، وليس فقط التاريخ العسكري والسياسي والدبلوماسي، وهو أيضاً تاريخ الناس، كل الناس وليس فقط تاريخ العظماء والملوك، إنه تاريخ البنى وليس فقط تاريخ الأحداث، إنه تاريخ للحراك يهتم أكثر ما يهتم بالتطورات والتغيرات، وليس تاريخاً للثبات يبدو على غرار ما تبدو عليه اللوحة التي ثبتت مرة وإلى الأبد، إنه تاريخ تفسيري، وليس تاريخاً وصفياً سردياً ودوغمائياً. وفي النهاية هو التاريخ الكلي الشامل والمتواصل المبني على تلك الفكرة التي سيعبر عنها فرنان بروديل بأفضل ما يكون من خلال مصطلح الديمومة أو التواصل الزمني على المدى الطويل".

ونعرف بالطبع أن هذا المصطلح بالتحديد هو الأساس الذي بني عليه التاريخ الجديد بأسره، وبني عليه من الأساس مشروعه الذي حتى وإن كان قد ظهر كمنظومة فكرية بحثية فقط خلال النصف الأول من القرن الـ20، وها هو فولتير يحدثنا عنه، كما يخبرنا جاك لوغوف منذ زمن بعيد نسبياً، مؤكداً أن إرهاصات هذا المشروع إنما ولدت حقاً مع فولتير قبل أكثر من قرنين، ثم وجد في الكاتب الفرنسي شاتوبريان كما في غيزو، من يتعهده بالرعاية والتنمية وربما بالبطولة أيضاً، طوال الفترة الفاصلة بين فولتير والربع الثاني من القرن الـ20، بحيث يمكن القول إن الولادة التي كانت على يدي فولتير كما رأينا، قد تواصلت حتى من قبل ولادة بعدها الشرعي الممنهج مع بدء صدور "الحوليات" واستتباب تيارها الفكري وانتشار تأثيراته الفكرية والمنهجية في جامعات العالم وحلقاته الدراسية.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة