ملخص
المشكلة الجوهرية هنا ليست في القدرة التقنية بحد ذاتها، بل في استحالة التنبؤ بنتيجة قرار تتخذه آلة لا إنسان. وإذا تعذر توقع تلك النتيجة، فكيف يمكن الحد منها أصلاً؟
في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2025، أعلنت شركة "أنثروبيك Anthropic عن إحباط ما وصفته بأول حملة تجسس سيبراني منسقة إلى حد كبير بالذكاء الاصطناعي، نفذتها مجموعة صينية مدعومة من الدولة استغلت أداة "كلود كود" Claude Code لتنفيذ ما بين 80 و90 في المئة من مراحل الاختراق من دون تدخل بشري مباشر.
لم تكُن تلك الحادثة سوى مقدمة لما تلاها بأشهر، ففي يونيو (حزيران) الماضي، وبعد أسابيع قليلة من قرار الإدارة الأميركية حجب أحدث نماذج الشركة عن المستخدمين الأجانب لدواعٍ تتعلق بالأمن القومي، أصدر تحالف "فايف آيز" Five Eyes الاستخباراتي (الذي يضم الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا) إنذاراً مشتركاً صادماً، نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة القادرة على شن هجمات سيبرانية مدمرة، ستصبح متاحة خلال أشهر لا سنوات.
وجاء خلال البيان "يتوقع أن تتجاوز نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة توقعات الصناعة الحالية، محدثة تحولاً جذرياً في القدرات الإلكترونية الهجومية والدفاعية على حد سواء، في أشهر معدودة".
وهذا الجدول الزمني المضغوط، بحسب الوكالات الخمس، يعيد تشكيل أخطار الأمن السيبراني بوتيرة لم تعتَدها المؤسسات المعنية بمواجهتها.
كذلك، تتضاعف نداءات مماثلة من ثلاثة محاور رئيسة، الأسلحة ذاتية التحكم والهجمات السيبرانية المتقدمة والتضليل الرقمي وقرصنة المعلومات.
وهذه المحاور ليست منفصلة، بل يغذي كل منها الآخر ويضاعف تأثيره، متقاطعة في نظام بيئي واحد من الأخطار. لكن هل البنية التحتية الأمنية العالمية، بمواردها البشرية والتقنية والمؤسسية، قادرة على استيعاب هذه الأخطار قبل أن تتحول إلى كوارث ملموسة؟
الأسلحة ذاتية التحكم تتجاوز الخط الأحمر
في أغسطس (آب) الماضي، جدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ورئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميرجانا سبوليارتش دعوتهما التي أطلقاها للمرة الأولى عام 2023، إلى اعتماد قواعد دولية ملزمة في شأن الأسلحة ذاتية التحكم، هذه المرة بإلحاح أكبر.
وجاء عبر بيانهما المشترك "نحن الآن على مقربة خطرة من تجاوز خط أحمر أخلاقي: الاستهداف الذاتي للبشر بواسطة الآلات". ولم يقتصر التحذير على النوايا المستقبلية، إذ أشارا إلى أن سباقاً نحو مزيد من الاستقلالية في نظم التسلح جارٍ فعلاً، وإن كانت الجهتان لم تؤكدا بعد حالات استخدام ميداني موثقة لأسلحة مستقلة بالكامل في استهداف بشري مباشر.
والمشكلة الجوهرية هنا ليست في القدرة التقنية بحد ذاتها، بل في استحالة التنبؤ بنتيجة قرار تتخذه آلة لا إنسان. وإذا تعذر توقع تلك النتيجة، فكيف يمكن الحد منها أصلاً؟
هذه المفارقة تكشف عن فجوة عميقة في المنظومة القانونية الدولية، فـ"اتفاقية الأسلحة التقليدية المعينة" تتحرك بوتيرة تفاوضية بطيئة ومتدرجة، بينما تتقدم التكنولوجيا بسرعة قياسية لا تنتظر مؤتمرات المراجعة.
ويمثل مؤتمر المراجعة السابع، المقرر عقده في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بحسب توصيف الأمم المتحدة والصليب الأحمر، أوضح مسار متاح حالياً لبدء مفاوضات ملزمة، غير أن السؤال يبقى معلقاً هل ستتحرك الدول قبل أن تنتشر هذه الأسلحة على نحو يصعب لاحقاً ضبطه أو التراجع عنه؟
الهجمات السيبرانية وسرعة الآلة
يحمل إنذار "فايف آيز" في يونيو الماضي دلالة تتجاوز مضمونه التقني، فنادراً ما تصدر هذه الوكالات تحذيرات علنية موحدة، مما يمنح الرسالة نفسها وزناً إضافياً.
أما جوهرها التقني، فيتمثل في أن نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة باتت تتيح لأشخاص غير متخصصين تنسيق عمليات اختراق معقدة، وهو أمر كان يستلزم سابقاً فريقاً مدرباً يوزع أدواره بين الاستطلاع والاستغلال والتخفي.
وهذا التحول يخفض حاجز الدخول أمام جهات فاعلة متوسطة المستوى، ويوسع في الوقت ذاته قائمة الأهداف المحتملة على نحو هائل.
وفي يوليو (تموز) الماضي، أعلن المجلس الأوروبي للأخطار النظامية أن هيئته العامة رفعت، في تقييمها الصادر خلال يونيو، تصنيف الأخطار السيبرانية النظامية من مرتفع إلى شديد، وهو أعلى تصنيف يصدره المجلس.
ويركز هذا التقييم على النماذج المتقدمة التي تعيد تشكيل المشهد السيبراني عبر تمكين المهاجمين من اكتشاف الثغرات وتنفيذ الهجمات بسرعة ونطاق وتعقيد متصاعد.
والمفارقة هنا لافتة، فعلى المدى الطويل، من الممكن أن تعزز هذه النماذج نفسها المرونة الدفاعية، لكنها على المديين القصير والمتوسط تمنح ميزة واضحة للمهاجمين، قبل أن تلحق بها منظومات الدفاع.
وهنا يبرز تحول جوهري في فلسفة المواجهة ذاتها، فالقائد السابق للقيادة السيبرانية الأميركية ومدير وكالة الأمن القومي سابقاً الجنرال بول ناكاسوني يطرح الانتقال من "ردود الفعل الظرفية" إلى نموذج "الدفاع المستمر".
وفي مقابلة مع نشرة "أكسيوس" المتخصصة، أوضح الأمر "يجب أن يكون الموقف كالتالي: سنلقي نظرة على ذلك، وسنحسّن شيفرتنا وقدراتنا وتدابيرنا الدفاعية، ليس مرة واحدة، بل طوال الوقت".
من هو بول ناكاسوني؟
لفهم مكانة ناكاسوني في هذا النقاش، لا بد من العودة لمسيرته الاستثنائية، إذ أمضى الرجل نحو ثلاثة عقود ونصف العقد في الجيش الأميركي، وتولى قيادة القيادة السيبرانية الأميركية ومديرية وكالة الأمن القومي معاً من عام 2018 حتى عام 2024.
وخلال فترة ولايته، أسس مديرية الأمن السيبراني في الوكالة ومركز التعاون السيبراني، إضافة إلى فرق عمل مشتركة عُنيت بتأمين الانتخابات الأميركية من التدخل الخارجي.
وهو حالياً عضو في مجلس إدارة "أوبن أي آي"، مما يضعه في موقع فريد يتقاطع فيه الأمن القومي مع الصناعة التقنية. وهذا الموقع المزدوج يمنحه رؤية لا تتوافر بسهولة لغيره، فهو يعرف ما يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله في مجال الدفاع، كما يدرك ما يمكن للخصوم فعله به أيضاً.
ناكاسوني ليس محللاً من خارج المنظومة، بل أحد مهندسيها المعماريين، وتحذيره ينطلق من موقع من عاين نقاط الضعف من الداخل لا من الخارج.
وفي فبراير (شباط) الماضي، حذر ناكاسوني خلال تصريحات إلى نشرة "أكسيوس"، من أن الولايات المتحدة قد تجد نفسها متأخرة أمام خصوم يوسعون قدراتهم بسرعة، مركزاً على فكرة "الهجمات السيبرانية بسرعة الآلة"، ليست السرعة التقنية وحدها، بل تلك التي تجعل التدخل البشري في زمن المواجهة غير كافٍ عملياً.
وهذا الطرح يتقاطع مباشرة مع منطق إنذار "فايف آيز" اللاحق، فالجدول الزمني، بحسب الطرفين، لم يعُد يقاس بالأعوام بل بالأشهر.
وكان ناكاسوني أيضاً من مهندسي استراتيجية "المشاركة المستمرة" حين قاد القيادة السيبرانية الأميركية، وهي استراتيجية تقوم على البقاء في احتكاك دائم مع الخصوم داخل الفضاء السيبراني، بدلاً من انتظار وقوع الهجوم للرد عليه.
ويمتد هذا المنطق نفسه اليوم إلى الذكاء الاصطناعي، فلا مجال لانتظار وقوع الهجوم، ما دام أنه قد يكتمل بسرعة الآلة قبل أن يبدأ رد الفعل البشري أصلاً.
التضليل الرقمي وتآكل الثقة
يحمل التحول المفاهيمي في مجال التضليل دلالة مهمة، فلم يعُد التهديد يقتصر على التزييف العميق الفردي والمعزول، بل تحول إلى ما تصفه أدبيات متخصصة بـ"نظام بيئي معقد ومترابط من التأثير"، يجمع بين الذكاء الاصطناعي التوليدي ووسائل التواصل الاجتماعي والتلاعب متعدد الوسائط في آن واحد، فالمحتوى الاصطناعي بات يُنشأ ويخصص وينشر على نطاق يتحدى أساليب التحقق التقليدية، مما يسهم في انتشار التضليل وتشويه الخطاب العام وتضخيم الاستقطاب الرقمي.
ويتوقع خبراء أن يكثف تقدم الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية بحلول عام 2035، انتشار التزييف العميق والتضليل والتلاعب المستهدف والاستقطاب المعزز خوارزمياً، مما يجعل تمييز المعلومات الموثوقة أصعب، ويقوّض ثقة الجمهور بالمؤسسات والخطاب الديمقراطي على حد سواء.
والأكثر إثارة للقلق أن بعض التحذيرات لا يأتي من متشككين خارج الصناعة، بل من داخلها. ففي سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلن باحث سابق في "أنثروبيك" استقالته، محذراً من أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل خطراً وجودياً.
وقدّر زميل له لا يزال يعمل في الشركة بأن احتمال انقراض البشرية بفعل الذكاء الاصطناعي خلال العقد المقبل يتجاوز 10 في المئة. وهذه المخاوف، الصادرة عن باحثين يشاركون فعلياً في بناء هذه الأنظمة، تضيف جرعة مكثفة إلى القلق العام.
لماذا يصعب تحمل الأعباء؟
حتى مع الاعتراف الواسع بالأخطار، تواجه القدرة الفعلية على تحمل الأعباء تحديات هيكلية عميقة. فالمجلس الأوروبي للأخطار النظامية يحذر من أن تمركز مزودي الذكاء الاصطناعي الرائدين خارج الاتحاد الأوروبي يعرّض الاتحاد لتبعية استراتيجية وأخطار جيوسياسية إضافية. وفي الواقع تتجاوز هذه المعضلة أوروبا، إذ تتركز معظم قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في عدد محدود من الشركات، غالبيتها أميركية.
ولا تقل الفجوة بين سرعة التطور التقني وبطء الاستجابة التنظيمية خطورة عما سبق، فبينما تتحرك التهديدات، بحسب توصيف ناكاسوني، بسرعة الآلة، لا يزال التنظيم يتحرك بوتيرة المؤسسات البشرية التقليدية.
واقترحت "مجموعة السبع"، بالتعاون مع شركات الذكاء الاصطناعي، إطاراً للمعايير المشتركة، لكن مؤسسات عدة تحذر من أن أي إطار من هذا النوع يجب أن يكون قابلاً للتنفيذ فعلياً، وأن يشمل الحكومات والمجتمع المدني، لا الشركات وحدها.
وهناك أيضاً نقص حاد في الكفاءات البشرية المؤهلة، فحتى مع توافر الأدوات الدفاعية، تبقى الكفاءات القادرة على توجيهها نادرة وموزعة توزيعاً غير متكافئ عبر القطاعات الأكثر عرضة للخطر كالمستشفيات الريفية والبنوك المجتمعية الصغيرة والمرافق المحلية.
وهذه الفجوة تعني أن الضعف لا يقتصر على الدول الأقل تقدماً تقنياً، بل يمتد إلى صميم البنية التحتية الحيوية داخل الدول المتقدمة نفسها.
وفي النهاية يقدم ناكاسوني من موقعه كواحد من بناة أنظمة الدفاع السيبراني الأميركية ومصمميها تشخيصاً قاتماً، فتركيزه على الدفاع المستمر وسرعة الآلة ليس دعوة إلى الاستسلام، بل مطالبة بإعادة هيكلة جذرية للافتراضات التي بنيت عليها الاستراتيجيات القائمة.
والتحذيرات شبه المتزامنة، من الأمم المتحدة ومن تحالف "فايف آيز" ومن المجلس الأوروبي للأخطار النظامية وحتى من باحثي الذكاء الاصطناعي أنفسهم، تشير إلى إجماع نادر الحدوث على أن الأخطار حقيقية والجدول الزمني قصير للغاية والاستعداد الحالي غير كاف.
بسرعة الآلة؟ هذا يعني أن الهجوم يكون انتهى فعلاً قبل أن يبدأ التفكير أصلاً في كيفية الرد عليه.