Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إسرائيل من "ثابت مقدس" إلى "حقل ألغام انتخابي" في أميركا

الاستطلاعات تؤكد أن تأييد تل أبيب يتناسب طردياً مع العمر إذ لا تميل فئات الشباب إلى انحياز الحزب الجمهوري لسياسات نتنياهو وحكومات اليمين

ظل الجمهور المحافظ من الحزب الجمهوري يشكل الحصن الأساس للتأييد بنسبة 70 في المئة لمصلحة إسرائيل (أ ف ب)

ملخص

بحسب أحدث استطلاعات معهد مؤسسة غالوب (Gallup) للرأي العام، حدث تحول تاريخي يسجل للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، حيث انحسرت نسب التعاطف الشامل مع إسرائيل لتسجل هبوطاً غير مسبوق في أوساط القواعد الشعبية، إذ أظهر التوزيع الحزبي وفقاً لبيانات "غالوب" المحدثة، انقساماً راديكالياً، إذ أعرب 65 في المئة من الناخبين الديمقراطيين عن تعاطفهم الصريح مع الفلسطينيين، مقابل 17 في المئة فقط أبدوا تعاطفهم مع إسرائيل.

عقود طويلة ظل خلالها الملف الإسرائيلي في أروقة السياسة الأميركية يشبه "المياه المقدسة" التي لا يجرؤ سياسي في واشنطن على مساسها أو تعكير صفوها، إذ كان الدعم المالي والعسكري والدبلوماسي الموجه لتل أبيب بمثابة العقيدة المجهزة مسبقاً، والمسألة العابرة للأحزاب التي تصهر الجمهوريين والديمقراطيين في كفة واحدة.

غير أن هذه الصورة النمطية الممتدة لمنظومة القوة الأميركية تحطمت بصورة غير مسبوقة، ففي لحظة فارقة تشهدها الخريطة السياسية لعام 2026، كشفت الرمال المتحركة في الشارع الأميركي عن واقع جديد تماماً: لم تعد إسرائيل ذلك الأصل الاستراتيجي المضمون، بل تحولت إلى محور استقطاب، يمزق أحزاب العاصمة، ويعيد تشكيل بوصلة الناخبين، ويفرض قواعد لعبة غير مألوفة بات فيها هذا التحالف التاريخي يشكل رهاناً خاسراً وعبئاً أيديولوجياً يكلف المرشحين مستقبلهم السياسي.

تحول أيديولوجي

بحسب أحدث استطلاعات معهد مؤسسة غالوب (Gallup) للرأي العام، حدث تحول تاريخي يسجل للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، حيث انحسرت نسب التعاطف الشامل مع إسرائيل لتسجل هبوطاً غير مسبوق في أوساط القواعد الشعبية، إذ أظهر التوزيع الحزبي وفقاً لبيانات "غالوب" المحدثة، انقساماً راديكالياً، إذ أعرب 65 في المئة من الناخبين الديمقراطيين عن تعاطفهم الصريح مع الفلسطينيين، مقابل 17 في المئة فقط أبدوا تعاطفهم مع إسرائيل.

وتحول المستقلون، وهم الكتلة التي تحسم غالباً كفة الولايات المتأرجحة، نحو كفة التعاطف مع الفلسطينيين بنسبة 41 في المئة، مقارنة بـ30 في المئة لمصلحة إسرائيل.

في المقابل ظل الجمهور المحافظ من الحزب الجمهوري يشكل الحصن الأساس للتأييد بنسبة 70 في المئة لمصلحة إسرائيل، إلا أن هذه النسبة بدأت تشهد تآكلاً تدريجاً مقارنة بالعقود السابقة التي كانت تتجاوز فيها مستويات الدعم حدود 85 في المئة.

هذا الانقسام لم يكن مجرد صدفة عابرة، بل جاء نتيجة تقاطع شخصية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وصعود اليمين الفاشي في إسرائيل مع استقطاب واشنطن الذاتي، إذ أدى صدام نتنياهو العلني مع إدارة أوباما السابقة وتحالفه العضوي مع دونالد ترمب إلى صبغ إسرائيل بصبغة الحزب الجمهوري، محولاً إياها في نظر الشارع الديمقراطي إلى قضية حصرية لليمين المحافظ.

صراع جيلي

بحسب دراسات مركز "بيو" للأبحاث، يتناسب دعم إسرائيل طردياً مع العمر، إذ تنخفض نسب التأييد كلما كانت الفئات العمرية أصغر سناً، إذ أظهرت استطلاعات "غالوب" أن نحو 53 في المئة من هذه الفئة العمرية يعربون عن تعاطفهم المباشر مع الفلسطينيين، فيما تشير بيانات "بيو" إلى أن أكثر من 70 في المئة من الشباب يمتلكون انطباعاً "غير فضلي" تجاه الحكومة الإسرائيلية.

يعود ذلك لكون جيل الشباب Gen Z والألفية 18-34 سنة لم يعش حقبة الترويج لإسرائيل كـ"دولة صغيرة محاطة بالأعداء"، بل استقى وعيه السياسي عبر منصات التفاعل المباشر مثل "تيك توك" و"إكس"، مستحضراً القضية من منظور مناهضة الاستعمار، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان.

ولا تزال فئة كبار السن (55 سنة فما فوق) تتمسك بالنظرة التقليدية القائمة على اعتبار إسرائيل حليفاً ديمقراطياً استراتيجياً وثابتاً أخلاقياً، بيد أن وزنهم الديمغرافي يتراجع تدريجاً لمصلحة القواعد الشابة الصاعدة.

الأكثر خطورة بالنسبة إلى تل أبيب أن هذه الفجوة لم تعد محصورة في أروقة اليسار، فقد كشف مركز "بيو" أن نصف الشباب الجمهوريين (تحت سن 50) باتوا يحملون نظرة سلبية تجاه السياسات الإسرائيلية، في حين تراجعت نسب الدعم المطلق في أوساط القواعد الإنجيلية الشابة، وهو ما يهدد الخزان الانتخابي الأكثر صلابة للحزب الجمهوري مستقبلاً.

انفجار داخلي

تحول الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل إلى معضلة وجودية داخل الحزب الديمقراطي، مسبباً انقساماً حاداً بين الجناح المؤسسي التقليدي والجناح التقدمي الشاب، وهذا التوتر ترجم نفسه إلى ظواهر انتخابية وسياسية أثرت بصورة مباشرة في خريطة الحكم.

وتتزامن هذه التحولات مع استعداد واشنطن للانتخابات النصفية لعام 2026، إذ تلقي أزمة الاستقطاب بظلالها على الانتخابات التمهيدية للأحزاب لحسم المنافسة على مقاعد الكونغرس وحكام الولايات، مما يجعل الملف الإسرائيلي معياراً حاسماً في صياغة التحالفات الانتخابية.

 

 

وخلال الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، ظهرت حركة "غير ملتزم" (Uncommitted) الاحتجاجية كرد عقابي على إدارة ملف الحرب، ففي ولاية ميشيغان، سجلت مراكز الاقتراع تصويت أكثر من 101 ألف ناخب ديمقراطي بـ"غير ملتزم"، وحشدت الحركة في ولاية ويسكونسن أكثر من 48 ألف صوت بالخيار نفسه، وهذه الأرقام كشفت عن كتلة تصويتية حرجة قادرة على قلب نتيجة الانتخابات في ولايات تحسم عادة بهامش لا يتجاوز 20 ألف صوت فقط.

وفي مدينة ديربورن بميشيغان التي تعد المعقل الأكبر للعرب والمسلمين في أميركا، منح الناخبون 69 في المئة من أصواتهم لمصلحة الحزب الديمقراطي عام 2020، غير أن التطورات الأخيرة شهدت عزوفاً جماعياً وتحولاً في الأصوات لمصلحة المرشحين المستقلين أو أحزاب الطرف الثالث مثل "حزب الخضر"، مما حرم الديمقراطيين من خزانهم الانتخابي التقليدي.

لم يقف الشرخ عند صندوق الاقتراع، بل أحدث زلزالاً داخل أجهزة الدولة، إذ شهدت واشنطن موجة استقالات علنية لمسؤولين ديمقراطيين احتجاجاً على السياسة الخارجية، فالمسؤول في مكتب الشؤون العسكرية بوزارة الخارجية الأميركية جوش بول استقال علناً رافضاً استمرار نقل الأسلحة، ولحق به مستشار السياسات في وزارة التعليم الأميركية طارق حبش وكانت المساعدة الخاصة في وزارة الداخلية ليلي غرينبيرغ كول، أول مسؤولة يهودية أميركية تعلن استقالتها رسمياً رفضاً للدعم المطلق.

قنبلة موقوتة

على رغم أن الحزب الجمهوري يبدو ظاهرياً أكثر تماسكاً خلف إسرائيل، فإن في عمقه الأيديولوجي تتشكل حروب فكرية بين المحافظين الجدد وتيار "أميركا أولاً" لا تقل خطورة، ويتصاعد التيار العزلي الذي يتساءل بوضوح "لماذا تنفق المليارات على حلفاء خارجيين بينما تعاني البنية التحتية والحدود الأميركية؟".

خلق هذا الطرح الذي قاده رموز إعلاميون بارزون مثل تاكر كارلسون وستيف بانون، سجالات علنية حادة مع النخب المحافظة التقليدية المؤيدة لإسرائيل، ومن داخل الكونغرس، برز النواب الجمهوريون مثل توماس ماسي الذي يواظب على التصويت ضد حزم المساعدات المالية والعسكرية لإسرائيل، معتبراً إياها إهداراً للمال العام، والنائبة مارجوري تايلور غرين التي انتقدت تقديم أولويات الخارجية على حساب الأزمات المحلية.

وتشير الدراسات الديموغرافية إلى أن الشباب المسيحيين الإنجيليين لم يعودوا يتبنون ذات الرؤية اللاهوتية القاطعة لآبائهم في دعم إسرائيل، مما يجعل هذا الملف وفقاً لمحللين قنبلة موقوتة تنتظر انفجارها مع تسلم هذا الجيل مقاليد الحزب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأمام هذا الانزلاق في الشارع والمؤسسات، اضطرت لجنة الشؤون العامة الأميركية - الإسرائيلية "أيباك" أو (AIPAC) إلى تغيير عقيدتها التشغيلية بالكامل، وتحولت من الاعتماد على النفوذ الدبلوماسي الناعم إلى استخدام القوة المالية القسرية المباشرة من خلال لجنة العمل السياسي الفائقة (United Democracy Project - UDP).

 وأنفقت "أيباك" مئات الملايين من الدولارات لاستهداف النواب التقدميين الناقدين لإسرائيل داخل الحزب الديمقراطي وإسقاطهم قبل الوصول إلى الانتخابات العامة، إذ ضخت المنظمة وحلفاؤها أكثر من 15 مليون دولار في دائرة النائب جمال بومان بنيويورك لإسقاطه، لتصبح تلك المعركة الانتخابية التمهيدية الأغلى في تاريخ مجلس النواب الأميركي، وضخت المنظمة ملايين الدولارات في ولاية ميسوري لدعم منافسي النائبة كوري بوش وإسقاطها.

استراتيجية "التخفي"

وكشفت تحليلات الإنفاق لـ(UDP) التابعة لـ"أيباك" أن الإعلانات الممولة من المنظمة لم تذكر إسرائيل أو السياسة الخارجية مطلقاً، بل تم التركيز على مهاجمة المرشحين في قضايا محلية كالضرائب والبنية التحتية والجريمة، ويعود هذا التكتيك لمعرفة المنظمة اليقينية بأن رفع شعار "دعم إسرائيل" بات يشكل عائداً عكسياً ينفر القواعد الانتخابية الشابة والديمقراطية.

 

 

ولم تكن تل أبيب غائبة عن تقييم هذه التحولات، إذ تصنف الدوائر الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية هذا التغيير بـ"التهديد الوجودي القادم من الداخل الأميركي"، وقد حذر المدير السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية (أمان)، تامير هايمان، من أن خسارة الرأي العام الأميركي والعزوف الحزبي يشكل أزمة أمن قومي حقيقية لا يمكن معالجتها بالحلول الترقيعية، في حين أكد السفراء الإسرائيليون السابقون في واشنطن (مثل مايكل أورين وإيتامار رابينوفيتش) أن "ارتهان إسرائيل للحزب الجمهوري فقط هو خطأ استراتيجي كارثي ينهي حقبة الحماية المطلقة".

من جهته، حاول نتنياهو التقليل من عمق التحول البنيوي، متهماً منصات خوارزميات التواصل الاجتماعي مثل "تيك توك" والحسابات الوهمية بالوقوف وراء غسل أدمغة الشباب الأميركي، موعزاً لوزراته بتطوير أساليب "الهسباراه" (الدعاية) الموجهة لتلائم لغة الجيل الجديد.

ووفقاً للتحليلات تتخوف إسرائيل من تحول المساعدات السنوية (3.8 مليار دولار) إلى ملف خاضع للتفاوض والمساومة والمطالبة بربطها بملف حقوق الإنسان، وضعف الضمانة الأميركية المتمثلة في استخدام حق النقض "الفيتو" بمجلس الأمن لحمايتها من المحاسبة الدولية، خصوصاً مع إدراك تل أبيب أن شباب اليوم من جيل Z الناقمين على السياسات الإسرائيلية هم من سيشغلون مناصب الوزراء، وأعضاء الكونغرس، ومستشاري الأمن القومي بعد عقد من الزمان.

التحول الذي شهده الملف الإسرائيلي في واشنطن لم يكن مجرد أزمة عابرة أو زوبعة انتخابية موقتة، بل هو تعبير عن زلزال بنيوي أعيد فيه رسم معالم التفكير الأميركي تجاه العالم، إذ تحطمت صورة إسرائيل كـ"دولة فوق الشبهات" أو "استثناء يجمع عليه الجميع".

وتثبت الأرقام والاستطلاعات الواقعية أن إسرائيل أضحت في قلب خطوط التماس السياسية في أميركا، وأن الرهان على الدعم العابر للأحزاب قد انتهى عملياً لمصلحة عصر جديد من المشروطية، والاستقطاب، والتجاذب الجيلي، وبينما تحاول اللوبيات التقليدية شراء الوقت وترميم السدود عبر التمويل الهائل، تشير جغرافية الديموغرافيا وتغير وعي الأجيال الشابة إلى حقيقة واحدة لا مفر منها: إن العصر الذي كانت فيه تل أبيب تحصل على "شيك أميركي على بياض" قد أغلق سفره إلى غير رجعة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير