ملخص
تستمر مدينة تعز اليمنية في تصدر مشهد المقاومة الشعبية والمدنية ضد محاولات التمدد الحوثي، معتمدة على إرثها الجمهوري والمدني وانعدام الحاضنة الاجتماعية للمشروع الفكري للحوثيين في المحافظة. وتتنوع صور الصمود بين الإسناد العسكري الميداني، والجهد النسوي والمجتمعي البارز في تزويد المرابطين بالمؤن والتبرع بالمصوغات وإمداد القوات بالإحداثيات وتأمين الأحياء، على رغم الحصار وإغلاق المنافذ الحيوية كطريق "هيجة العبد". وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات قاطعة أطلقها برنامج الأغذية العالمي في شأن تعذر وصول المساعدات المنقذة للحياة إلى نحو 600 ألف شخص داخل تعز و800 ألف في مناطق الساحل الغربي جراء الأخطار الأمنية ونفاد مخزون القمح.
على امتداد تاريخ الحركة اليمنية المعاصرة، ظلت تعز تمثل عمق الفكر التحرري اليمني والرافد الأول لمشاريع الرفض والتغيير الوطني. ومثلما كانت سباقة في إشعال ثورات التحرر شمالاً وجنوباً خلال ستينيات القرن الماضي، لا بد من أن يكون لها موقف صلب من المشروع الإيراني عبر الوكيل الحوثي القائم على فكرة حصر الحكم في "أعلام الهدى".
هذا ما دفعته تعز التي تقاوم اليوم بالوسائل شتى وبكل أسباب الرفض، الوجود الحوثي وسعيه الحثيث إلى إسقاطها وإحكام السيطرة عليها وفرض واقع جديد على محافظة ظلت رافداً للفكر المدني والتقدمي والعلم.
انعدام الحاضنة
عقب اندفاعتهم في الساحل الغربي وتعز في سبتمبر (أيلول) الماضي، برزت تحديات عدة أمام الحوثي شملت أنواع الرفض والمقاومة الشعبية التي أسندت الفعل العسكري للقوات الحكومية المسلحة.
وتنوعت المقاومة بين القتال ونشر الوعي والإسناد المجتمعي للقوات المسلحة والمقاومة الشعبية والدخول في عمليات الكفاح المسلح.
ويعود هذا الرفض للفجوة الكبيرة بين فكرة مشروع العناصر المسلحة الوافدة بدافع الجهاد والتطويع بالعنف، وانعدام الحاضنة الاجتماعية التي تتنافر معه فكرياً وعقائدياً وسياسياً وفي طليعتها البعد الديني بفعل التكريس المذهبي القسري الذي تنتهجه الجماعة بدعاوى "الاصطفاء" و"الحق الإلهي في حكم الأمة"، ناهيك عن سلوكها السياسي وطريقة إدارتها لأجهزة الدولة المدنية التي مثلت تعز صورتها الناصعة خلال العهد الجمهوري الحديث.
بالأرواح وكل غالٍ
من صور المقاومة، وفقاً للناشطة والإعلامية شيماء رمزي، ما تبذله نسوة المحافظة جنباً إلى جنب مع الرجال بالقتال ونقل السلاح أو التطبيب أو حملات التطوع بتزويد المقاتلين في ثكناتهم بالغذاء والذخيرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتكشف عن عشرات الفعاليات النسوية التي اتفقت على الاجتماع وتقسيم الجهد والدعم لإعداد الوجبات سواء الخفيفة أو الطازجة، فضلاً عن مؤن الغذاء الجافة وطويلة الأجل مثل الكعك. وتستشهد شيماء وهي ابنة تعز، بعشرات النسوة اللاتي حملن السلاح وقاتلن الحوثيين في منطقة كربة في المقاطرة مع بداية زحفهم، إضافة إلى "حملات التبرع بالأموال والمجوهرات والمصوغات الذهبية لشراء الملابس الشتوية وتجهيز الوجبات والمؤن وكل ما يحتاج إليه المقاتلون".
ويأتي هذا "على رغم الوضع الصعب الذي تعانيه غالبية البيوت في تعز جراء انقطاع المرتبات وانهيار العملة والغلاء نتيجة الانقلاب الحوثي".
التضحية بالبيوت
وتشير شيماء إلى وقائع لافتة تعكس حال المقت الشعبي من خلال "إبلاغ القوات المسلحة اليمنية بمواقع وإحداثيات الحوثيين بدقة وهذه أبرز أنواع المقاومة"، إضافة إلى مطالبة "شيخ في المسراخ من قبائل السبئي التحالف العربي بقصف كل منازله التي احتلتها الميليشيات".
وتتطرق إلى "دور اللجان الشعبية المستحدثة لحماية وتأمين الأحياء والحارات والطرق لتعزيز الأمن المجتمعي والاستقرار الداخلي الذي يسند صمود المدينة المحاصرة في محاولات كسرها واجتياحها".
وتواصل ميليشيات الحوثي حصارها للمدينة ومنع وصول الإمدادات الأساسية إلى السكان، بعد إغلاقها الطرق المؤدية إلى المدينة وتفجيرها طريق "هيجة العبد" الرابط بينها والعاصمة الموقتة عدن.
وكان برنامج الأغذية العالمي حذر خلال بيان سابق من تعذر وصول المساعدات الإنسانية إلى نحو 600 ألف شخص في تعز يعتمدون عليها، بينهم 200 ألف امرأة وطفل، جراء تصاعد القتال وإغلاق الطرق وتزايد الأخطار الأمنية.
وأوضح البيان أن هذه القيود، فضلاً عن تعذر الوصول إلى مناطق في الساحل الغربي، حرمت نحو 800 ألف شخص من المساعدات المنقذة للحياة، في وقت اقتربت مخزونات دقيق القمح من النفاد، وسط مخاوف من استنزاف الإمدادات الغذائية الباقية في الأسواق.
الإسناد المعنوي
ومن أنواع الدعم الذي يكشف عن جانب من الوجه المدني المتقدم لتعز، الاستنفار العام لدعم الروح المعنوية للمقاتلين على الجبهات وروح الصمود في المدينة المحاصرة.
وتؤكد شيماء صدور كثير من الأنشطة والفعاليات والبرامج التوعوية داخل المدينة والمعنوية للمقاتلين، مما يكشف عن الفارق بين مشروع الحوثي واليمنيين.
ومن صور الإسناد المعنوي، إرسال بعض الوجبات مرفقة برسائل تحفيز للمقاتلين بأن عائلاتهم والمجتمع يقفان خلفهم ويدعمانهم بما يستطيعان ويشاركانهم المعركة.