Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزمة الفحم في غزة... نار الطهي تصبح رفاهية

ليس سلعة إضافية يمكن الاستغناء عنها بسهولة بل إحدى الوسائل التي تستخدمها الأسر لإعداد الطعام عندما تضيق خيارات الوقود الأخرى

قفز سعر الفحم ستة أضعاف قبل أن يختفي تماماً من الأسواق والمخازن في غزة (أ ف ب)

ملخص

لم يعد الفحم في غزة سلعة هشة، بل شريان حياة حرج، قفز سعره من ثلاثة دولارات إلى 20 دولاراً ثم اختفى، فشلت المطاعم ولجأت الأسر للبدائل الأكثر قسوة.

تجلس فاطمة في زاوية مطبخها، تقلب بقايا صرة صغيرة من الفحم بعناية، وتحسب ما تحتاج إليه لإشعال نار تكفي لطهي وجبة واحدة لأطفالها، تقول "قبل أيام كنا نشتري كيس الفحم من دون تفكير، لكنني صرت أعد الكتل واحدة تلو الأخرى، وأتساءل كل صباح هل سنجد ما نطهو عليه غداً؟".

حتى وقت قريب، لم يكن الفحم في غزة سلعة تستدعي التفكير كثيراً قبل شرائها، كان متاحاً في الأسواق، ويبلغ سعر الكيلوغرام نحو ثلاثة دولارات، أما اليوم فلم يعد العثور عليه مضموناً، وإن وجد فإن ثمنه قد يصل إلى 20 دولاراً.

ارتفع السعر إلى نحو ستة أضعاف ما كان عليه خلال فترة قصيرة، لكن القصة لا تتعلق بالغلاء وحده، فعندما حاولت فاطمة تأمين كمية محدودة من السوق لتطهو، كان التحدي الأكبر هو العثور على الفحم نفسه، بعدما أصبح الحصول عليه مشكلة للسكان والتجار وأصحاب المطاعم.

وفي مطعم أحمد العصار للمشاوي في دير البلح، لم تعد كمية الفحم الموجودة في المخزن تكفي لضمان استمرار العمل، خلال أسبوع واحد، تراجع مخزون المطعم من نحو طنين إلى أقل من 300 كيلوغرام.

يقول العصار "اضطررت إلى تقليص عمل قسم المشاوي إلى يوم واحد في الأسبوع، والاستغناء موقتاً عن ثلاثة طهاة. لم تعد المشكلة في عدد الزبائن أو كمية اللحوم التي يستطيع المطعم شراءها، بل في شيء أبسط هو الفحم الذي يحتاج إليه لإشعال النار ولم يعد متاحاً كما كان".

بالنسبة إلى أسرة فاطمة يعني عدم توافر الفحم البحث عن بديل لإعداد الطعام، وبالنسبة إلى مطعم العصار يعني نقصه تقليص العمل والاستغناء موقتاً عن عمال، وعلى كليهما البحث عن بديل في وقت تضيق فيه أصلاً خيارات الحصول على مصادر الطاقة والوقود.

من سلعة كانت موجودة في السوق ويمكن شراؤها عند الحاجة، دخل الفحم قائمة المواد النادرة في غزة، لكن لماذا شح الفحم أصلاً؟ وكيف تحول نقص الإمدادات إلى أزمة وصل فيها سعر الكيلوغرام إلى 20 دولاراً؟ وماذا يعني ذلك للأسر والمطاعم التي تعتمد عليه؟

 

لحظة اكتشاف الندرة

لم يكن التحول في سوق الفحم داخل قطاع غزة مجرد ارتفاع تدريجي في الأسعار، فقد بدأ المستهلكون والتجار يلاحظون نقصاً في الكميات المتاحة، قبل أن يصل سعر الكيلوغرام إلى نحو 20 دولاراً في مختلف مناطق القطاع، من الشمال إلى الجنوب.

سبق الارتفاع السعري نقص ملموس في المعروض داخل الأسواق والمخازن، بدأ التجار يستهلكون مخزونهم من دون وصول شحنات جديدة تعوض الكميات التي تخرج يومياً، في وقت تبحث الأسر عن بدائل للطهي مع استمرار أزمة غاز الطهي.

ولا تتوقف الأزمة عند السعر المرتفع، إذ إن امتلاك المال لا يعني بالضرورة القدرة على الحصول على الفحم، فقد أصبح العثور عليه يتطلب البحث بين الأسواق والباعة، فيما تقلصت الكميات التي تصل إلى التجار.

يقول بائع الفحم طارق "قبل أيام، كان الزبون يشتري الكيس كاملاً من دون حتى أن يسأل عن السعر، فالكيلو بثلاثة دولارات كان في متناول الجميع، لكن الآن المخازن فارغة تماماً وما أحصل عليه من تجار الجملة لا يتعدى بضعة كيلوغرامات بأسعار خيالية، أخجل عندما أقول للزبون إن السعر وصل إلى 20 دولاراً، لكن المشكلة الحقيقية ليست في السعر فحسب، أنا نفسي أبحث عن الفحم ولا أجده لأبيعه".

وفي الـ15 من سبتمبر (أيلول) الجاري، حذرت الهيئة الفلسطينية للمطاعم والفنادق والخدمات السياحية من أزمة الفحم، وقالت إن سعر الكيلوغرام اقترب من 20 دولاراً بعدما كان في حدود ثلاثة دولارات، وتزامن ذلك مع تحذيرات من نفاد المخزونات المتوافرة خلال أيام.

تقول بثينة "الغاز مقطوع منذ أشهر، والآن حتى الفحم الذي كنا نعتمد عليه لطهي الطعام وإعداد الخبز أصبح بعيد المنال. عندما سمعت أن السعر قفز إلى 20 دولاراً لم أصدق، ولكن الصدمة الأكبر كانت عندما طفت السوق بأكمله ولم أجد بائعاً واحداً لديه كيلو واحد. نحن لا نقتني الفحم للرفاهية أو للشواء، بل لنطعم أطفالنا وجبة مطبوخة".

سبب الغياب

أصبح الفحم خلال أيام سلعة مختلفة عما كان عليه قبل الأزمة، أغلى ثمناً وأقل توافراً وأكثر حساسية لأي اضطراب في الإمدادات، ومن هنا تبدأ القصة الحقيقية، ماذا حدث في الطريق بين مصدر الفحم والسوق الغزية حتى تحولت فجوة في التوريد إلى نقص حاد؟

يقول مدير عام التجارة والمعابر رامي أبو الريش إن "الأزمة الميدانية وتراجع كميات الفحم في الأسواق نتجا عن تعقيدات إجرائية وفجوة توريدية صاحبت تغيير الشركة المنسقة لتوريد السلعة عبر معبر كرم أبو سالم، وليست ناجمة عن قرار إغلاق تام للمعبر".

ويقول أبو خالد حسونة أحد كبار مستوردي الفحم في غزة إن "القفزة السعرية حدثت خلال مرحلة تسليم وتسلم بين الجهات التجارية المعنية بالتنسيق، مما تسبب في نفاد المخزون وارتفاع السعر في السوق المحلية قبل وصول الشحنات الجديدة".

وبحسب هذين المصدرين، فإن نقطة التحول لم تكن توقفاً كاملاً لحركة البضائع عبر كرم أبو سالم، وإنما فجوة موقتة رافقت تغيير الجهة التجارية المنسقة لإدخال الفحم، مما أدى إلى نفاد جزء كبير من المخزون قبل وصول شحنات جديدة.

لكن هذه ليست الرواية الوحيدة، فقد انتشرت خلال فترة الأزمة في الأسواق روايات تتحدث عن منع إسرائيلي إدخال الفحم إلى القطاع، وهي رواية تداولها تجار ومستهلكون. ولم يظهر في المواد الرسمية الإسرائيلية التي أمكن التحقق منها قرار معلن يحظر إدخال الفحم تحديداً، لذلك تبقى هذه الرواية في حاجة إلى موقف إسرائيلي مباشر قبل نسبها إلى قرار رسمي.

في المقابل، نفت الهيئة الفلسطينية للمطاعم والفنادق والخدمات السياحية وجود قرار إسرائيلي بمنع إدخال الفحم بصورة نهائية، وقالت إن المشكلة ارتبطت بإجراءات وشروط جديدة لدخول السلعة، من بينها الفحص الصحي والتأكد من مطابقة الفحم لمواصفات أوروبية.

لكن ما يمكن تثبيته من المعطيات المتاحة أن كرم أبو سالم ظل خلال هذه الفترة المعبر الوحيد العامل أمام الشحنات التجارية منذ إغلاق معبر زيكيم. وتقول الأمم المتحدة إن هذا الوضع يجعل حركة السلع أكثر عرضة للتأثر بأي اضطراب في تدفق الشحنات، مع احتمال انعكاس ذلك سريعاً على توافر السلع في أنحاء القطاع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ماذا حدث خلف السوق؟

بالنسبة إلى المطاعم، يعني ارتفاع سعر الفحم زيادة مباشرة في كلفة إعداد الطعام، أما بالنسبة إلى بعض الأسر فالقصة مختلفة، الفحم ليس سلعة إضافية يمكن الاستغناء عنها بسهولة، بل إحدى الوسائل التي تستخدمها لإعداد الطعام عندما تضيق خيارات الوقود الأخرى.

تتنهد فاطمة وهي تشير إلى الموقد الطيني الصغير بجوار خيمتها، وتقول "الغاز مقطوع، وثمن كيلوغرام الفحم أصبح يعادل موازنة طعامنا لأيام عدة، عندما لا نجد الفحم أو نعجز عن شرائه لا نملك رفاهية التفكير في خيار آخر، إما أن نتحمل دخان الحطب الذي يخنق أطفالنا، أو تبقى أوانينا خاوية".

في غزة لا يأتي الاعتماد على الفحم من فراغ، بل وسط أزمة أوسع في مصادر الطاقة المستخدمة للطهي، إذ قالت الأمم المتحدة إن النقص الحاد في غاز الطهي كان يدفع نحو نصف سكان القطاع إلى استخدام حرق النفايات كبديل، فيما لا تزال كميات الغاز المتاحة أقل بكثير من الحاجات اليومية المقدرة.

تكمل فاطمة حديثها "صار البحث عن أخشاب وأوراق كرتون وقطع بلاستيك بعد غياب غاز الطهي جزءاً من حياتي اليومية، وزاد ذلك بعدما وصل سعر الفحم في السوق إلى 20 دولاراً، الأمر لا يعني مجرد دفع 17 دولاراً إضافية للكيلوغرام الواحد، وإنما المعضلة تكمن في الدخل المحدود وشح البدائل".

داخل غزة أصبح الفحم جزءاً من معادلة أوسع، غاز طهي غير كاف وبدائل محدودة وفحم ارتفع سعره وتراجع توافره، وفي هذه المعادلة تحول الفحم إلى سؤال يومي عن كيفية إشعال النار وإعداد الوجبة التالية.

حين شح الفحم، لم يكن أمام مستخدميه كثير من الخيارات، أحد البدائل المتاحة كان الحطب، لكن اللجوء إليه لم يكن يعني الانتقال إلى سلعة أرخص أو أكثر وفرة، إذ بحسب الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر ارتفع سعر طن الحطب من نحو 1500 دولار، إلى 2300 دولار.

الفحم وسيلة للطهي

تجلس خلود أمام الموقد الطيني الصغير الذي أقامته بيديها بين الخيام، تروي "منذ أن انقطع غاز الطهي بالكامل، أصبح الفحم ملاذنا الوحيد لطهي الرز وإعداد الخبز وغلي المياه".

قبل الفحم كانت خلود تستخدم الحطب في البداية، لكن الدخان المنساب منه سبب لهم أمراضاً تنفسية، تقول "بعدما قفز سعره إلى 20 دولاراً واختفى من السوق، نجد أنفسنا في مأزق لا يرحم".

تشير خلود إلى أوانيها الخاوية، وتضيف "اختفاء الفحم وارتفاع سعره أجبرا القادرين على تقليص عدد وجبات الطعام المطبوخة إلى وجبة واحدة، فيما عدنا نحن الذين لا نملك ثمنه إلى جمع القماش والمخلفات البلاستيكية وأوراق الكرتون لإشعال النار، على رغم ما تسببه من روائح وسموم تصيب الأطفال بالإعياء".

حتى المحلي ليس سهلاً

على أطراف إحدى المساحات المفتوحة، يقف نضال وهو أحد مصنعي الفحم المحليين بين بقايا كومات الخشب، ويقول "عملية إنتاج الفحم محلياً أصبحت مكلفة جداً وشبه مستحيلة، لإنتاج كيلوغرام واحد فقط من الفحم الشديد الصلابة نحتاج إلى ما يقارب خمسة كيلوغرامات من خشب الأشجار الجاف".

ويكمل نضال "سعر طن الحطب الرديء ارتفع إلى مستويات غير مسبوقة بسبب الجرف المستمر للأراضي الزراعية وندرة الأشجار، مما جعل كلفة التفحيم العالية تنعكس فوراً على سعر الكيلوغرام للمستهلك النهائي".

رد الجانب الإسرائيلي

ينفي الجانب الإسرائيلي وجود قرار أو حظر رسمي يمنع دخول الفحم إلى قطاع غزة، ويقول منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية يورام هليفي "سبب الأزمة والنقص في غزة يعود لعوامل تنظيمية وتجارية خاصة بالموردين والشركات المنسقة".

ويضيف "معبر كرم أبو سالم مفتوح ويعمل لاستقبال الشاحنات التجارية المسموح بها، الفحم يتطلب إجراءات أمنية من فحص وتفتيش واشتراطات سلامة محددة لضمان عدم استغلال الشحنات، البطء يرجع إلى تأخر التجار في تخليص البضائع من جانب المعبر أو عدم استكمال إجراءات التنسيق التجاري المطلوبة للشحنات".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير