Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انتخابات المغرب تبرز نفوذ "العائلات السياسية"

مراقبون: ليست مجرد روابط قرابة بل آلية لإعادة إنتاج النخب وتحويل المال والعلاقات الحزبية والإدارية والإعلامية إلى نفوذ سياسي مستمر

خلال تجمع انتخابي في مدينة سلا قبيل الانتخابات التشريعية في المغرب، 17 سبتمبر 2026 (أ ف ب)

ملخص

مع اكتساب مجموعة من الأعيان نفوذاً اقتصادياً وسياسياً كبيرين صاروا يشكلون ما يمكن تسميته "عائلات سياسية"، وأصبح الاسم العائلي وحده مفتاحاً لدخول بوابة البرلمان والمجالس المحلية والهيئات التنظيمية للأحزاب، لذا تتوالى لعقود على المشهد السياسي المغربي أجيال لعائلات ارتبطت بالوجود في المجالس المنتخبة المتعاقبة.

أثار ملصق خاص بحملة الانتخابات التشريعية لعام 2026 دهشة واسعة في المغرب، إذ قدمت فيه إحدى مرشحات "حزب الأصالة والمعاصرة" نفسها على أنها "تنتمي إلى أسرة خدمت الشأن العام والمنطقة"، واضعة اسم وصفة والديها، إذ إن والدتها نائبة برلمانية، فيما كان والدها الراحل يعمل مستشاراً برلمانياً، مما أعاد إلى الواجهة حجم نفوذ "العائلات السياسية" وتوالي ظاهرة "التوريث السياسي".

ويعود مفهوم الأعيان إلى وجهاء القبائل في البوادي، الذين امتلكوا مساحات مهمة من الأراضي الفلاحية، وتعاون جانب منهم مع قوات الاحتلال خلال فترة الاستعمار الفرنسي للمغرب (1912- 1956)، لذا زاد ثراء ونفوذاً، فيما دعم جانب منهم جبهة المقاومة في إطار "الحركة الوطنية" التي ستشكل النواة الأولى لقيام الأحزاب عقب الاستقلال، ومنذ تلك المرحلة شكل الأعيان أداة في يد السلطة لخلق التوازن في المشهد السياسي لصالحها واعتمدت عليهم في إنشاء "الأحزاب الإدارية".

ومع اكتساب مجموعة من الأعيان نفوذاً اقتصادياً وسياسياً كبيرين صاروا يشكلون ما يمكن تسميته "عائلات سياسية"، وأصبح الاسم العائلي وحده مفتاحاً لدخول بوابة البرلمان والمجالس المحلية والهيئات التنظيمية للأحزاب، ومن ثم تتوالى لعقود على المشهد السياسي المغربي أجيال لعائلات ارتبطت بالوجود في المجالس المنتخبة المتعاقبة.

 عامل الانتخابات والأحزاب

أسهمت عوامل في انتقال الأعيان من التدبير الفلاحي في القرى إلى تدبير الشأن العام على الصعيد المركزي، ومن ثم امتلاك نفوذ اقتصادي وسياسي عبر الانتماء إلى أحزاب معينة جمع بينهما ارتباط مصالح، إذ سعت الأحزاب إلى كسب ود هؤلاء الوجهاء لضمان الفوز بمقاعد انتخابية، بالنظر إلى حظوتهم داخل المجتمع، وفي المقابل أسهم توالي انتخابهم بالمجالس التمثيلية في زيادة نفوذهم الاقتصادي والسياسي عبر شبكة المصالح التي تمنحها الساحة السياسية.

 يوضح أستاذ علم السياسة والقانون الدستوري عبدالمنعم لزعر أنه "لا يمكن فهم قوة الأعيان من دون الرجوع إلى التاريخ السياسي والانتخابي بالمغرب، الذي يقدم لنا ثلاثة عوامل أساسية أسهمت في تشكيل كتلة الأعيان وشحن هذه الكتلة بالطاقة السياسية والتمثيلية. أول هذه العوامل متصل بما هو معياري (القواعد الانتخابية)، إذ أدى حسم الصراع حول نمط الاقتراع مع بداية الستينيات لفائدة نمط الاقتراع الأحادي على حساب نمط الاقتراع باللائحة إلى تشكيل مسار معياري ومؤسساتي يعمل لمصلحة الأشخاص بدل الأحزاب السياسية".

أما العامل الثاني، وفق لزعر، فهو "متصل ببروز نموذج الحزب المقرب من الدولة (أو ما يعرف بالأحزاب الإدارية)، إذ وفر هذا النموذج من الأحزاب ملاذات حزبية آمنة للأعيان ومحترفي الانتخابات ساعدتها على التجذر سياسياً وانتخابياً وتمثيلياً، والعامل الثالث متصل بما هو ذاتي، فالعين قبل ظهوره في واجهة المشهد الانتخابي والتمثيلي كان يملك كل الرساميل المادية (امتلاك الأراضي والأموال) والرمزية (السمعة، وشبكة العلاقات، والتقدير والاحترام من طرف السكان المحليين) التي تؤهله للبروز محلياً وقبلياً واجتماعياً، بمعنى أن كتلة الأعيان كانت تشكل نخبة في وسطها المحلي قبل تحولها إلى نخبة في الوسط السياسي والانتخابي والتمثيلي، هذه العوامل، مع عوامل أخرى، أسهمت جميعها في جعل الأعيان قوة مركزية في المشهد الانتخابي بالمغرب".

ويضيف الأستاذ الجامعي أن "الأعيان شكلوا قوة حاضرة في المجتمع انبثقت من العالم القروي أساساً، بدفع من استراتيجية النظام السياسي القائمة على الاستثمار في الفلاحين وكبار الملاك، وبتحفيز من القواعد الانتخابية التي أصحبت مع بداية الستينيات تعمل لمصلحة النخب القروية القادمة من خارج مدرسة الأحزاب السياسية، على حساب النخب التي تكونت وتشكلت من داخل الأحزاب السياسية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح أن "التجربة السياسية منذ الستينيات تحركت بتأثير من مسارين: الأول حزبي تشكل من قلب الحركة الوطنية ويستثمر في الأيديولوجيا والقيم والمعنى والسياسة، والثاني تشكل من قلب الصراع بين الجهات الفاعلة السياسية مع بداية الاستقلال (بخاصة بين الملكية وأحزاب الحركة الوطنية) ويستثمر في الشخصنة والزبونية والموارد والرساميل الرمزية، وكانت الفجوة بين هذين المسارين كبيرة خلال الفترة الزمنية الممتدة بين 1962 و1997، لكن التحولات في موازين القوى والمشهد السياسي والانتخابي أدت إلى تقليص الفجوة مع الانتخابات التشريعية لسنة 2002، إذ أصبح الأعيان يخترقون كل الأحزاب السياسية من دون استثناء، ليتحولوا في الزمنية الراهنة إلى قوة الجذب الانتخابي الأولى بالمغرب".

تحول النفوذ الاقتصادي والسياسي للأعيان عبر التطور "الطبيعي" إلى إرث عائلي يضمن استدامته عبر الأجيال، وبذلك احتكرت عائلات معينة مقاعد برلمانية ومجالس محلية، ووصل الأمر إلى التحكم في توجهات بعض الأحزاب من الداخل. يقول لزعر في تعريفه لـ"العائلات السياسية" بالمغرب إنها "ظاهرة في قلب ظاهرة، إذ إن أدوات اشتغال ظاهرة تلك العائلات تتفاعل مع أدوات اشتغال ظاهرة الأعيان، ولا يمكن فهم إحداهما من دون تفسير الأخرى، إذ يمكن اعتبار بروز نفوذ العائلات السياسية في المشهد الانتخابي والتمثيلي بالمغرب كتجل لمركزية حضور الأعيان وأحد تعبيرات تطورها".

ويوضح أن التجربة الانتخابية والتمثيلية تبين لنا بروز بعض العائلات السياسية التي أصبح نفوذها يتسع ويتعزز، وهذا الوضع يكشف عن أن السياسة واحتراف الانتخابات انتقلا من طموح فردي إلى مشروع عائلي، من خلال تمديد التمثيليات والمسؤوليات والرساميل الانتخابية من جيل الآباء إلى جيل الأبناء وغيرهم من أفراد العائلة، ويمكن القول إن منطق اشتغال العائلات السياسية وتأثيراتها المفترضة سياسياً واقتصادياً، سواء في التجربة المغربية أو غيرها من التجارب، تحركه ضرورتان: الأولى خدمة مصالح العائلة وتعزيز نفوذها السياسي والانتخابي، والثانية مرتبطة بالحفاظ على شبكة الولاءات التحية القائمة على الزبونية وخدمات القرب.

هل ثمة علاقة بالفساد؟

من ناحيته، يشير المحلل السياسي رشيد لزرق إلى أن "العائلات السياسية" لا تمثل مجرد روابط قرابة، بل تشكل آلية لإعادة إنتاج النخب وتحويل الاسم العائلي والمال والعلاقات الحزبية والإدارية والإعلامية إلى نفوذ سياسي مستمر، ويظهر تأثيرها أساساً في التحكم ببوابة الدخول إلى المجال السياسي عبر التزكيات الحزبية وتمويل الحملات وبناء التحالفات وشبكات الأعيان والولاءات المحلية، وقد يمتد ذلك إلى توجيه بعض الاختيارات الاقتصادية وتوزيع المناصب والاستثمارات والصفقات بما يحمي مصالح العائلة وحلفائها، ويزداد هذا النفوذ كلما ضعفت ديمقراطية الأحزاب وشفافية التمويل والرقابة المؤسسية، لكنه يتراجع حين تكون المنافسة مفتوحة والمؤسسات مستقلة وقواعد تضارب المصالح مطبقة بصرامة.

وتشهد المتابعات القضائية لبرلمانيين ومنتخبين في المجالس المحلية ارتفاعاً في الأعوام الأخيرة، وتضم "العائلات السياسية" حيزاً منها، إذ شهد عام 2025 نحو 29 قضية فساد لبرلمانيين، ويوضح أستاذ علم السياسة والقانون الدستوري عبدالمنعم لزعر، أن "التوريث السياسي" يعد من أقدم السلوكيات السياسية، بل هو القاسم المشترك بين كل التجارب السياسية على مستوى النشأة، بحيث أسهم ظهور الاقتراع العام ومأسسة الانتخابات وتقييد مدد الانتخاب والدورات البرلمانية أو الرئاسية في الانتقال من حال الصراع بين المتنافسين على المناصب بالوراثة إلى حال التنافس على المناصب بالانتخاب.

ويشير إلى أنه في التجربة المغربية بدأت بذرة التوريث السياسي تتضخم كقطعة ثلج، وأصبحت تعبر الآن عن منعطف سياسي حرج قد يهدد مشروع المأسسة الذي انطلق مع دستور عام 1962، مضيفا أن تلك الظاهرة هي ذاتية التشكل يتعزز حضورها بالتوازي مع تراجع كل من حضور السياسة وقوة الأحزاب السياسية، ويصعب تقييد الحق في الترشح للانتخابات لمحاصرة هذه الظاهرة من الناحية الدستورية والمعيارية، لكن الثقافة والوعي السياسيين لدى المواطنين، وتحلي الأحزاب بالشجاعة والمسؤولية، قادران على محاصرة الظاهرة والحد من تأثيراتها في صدقية المؤسسات التمثيلية.

من جانبه يؤكد المحلل السياسي رشيد لزرق أن ظاهرة "التوريث السياسي" لا تعد فساداً في ذاتها لمجرد ترشح ابن أو قريب لمسؤول سياسي، لأن الحكم يجب أن يقوم على كفاءة الشخص ونزاهة المنافسة، لكنه يصبح مدخلاً إلى الفساد عندما تتحول القرابة إلى امتياز غير مشروع، أو تستعمل موارد الدولة والنفوذ الإداري والمالي والحزبي لضمان انتقال المنصب داخل العائلة، موضحاً أنه في هذه الحال يضعف تداول النخب، وتتراجع المحاسبة، وتتداخل المصلحة العامة مع المصالح الخاصة، ويتحول الحزب أو المنصب إلى ما يشبه الملكية العائلية، لذلك لا يمكن اعتبار التوريث سبباً وحيداً أو حتمياً للفساد، لكنه يمثل عاملاً مضاعفاً لأخطاره، خصوصاً عندما يقترن بالزبونية والمحاباة وضعف القضاء وغياب الشفافية والرقابة الفعلية.

اقرأ المزيد

المزيد من العالم العربي