Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عقول إيران تهاجر شرقا... الصين وجهة بديلة تحت وطأة العقوبات

الحرب والتضخم والعقوبات تدفع آلاف الشباب إلى مغادرة البلاد فيما تعرقل القيود الأميركية خطط الدراسة في الجامعات الغربية

حذر خبراء من تداعيات ذلك على مستقبل إيران وعلى النفوذ الغربي (رويترز)

ملخص

تدفع الحرب وارتفاع الأسعار والتضخم والعقوبات الأميركية مزيداً من الشباب الإيراني إلى مغادرة البلاد للدراسة، بعدما أصبحت فرص الوصول إلى الجامعات الغربية أكثر صعوبة وتعقيداً.
 

في عالم مختلف، وقبل وقت ليس ببعيد، كانت شيما، وهي طالبة إيرانية في مجال الطب، تتوقع أن تتابع دراستها في مكان ما في الغرب.

ومع ذلك، تمكنت من السفر إلى الخارج والابتعاد عن الحرب مع الولايات المتحدة وقنابلها والعقوبات والفقر، لكنها، بدلاً من كندا أو الولايات المتحدة أو ألمانيا، تعيش وتعمل الآن في العاصمة الصينية بكين.

وقالت شيما إن الانتقال من نظام سلطوي إلى آخر ربما لا يكون الخيار المثالي، لكنها في الأقل حققت جزءاً من هدفها.

وأضافت لصحيفة "التايمز"، "هاجرت بسبب الحرب وارتفاع الأسعار والتضخم، ولأنني لم أعد أريد أن أتحقق من سعر صرف الدولار كل يوم".

ويغادر الشباب الإيراني البلاد للدراسة منذ أعوام، ولا يعود كثير منهم إليها بعد ذلك. وقال الرئيس السابق لمرصد الهجرة الإيراني بهرام صلواتي إن أعداد الإيرانيين الذين يغادرون البلاد للدراسة تضاعفت من نحو 60 ألفاً سنوياً في نهاية العقد الماضي إلى 120 ألفاً في عام 2025.

العقوبات تضيق أبواب الغرب

لكن مع تشديد الرئيس الأميركي ترمب للعقوبات وتزايد عزلة إيران، أصبحت شيما واحدة من أعداد متزايدة تتجه إلى الصين، إذ لا يزال الإيرانيون موضع ترحيب.

بل إن الصين تعمل على استقطاب مزيد من الطلاب من الدول التي تنتمي إلى ما يعرف "الجنوب العالمي"، ويقود الرئيس الصيني شي جينبينغ حملة واسعة لتعزيز العلاقات مع هذه الدول، لا سيما الحلفاء الاستراتيجيين مثل إيران، التي تنتمي إلى منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة "بريكس"، وهما تجمعان أنشئا جزئياً لموازنة التكتلات الغربية.

ويستفيد الشباب المتعلمون من الدول الأفقر، ومن بينها إيران التي أصبحت تعاني ظروفاً اقتصادية صعبة، من هذه السياسة.

وتتكفل الصين بالنسبة إلى شيما برسوم الدراسة والإقامة، كما تحصل على منحة شهرية قدرها 2500 يوان (361.35 دولار).

وقالت إنها اتخذت قرارها بمغادرة إيران بعد الحرب الأولى التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل والولايات المتحدة العام الماضي، وبدأت منذ ذلك الوقت تعلم اللغة الصينية.

إلغاء اختبارات اللغة يعطل خطط آلاف الطلاب

حتى أغسطس (آب) الماضي، كانت وزارة الخزانة الأميركية تسمح بموجب ترخيص يعرف باسم "الترخيص العام جي" ببعض عمليات التبادل الأكاديمي والخدمات التعليمية المتعلقة بإيران.

لكن هذا الاستثناء أُلغي سريعاً، ونتيجة لذلك، أوقفت مؤسسة خدمات الاختبارات التعليمية الأميركية، التي تأسست عام 1947 ويقع مقرها في الولايات المتحدة وتعد أكبر مؤسسة خاصة في العالم للاختبارات والتقييم التعليمي، إجراء امتحاناتها داخل إيران.

وأدى ذلك إلى إلغاء اختبار اللغة المعتاد للطلاب الأجانب، المعروف باسم "اختبار اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية"، أو "توفل"، كما أُلغي "اختبار سجل الدراسات العليا"، المطلوب في أنحاء العالم للقبول في كثير من برامج الدراسات العليا والمدارس المهنية.

وقالت المؤسسة إنه لا يوجد "جدول زمني مؤكد" لاستئناف الاختبارات داخل إيران.

وأدى القرار الأميركي إلى إحباط خطط آلاف الطلاب الإيرانيين، الذين توجهوا إلى وسائل التواصل الاجتماعي للشكوى من ضياع أشهر من الاستعداد، وتعليق الرحلات الجوية، والكلفة الإضافية التي اضطروا إلى تحملها للوصول إلى مراكز الاختبارات في الخارج.

طالب إيراني: خسرت هذا العام

حميد، وهو مهندس ميكانيكي يبلغ من العمر 38 سنة من طهران، قال إنه حصل على قبول في جامعة بمدينة كارلسروه الألمانية لمتابعة درجة الماجستير في إدارة المشروعات والخدمات اللوجستية.

لكن تعليق خدمات إصدار التأشيرات الألمانية منعه من تقديم طلبه، فيما زادت حال عدم اليقين بشأن اختبارات اللغة من تعقيد خططه.

وأضاف للصحيفة "خسرت هذا العام. بلغت 38 سنة قبل شهرين، وأشعر بأن الوقت بدأ ينفد أمامي للهجرة".

أما عرفان، وهو اختصاصي تغذية يبلغ من العمر 31 سنة من كرمان، فقال إنه تخلى عن آماله في مغادرة إيران للدراسة، لكنه أضاف أن أصدقاءه يتقدمون الآن للدراسة في الصين وروسيا، وهي دول واصلت دعم إيران خلال الحرب.

وقال عرفان إن الصين أصبحت أكثر شعبية بين الإيرانيين لأن "المنح الدراسية جيدة، والكلفة أقل، والإجراءات تسير بسرعة أكبر".

تأشيرات صينية خلال أيام

بمجرد وصولهم إلى الصين، يستخدم الطلاب الإيرانيون منصات التواصل الاجتماعي نفسها للاحتفال بالسرعة التي تمكنوا بها من الهجرة.

وقال أحدهم إن تأشيرة الطالب الخاصة به صدرت خلال يومين فقط، وقال آخر إن الجامعات الصينية تتعامل بقدر أكبر من المرونة مع متطلبات اللغة، وغالباً ما تساعد المتقدمين في العثور على مسارات بديلة للقبول.

وانتقلت مريم إلى الصين عام 2024، وتعيش الآن في مدينة شيآن، وأمضت عامها الأول في تعلم اللغة الصينية قبل أن تجتاز امتحان القبول للطلاب الأجانب في مرحلة البكالوريوس، وتحصل على منحة دراسية كاملة لدراسة التجارة الدولية في جامعة شيآن جياوتونغ.

وبدأت مريم التفكير في الصين بعدما انتقل أحد أقاربها إليها للدراسة وتحدث بإيجابية عن تجربته، لكن الدراسة في الصين ليست مثالية، بحسب مريم، فالطلاب الإيرانيون لا يزالون يواجهون قيوداً على فتح الحسابات المصرفية والعثور على وظائف تساعدهم في زيادة دخلهم.

وقالت مريم أيضاً إن الرقابة على الإنترنت في الصين كانت أكثر اتساعاً مما واجهته في إيران.

جامعات صينية تجذب الطلاب الإيرانيين

في المقابل، يختبر الطلاب الإيرانيون بأنفسهم سرعة تطور التعليم الصيني في العلوم، واقترابه من أفضل المؤسسات التعليمية في العالم.

وقال أستاذ قسم اللغة الصينية في جامعة طهران حامد وفائي، "تحتل كثير من الجامعات الصينية، بما فيها جامعتا بكين وتسِينغهوا، حيث درست، مراتب بين أفضل المؤسسات التعليمية في العالم".

وأضاف أن التمويل الصيني للبحوث استقطب أكاديميين من مختلف أنحاء العالم، وقال وفائي "إيران وطلابها وباحثوها جزء طبيعي من هذا الاتجاه".

تركيا وروسيا وجهتان بديلتان

لا تقتصر الوجهات الجديدة للإيرانيين على الصين، فقد استقبلت تركيا نحو 30 ألف طالب إيراني في عام 2024، بزيادة بلغت 158 في المئة منذ عام 2020، مستفيدة من قربها الجغرافي والتقارب الثقافي وقواعد الإقامة الأسهل.

وارتفع عدد الطلاب الإيرانيين الذين يدرسون في روسيا بنسبة 75 في المئة، ولا يزال من المبكر معرفة تأثير هذا التحول في الوجهات التعليمية على المواقف المؤيدة للغرب التي تتسم بها قطاعات من الإيرانيين الليبراليين والمتعلمين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقالت المسؤولة السابقة عن العقوبات في وزارة الخزانة الأميركية، كيري بيتسوف، إن الحظر الأميركي الفعلي على الطلاب الإيرانيين قد يسهم في تأجيج المشاعر المعادية للولايات المتحدة لدى جيل جديد كان أكثر ميلاً بطبيعته إلى معارضة النظام الإيراني.

وأضافت "من الصعب ببساطة رؤية كيف يمكن أن تفوق فوائد ذلك سلبياته بالنسبة إلى الأشخاص في إيران".

القيود تطاول الإيرانيين في الخارج

لم تقتصر تداعيات القيود على الإيرانيين الموجودين داخل البلاد، بل طاولت أيضاً من غادروا إيران بالفعل، فدينا، وهي محامية تبلغ من العمر 28 سنة وتعيش في تورنتو، كانت تخطط لإجراء اختبار "بيرسون" للغة الإنجليزية لاستخدامه في طلبات الالتحاق بالجامعات والهجرة.

وقالت إن نظام "بيرسون" القائم على جواز السفر ألغى امتحانها تلقائياً.

وقالت دينا "غادرت إيران وجئت إلى كندا لبناء حياة أفضل، لكن كونك إيرانياً لا يزال يجعل حياتي غير قابلة للتنبؤ ويحرمك من فرص".

مخاوف على النفوذ الأميركي

حذر مدير في مشروع "إيران 2040" بجامعة ستانفورد، ماتين ميرمَزاني، من التداعيات المحتملة للقيود على النفوذ الأميركي، وقال "يمكن لهذه القيود أن تلحق ضرراً كبيراً بالقوة الناعمة الأميركية".

وأضاف "تعليق الترخيص التعليمي يقلب مستقبل الشباب الإيراني رأساً على عقب، مع تأثير يبدو محدوداً على النظام الذي تعارضه الغالبية العظمى منهم".

ومن وجهة النظر الأميركية، قد يؤدي ذلك إلى تعزيز مكانة الرئيس الصيني شي جينبينغ في دول الجنوب العالمي. وتقدم الصين بالفعل منفذاً اقتصادياً لإيران من خلال شراء الجزء الأكبر من نفطها.

وقال محلل الدفاع والأمن المقيم في واشنطن فرزين نديمي، إن مشتريات إيران من الصادرات الصينية ذات الاستخدام المزدوج، أي التي يمكن استخدامها لأغراض مدنية وعسكرية، واسعة النطاق أيضاً، ومن المرجح أنها زادت.

وأضاف أن هناك طريقاً سهلاً لنقل هذه السلع عبر السكك الحديدية أو بحر قزوين، وقال "ربما تكون الصين قد قدمت أيضاً كميات محدودة من الأسلحة والخبرات التقنية، بما في ذلك أنظمة مضادة للسفن... إيران استفادت أيضاً من خدمات الأقمار الاصطناعية التجارية الصينية".

علاقة استراتيجية لا تخلو من الخلافات

لكن ذلك لا يعني أن الرئيس الصيني شي جينبينغ مؤيد بالكامل للنظام الإيراني، إذ شهدت العلاقات بين البلدين خلافات متكررة، وإن كانت في كثير من الأحيان تجري بعيداً من الأضواء، كما أن الصين لا تؤيد عموماً السياسات الإسلامية.

وقال أستاذ في كلية العلاقات الدولية بجامعة سانت أندروز، أندريا غيلي، "لطالما فضلت الصين الاستقرار ودعمته... كانت إيران مصدراً رئيساً لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط".

الصين خيار اضطراري لكثير من الشباب الإيراني

بالنسبة إلى الإيرانيين العاديين، بمن فيهم أولئك الذين لم يفكروا من قبل في مغادرة بلادهم، فإن فرصة الدراسة في الصين كانت فرصة يصعب التخلي عنها.

وقالت مريم "اختيار الصين كان أفضل قرار في حياتي... لا يوجد تضخم مثل الذي نعيشه في إيران، وقيمة العملة لا تنخفض كل يوم".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير