ملخص
الصراع في إثيوبيا هو في طور الانفلات الجزئي والمتدرج، لا الانفجار المفاجئ الشامل. فما نشهده ليس حرباً أهلية واحدة معلنة، بل تراكم خطر لثلاث جبهات داخلية نشطة، يضاف إليها تحالف ناشئ بين قوى كانت متناحرة، وتهديد حدودي متصاعد مع إريتريا، وكل ذلك يجري في ظل مؤسسة دولة مركزية تفقد قبضتها تدريجاً على الأطراف من دون أن تنهار بالكامل في المركز.
في نهاية عام 2019 كان رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد يقف على منصة أوسلو ليتسلم جائزة نوبل للسلام، بعد اتفاقه التاريخي مع إريتريا الذي أنهى 20 عاماً من العداء. بعد سبع سنوات فقط، يقف الرجل نفسه على رأس دولة تخاض فيها ثلاث حروب داخلية متزامنة تقريباً، وتلوح في أفقها حرب رابعة مع الجارة التي صالحها ذات يوم. هذا التناقض الصارخ بين صورة رجل السلام وواقع إثيوبيا الراهن، هو ما يجعل السؤال عن انفلات الصراع الداخلي في إثيوبيا أكثر إلحاحاً اليوم من أي وقت مضى.
الخطأ الأول الذي يقع فيه كثيرون عند تحليل الأزمة الإثيوبية هو التعامل معها صراعاً واحداً، الحقيقة أن إثيوبيا اليوم غارقة في شبكة من النزاعات المتداخلة، لكل منها جذوره الخاصة، وإن كانت جميعها تتقاطع الآن في نقطة واحدة خطرة، تحالف جرى إعلانه أخيراً يجمع خصوماً سابقين ضد الحكومة الفيدرالية.
الجبهة الأولى قومية أمهرا وميليشاتها الفانو، منذ إعلان الحكومة الفيدرالية خطتها لنزع سلاح الميليشيات الإقليمية عام 2023، تحولت ميليشيات الفانو التي قاتلت إلى جانب الجيش الفيدرالي ضد جبهة تحرير تيغراي في حرب 2020 - 2022 إلى قوة تمرد رئيسة ضد الحكومة نفسها. هذا التمرد مستمر منذ أبريل (نيسان) 2023، وشهد اشتباكات عنيفة مع الجيش الإثيوبي، وهجمات بطائرات مسيرة على أهداف مدنية، واعتقالات جماعية للمدنيين الأمهريين، وإعلان حالة طوارئ.
ووفق تقارير حديثة، صعدت الفانو من وتيرة هجماتها بنسبة تتجاوز 50 في المئة خلال الفترة من مارس (آذار) إلى مايو (أيار) 2026 مقارنة بالفترة السابقة، وامتد نشاطها ليعطل جهود الحكومة الفيدرالية لتنظيم الانتخابات في يونيو (حزيران) 2026، بل واستهدفت طرقاً رئيسة مؤدية إلى بحر دار، عاصمة إقليم أمهرا.
الجبهة الثانية: تيغراي المنقسمة على ذاتها، فالخطر اليوم ليس عودة الحرب بين تيغراي والمركز فحسب، بل الانقسام الداخلي داخل جبهة تحرير تيغراي نفسها، إذ تشهد المنطقة توترات داخلية واشتباكات متجددة على طول الحدود الإقليمية عمقت حالة عدم الاستقرار، فيما استمر تهجير أهالي تيغراي قسراً من غرب تيغراي على رغم اتفاق وقف الأعمال العدائية لعام 2022، كما اندلعت اشتباكات بين قوات تيغرايية متنافسة في جنوب تيغراي وعلى الحدود مع إقليم عفر أدت إلى تهجير جديد.
الجبهة الثالثة: أوروميا، الأقل حضوراً في العناوين الدولية لكنها لا تقل خطورة، جيش تحرير أورومو، الجناح المسلح لجبهة تحرير أورومو، ما زال نشطاً في إقليم أوروميا، أكبر أقاليم إثيوبيا، ويتفاوض بصورة متقطعة مع الحكومة من دون التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار. وفي مايو الماضي، أدى تصاعد العنف بين جماعات مسلحة في مناطق حدودية بين أوروميا وبني شنجول - جوميز إلى نزوح أكثر من 11 ألف شخص.
في هذا السياق، فإن ما يحول هذا المشهد من أزمات متعددة قابلة للاحتواء إلى انفلات حقيقي هو التطور الأحدث والأكثر دلالة، تحالف عسكري بين قوى كانت حتى الأمس القريب تتقاتل في ما بينها. في منتصف أغسطس 2026 أعلن قائد التمرد الأمهري أن مجموعة حركات الفانو المسلحة المنضوية تحت مظلة واحدة ستنضم إلى تحالف يضم سبع جماعات أخرى مناهضة للحكومة في أنحاء البلاد، وهو ما أثار الدهشة، لأن هذا التحالف يضم فصائل من جبهة تحرير تيغراي ذاتها التي حاربتها قوات الفانو بين 2020 و2022.
هذا التحول ليس تفصيلاً عسكرياً، بل تحول مهم، إذ تتوحد جبهات كانت متصارعة على أساس عرقي (أمهرا ضد تيغراي) في مواجهة عدو مشترك هو المركز الفيدرالي، ويتغير منطق الحرب من نزاعات هامشية متفرقة إلى موقف منسق ضد حكم آبي أحمد. وطبقاً لهذا التطور اتهمت وزارة الخارجية الإثيوبية في رسالة إلى الأمم المتحدة في الشهر الجاري الفصيل المتشدد داخل الجبهة والحكومة الإريترية بالإعداد لحرب ضد إثيوبيا، متهمة الطرفين أيضاً بدعم محاولة قوات الفانو للاستيلاء على مدينة ولديا في إقليم أمهرا.
يمكن القول إنه لا يمكن فهم مسار الصراع الداخلي الإثيوبي بمعزل عن التوتر المتصاعد مع إريتريا، الذي يضيف بعداً إقليمياً خطراً إلى أزمة كانت حتى وقت قريب داخلية بالكامل، وذلك في ضوء إصرار آبي أحمد على الوصول إلى البحر الأحمر، مؤكداً أن الوصول البحري "مسألة بقاء" لإثيوبيا، بعدما كان قد صرح في بداية سبتمبر (أيلول) بأنها "مسألة وقت"، قبل أن تستعيد إثيوبيا الوصول إلى ميناء عصب الإريتري.
من جانبها، لم تقف إريتريا مكتوفة الأيدي، فبحسب تقارير عدة، باتت أسمرة تتهم بتقديم دعم عسكري ولوجيستي لمعارضي آبي أحمد. تتهم الحكومة الفيدرالية جبهة تحرير تيغراي بتحالف مع ميليشيات الفانو الأمهرية، عبر تقديم مشورة عسكرية لهم والعمل كقناة لتهريب الأسلحة والذخيرة من إريتريا إلى تلك الجماعات، وفي يناير (كانون الثاني) 2026 زعمت أديس أبابا أنها اعترضت شحنة ذخيرة موردة من إريتريا ومنقولة عبر جبهة تحرير تيغراي كانت متجهة إلى جماعات الفانو في أمهرا. وفي فبراير (شباط) 2026، طالبت إثيوبيا إريتريا رسمياً بسحب قواتها من أراضيها، فردت أسمرة بأن هذه الاتهامات زائفة وملفقة بصورة واضحة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم هذا التصعيد، نستبعد اندلاع غزو إثيوبي واسع النطاق لإريتريا في 2026، لكن تفاقم التوترات حول الوصول إلى البحر وعلاقات أسمرة بالجماعات المعارضة للحكومة الإثيوبية يرفعان احتمال اشتباكات بالوكالة على طول الحدود قد تتصاعد بسرعة إلى مواجهة عسكرية أوسع.
كما يضيف الملف السوداني طبقة أخرى من التعقيد الإقليمي وسط تقارير عن معسكر تدريب للمتمردين السودانيين في غرب إثيوبيا، وهو ما يجعل الحرب الأهلية السودانية جزءاً من الشبكة الإقليمية المتشابكة نفسها.
وفي تقديرنا فإن هناك مؤشرات عدة تدفع نحو ترجيح كفة التصعيد في الصراع الداخلي الإثيوبي منتصرة على كفة الاحتواء:
أولاً، تآكل الشرعية السياسية، مركزية السلطة التي انتهجها حزب الازدهار بقيادة آبي أحمد نفرت القوى الإثنية الفيدرالية التي كانت أساس التوازن السياسي الإثيوبي منذ سقوط منجستو عام 1991.
ثانياً، منطق العدو المشترك الذي يوحد الخصوم. كما أوضحنا، لم يعد التحالف بين تيغراي وأمهرا وأوروميا وأوغادين مجرد احتمال نظري بل واقع ميداني ناشئ، وهذا النمط تاريخياً هو ما أسقط أنظمة حكم في إثيوبيا من قبل (كما حدث حين تحالفت الجبهات الإثنية المسلحة لإسقاط نظام منجستو هيلا مريام عام 1991).
ثالثاً، الانتخابات كنقطة اشتعال، الانتخابات الفيدرالية المقررة في يونيو (حزيران) 2026 لم تكن عامل استقرار، بل محفز إضافي للعنف، إذ استخدم العنف المسلح أداة للتعطيل السياسي وليس فقط للمقاومة العسكرية.
رابعاً، الأرقام المتصاعدة من الضحايا، وفق بيانات برنامج أوبسالا لبيانات النزاعات، سجل عدد كبير من القتلى في الأشهر الـ12 حتى يوليو 2026، منهم نسبة لا يستهان بها من المدنيين، بينما يعيش مئات الآلاف من النازحين داخلياً في تيغراي وأمهرا في ظروف قاسية داخل مخيمات رسمية وغير رسمية، مع محدودية الوصول إلى الغذاء والمساعدات، وقد نظم النازحون في تيغراي احتجاجاً استمر ثلاثة أيام أمام مكاتب الحكومة الإقليمية مطالبين بعودة آمنة وطوعية وعاجلة.
في المقابل، ثمة عوامل تحد من احتمال انزلاق إثيوبيا الكامل نحو حرب أهلية شاملة على غرار الصومال في التسعينيات، أو انهيار الدولة بالكامل:
أولها، أن الجيش الفيدرالي الإثيوبي، على رغم إنهاكه، ما زال يملك قدرات نيران وتفوقاً جوياً لا تملكه الفصائل المتمردة، وهو ما يجعل انتصاراً حاسماً لأي من الطرفين مستبعداً في الأمد المنظور، لكنه يعني أيضاً حرب استنزاف طويلة لا نهاية واضحة لها.
ثانيها، أن التحالف الجديد بين تيغراي وأمهرا هش بطبيعته، لأنه يجمع أطرافاً تاريخياً متناحرة حول قضايا حدودية لم تحل وأبرزها منطقة غرب تيراي المتنازع عليه، وأي تقدم عسكري مشترك سيعيد فتح هذا الملف الخلافي بمجرد أن يتراجع الخطر المشترك.
ثالثها، أن المجتمع الدولي، على رغم انشغاله بملفات أخرى، ما زال يمتلك أدوات ضغط، المساعدات الإنسانية والتنموية التي تعتمد عليها الحكومة الإثيوبية بصورة كبيرة، يمكن استخدامها للدفع نحو تسوية سياسية، كما حدث مع اتفاق بريتوريا عام 2022.
وهكذا، فإن الصراع في إثيوبيا هو في طور الانفلات الجزئي والمتدرج، لا الانفجار المفاجئ الشامل. فما نشهده ليس حرباً أهلية واحدة معلنة، بل تراكم خطر لثلاث جبهات داخلية نشطة، يضاف إليها تحالف ناشئ بين قوى كانت متناحرة، وتهديد حدودي متصاعد مع إريتريا، وكل ذلك يجري في ظل مؤسسة دولة مركزية تفقد قبضتها تدريجاً على الأطراف من دون أن تنهار بالكامل في المركز.
السيناريو الأخطر ليس سقوط الدولة الإثيوبية دفعة واحدة، بل تحولها التدريجي إلى دولة منقوصة السيادة في مناطق واسعة من أطرافها، تدير حروباً متعددة الجبهات من دون قدرة على حسم أي منها، بينما يتآكل مركزها السياسي والاقتصادي ببطء. وإثيوبيا، بثقلها الديموغرافي وموقعها الاستراتيجي في القرن الأفريقي، تعني أن أي انزلاق إضافي فيها لن يبقى شأنا داخلياً، بل سيهز توازنات منطقة بأكملها تعاني أصلاً هشاشة مزمنة، من السودان إلى الصومال إلى البحر الأحمر.