ملخص
يستمد الكاتب السوري الكردي نزار آغري من واقعة تاريخية موضوع روايته الجديدة "اسمي خديدا"، الصادرة عن دار النهضة العربية، بيروت. ويقوم بتكييفها روائياً، فلا يروي ما حصل، مما يدخل في باب التأريخ، بل يروي ما يمكن أن يحصل، مما يدخل في باب الرواية.
الواقعة التاريخية التي يستمد منها نزار آغري موضوع روايته هي محاولة الإبادة التي تعرض لها الإيزيديون داخل مدينة سنجار ومحيطها شمال العراق، في عام 2014، على يد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وما تمخضت عنه من مئات الضحايا، وآلاف السبايا، ومئات آلاف النازحين، وإفراغ المدينة والقرى المحيطة بها من سكانها، وإحراق المدارس ومراكز العبادة فيها. على أن الكاتب لا يستعيد الواقعة بأحداثها ومآسيها بصورة مباشرة، فيسقط في التأريخ، بل يرصد تداعياتها على بطل الرواية، على المستويين الجسدي والنفسي. ويذكر الأثمان الغالية التي دفع، مستنداً إلى التخييل الروائي الذي ينطلق من الوقائع ويعيد تدويرها روائياً لا من التوثيق التاريخي الذي يُعنى بتدوين الوقائع. وبذلك، يرصد آغري العام من خلال الخاص، والجماعة من خلال الفرد، ويبني على الشيء مقتضاه.
سؤال الأقليات
تطرح الرواية سؤال الأقليات في العالم العربي، من خلال محاولة الإبادة التي تعرضت لها الأقلية الإيزيدية في شمال العراق عام 2014 على يد تنظيم "داعش" الإرهابي. وإذا كانت هذه الأقليات تقيم على قلق دائم في زمن السلم، وتشعر بالدونية والتهميش، فإنها، في زمن الحرب، قد تصبح مهددة بالاقتلاع من الجذور، وتتعرض لمحاولات الإبادة، لمجرد اختلافها عما تؤمن به الأكثرية الحاكمة. ويزيد الطين بلة حين ينتشر وباء التعصب الديني في صفوف تلك الأكثرية. ولعل ما وقع في الأقلية الإيزيدية في شمال العراق عام 2014، وما ارتُكب من مجازر بحق الأقلية العلوية في الساحل السوري عام 2025، وما تعرضت له الأقلية الدرزية في الجنوب السوري عام 2025، هي أمثلة تاريخية معاصرة على السؤال المطروح.
بالدخول إلى الرواية من عتبة العنوان، نشير إلى أن كلمة "خديدا" في الثقافة الإيزيدية، اسم علم يطلق على الذكور، ويعود في أصله إلى "خضر الياس"، إحدى الشخصيات المقدسة في المعتقد الإيزيدي. وبذلك، يكون العنوان من المتن بمثابة الاسم على المسمى، باعتبار أن الأخير يتناول تداعيات الإبادة على الإيزيديين، من خلال ما عاشه بطل الرواية "خديدا"، آخر من تبقى في قريته على قيد الحياة أو الإقامة، بعد قتل سكانها وتهجيرهم، فغدا "وحده سكان هذه القرية" (ص69). فكيف تطرح الرواية سؤالها، سواء على مستوى الحكاية أو الخطاب؟
ذكريات وكوابيس
في الحكاية، استطاع الكاتب، ومنذ الصفحة الأولى، أن يثير فضول القارئ حين جعل بطل الرواية ينهض من النوم ليجد نفسه وحيداً ممدداً على الحصير، وستائر الغرفة مسدلة والهواء ساكناً، وليس ثمة أثر لزوجته شمسة وصغيريهما شاهو وشاها، مما يشكل مؤشراً إلى حدوث شيء ما، لا يستطيع الناهض، للوهلة الأولى، تذكره. ومع الإيغال في السرد، تأخذ الأمور في الاتضاح شيئاً فشيئاً، وتحضر على صورة ذكريات متقطعة وكوابيس مرعبة وأحلام يقظة، يتبين منها أن القرية تعرضت للغزو، ذات ليلة، من قبل "رجال جبارين يرتدون بناطيل خاكية فوقها سراويل تصل إلى الركبة ويزنرون رؤوسهم بمناديل سود ويلوحون بسواطير وخناجر وسكاكين ويرفعون أعلاماً سوداً خطت عليها كتابات عربية متداخلة"، وهو ما ينطبق على تنظيم داعش الإرهابي بامتياز (ص26).
هذه الغزوة تقلب حياة بطل الرواية والقرية رأساً على عقب، فالأول يتحول من أب وزوج وإنسان يعيش بين الناس إلى سجين خوف يعيش وحيداً، ومن حي في بيته إلى ميت في مقبرة كبيرة. والثانية تتحول من قرية مليئة بالأرواح، بالأصوات، إلى فراغ هائل وسجن واسع ومقبرة كبيرة. ولعل خير تعبير عن هذا التحول الكبير هذا المشهد السوريالي المرعب الذي يرد على لسان بطل الرواية، خلال جولة في دروب القرية، حين يقول: "في دروب القرية اصطدمت بأجسام غريبة. أجسام متفحمة. أجسام تشققت لحومها. أجسام فُقئت عيونها. تدلت ألسنتها. جدعت أنوفها. بترت أيديها وأرجلها من خلاف. وجوه محترقة. أفواه مفتوحة. بأسنان. من دون أسنان. أحشاء مبعثرة. آذان مصلومة. وجوه تشوهت وجماجم سلخت جلودها. بقع من الدم الجاف فوق بقايا الأعشاب" (ص23). فهل ثمة من توحش بعد؟
ذكريات دافئة
إزاء هذه الوقائع المفرطة في قسوتها، تقدم الرواية بطلها الذي خسر أسرته وجماعته وقريته، في دابر من ليل، شخصاً معلقاً بين الموت والحياة، بين الوجود واللاوجود، يقيم وحيداً طوال أشهر في بيته، لا يجرؤ على الخروج منه، يحاصره الخوف والوحدة والجوع، يفقد الإحساس بمرور الزمن، ينخرط في نوبات من البكاء، تداهمه الكوابيس ليلاً وأحلام اليقظة نهاراً، يغرق في ذكريات مختلفة، ويتخيل أموراً غير موجودة. وفي مواجهة هذا الواقع الكابوسي ووقائعه القاسية، يلوذ خديدا بذاكرته، من جهة، ومخيلته، من جهة ثانية، كآليتي دفاع يبقى بهما على قيد الحياة.
في الآلية الأولى، يستعيد، من حيث شاء أو لم يشأ، مجموعة من الذكريات، القديمة والقريبة العهد، ولكل منها وظيفتها النفسية المختلفة عن الأخرى، بحيث تضفي القديمة على صاحبها الطمأنينة، وتدخله القريبة في حال من القلق، فيتذكر في النوع الأول، على سبيل المثال لا الحصر، انطلاقه في سهوب سنجار كطائر حر، ومعارك طفله شاهو مع النمل، وطعام زوجته شمسة الشهي، وأيام زفافه وولادة طفليه، وحكمة جده، وخبرة أبيه، وتدحرج الأغنام، وتقافز العنزات، وسواها من الذكريات التي شكلت ماضيه، وتعيد التوازن الذي أطاحته الغزوة إلى حاضره. ويتذكر في النوع الثاني استدعاء أهل القرية إلى المدرسة مثل خرفان الأضحى، واقتياد رجال بلحى طويلة وسيوف لامعة أهل القرية كقطيع من الغنم، وفصل النساء عن الرجال، وسماع صوت طلقات وعويل نساء، وغيرها من الذكريات التي تبعث على القلق وتذكره بما يتخبط فيه.
تخيلات كابوسية
في الآلية الثانية، وفي غمرة رزوحه تحت ثقل المصيبة التي ألمت به، يتخيل أموراً غير موجودة، ويتوهم أحداثاً لا تحدث، فيرى أسياخاً تتلوى في الظل تنشب أنيابها في صدره، وأجساداً تقفز في الهواء وهو يحاول اللحاق بها، ونساء يحفرن وجوههن بالأظافر، ورجالاً تتدلى وجناتهم بجلود مجلوخة، وسيوفاً تتدلى من الخصور، ووجوهاً مقنعة بالسواد، ورأسه يتدحرج على الأرض. ويسمع خفقات، وخطوات بعيدة، وطرقات خفيفة على الحائط، وبكاء شمسة ونواحها على طفليها. وإذا كانت الذكريات الجميلة تطغى على الآلية الأولى، فإن المشاهد الكابوسية تغلب على الآلية الثانية.
وبذلك، وفي مواجهة الواقع القاسي، يترجح بطل الرواية بين ذكريات تنسيه موقتاً ما يرزح تحته من وقائع قاسية، وتخيلات كابوسية تعيده إلى حقيقة ما يتردى فيه. وهكذا، تنصفه الذاكرة، وتجني عليه المخيلة. وتأتي مغادرته البيت، في الصفحة الأخيرة من الرواية، بعد أشهر من العزلة والخوف، باتجاه جبل سنجار، وسقوطه من علٍ ليرتطم بصخور السفح لترسم نهاية روائية قاتمة، تطابق واقع الحال إلى حد كبير. وتشي بمستقبل غير مطمئن للأقليات في العالم المرجعي الذي تحيل إليه الرواية.
في الخطاب، يستخدم آغري خطاباً روائياً مناسباً للحكاية، ذلك أن الأخيرة تقدم لنا شخصية مفككة، معلقة بين الموت والحياة، محاصرة بالخوف من المجهول، قلقة على المستقبل، غارقة في اليأس. فجاء الخطاب المفكك ليتناسب مع الشخصية المحورية في الرواية، وهو خطاب يقوم على 107 مشاهد سردية، قصيرة أو متوسطة، بحيث يراوح طول المشهد الواحد بين فقرة واحدة، في الحد الأدنى، وأربع صفحات، في الحد الأقصى.
وهي شبه مستقلة عن بعضها بعضاً، بحيث لا يربط بينها سوى تمحورها حول شخصية بطل الرواية، وليس ثمة خطية زمنية تنتظم الأحداث فيها. ومن هنا، تتجاور فيها الواقعة والتخيل والكابوس وحلم اليقظة والذكرى البعيدة والقريبة والخاطرة والفكرة، في إطار من الفوضى المنظمة، وتفرد للتجريب حيزاً كبيراً. وبهذا المعنى، يمكن تبديل مواقع المشاهد من دون إخلال بالنسيج الروائي العام. ويقوم الخطاب أيضاً على تعدد الأصوات الراوية، فيتوزع الروي على الراوي العليم الذي يروي عن الشخصية المحورية والراوي الشريك الذي هو الشخصية نفسها. ولا يقتصر التعدد في الخطاب على الأصوات الروائية بل يتعداها إلى صيغ الكلام، فتتوزع على صيغ الغائب والمتكلم والمخاطب، بمقادير معينة، مما يضفي التنوع على اللغة الروائية، وينأى بها عن النمطية اللغوية. وهكذا، يتكامل الخطاب مع الحكاية في التعبير عن الفوضى المريعة الناجمة عن حرب الإبادة ضد الأقليات.