نسبة 21.1 في المئة من الأطفال في لبنان بلغت عن التعرض لاستغلال جنسي في الواقع أو حادثة تحرش جنسي واحدة في الأقل عبر الإنترنت، أيضاً نسبة 62.2 في المئة من الأطفال الذين بلغوا أحد أفراد العائلة عن تعرضهم للتحرش الجنسي لم يجدوا تجاوباً وتمت مواجهتهم بالتشكيك أو بعدم التصديق، وكشفت الأرقام عن أن عمالة الأطفال تعتبر العامل الأكثر خطورة لتعرضهم للانتهاك الجسدي والنفسي.
هذه النتائج وغيرها كشفت عن أرقام صادمة توصلت إليها دراسة قادتها جنان أسطا، ضمن البحث الوطني لمنظمة "أبعاد" حول الإساءة والتحرش الجنسي بالأطفال، بالتعاون مع السفارة الهولندية في لبنان، وجرى إعلانها في المنتدى الوطني "نحو بيئة آمنة خالية من التحرش الجنسي تجاه الأطفال". وركز المنتدى على حماية الأطفال من الإساءة الجنسية بمختلف أشكالها وتأثيراتها في الواقع وفي الفضاء الرقمي، وبحث في الواقع الذي يعيشه الأطفال في لبنان والتحديات التي يواجهونها في عالم رقمي سريع التغير.
عندما يكون الواقع أصعب من الأرقام
قد تبدو الأرقام التي توصلت إليها الدراسة صادمة، لكن ليس هذا أهم ما فيها. فبالنسبة إلى الخبراء، قد لا تكون الدراسة شاملة بمعدلات كافية، بما أنها تناولت 1680 طفلاً بين عمر 12 و14 سنة على الأراضي اللبنانية. كما أن الموضوع الذي تتناوله يعتبر في غاية الدقة، كون الأطفال هم المعنيين فيه وقد يجدون صعوبة في التحدث بجرأة عن الموضوع. لكن في الأقل، تعكس الأرقام واقعاً مراً ومقلقاً يعيشه أطفال لبنان، وتؤكد ضرورة التدخل لحمايتهم من شتى أنواع العنف والاستغلال في الواقع وفي العالم الرقمي. وكما بدا واضحاً أن الإهمال يعتبر أحد العناصر الجوهرية التي تسهم في تعرض الأطفال لأي نوع من الانتهاك. ففي العصر الحديث، قد يوجد الأطفال أمام أعين أهلهم بأجسامهم، إلا أنهم يعيشون في عالم آخر هو العالم الرقمي، حتى أنه في ظل الضغوط اليومية، في كثير من الأحيان يبدو وكأن الأطفال لم يعودوا الأولوية دائماً في حياة أهلهم نظراً إلى كثرة الهموم والانشغالات، فإذا بالأطفال يبحثون عن الأمان والحماية لدى من هم غرباء عنهم عبر العالم الرقمي عندما يشعرون بالإهمال في ما من المفترض أن يكون أكثر الأماكن أماناً بالنسبة إليهم.
على صعيد آخر، تكشف الأرقام عما يبدو أكثر خطورة بعد، إذ ظهر أن النسبة الكبرى من حالات الانتهاك الجسدي والجنسي التي يتعرض لها الأطفال هي من أحد المقربين في محيطهم، مما يحول مصدر الأمان إلى مصدر للخوف والقلق، مع ما يولده ذلك من مشاعر سلبية يحملها الطفل معه طوال حياته ويجد صعوبة في التعافي منها.
انطلاقاً من هذا الواقع الصعب الذي تخفى أسراره بين جدران المنازل، كان هناك اعتذار رسمي في المنتدى من أطفال لبنان الذين فقدوا الإحساس بالأمان والحماية طوال عقود من دون أي تدخل رسمي وجدي لحمايتهم، وذلك بسبب الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد والأزمات المتكررة والحروب. فطوال سنوات، لم يجدوا الآذان الصاغية ولا الحضن الدافئ ونموا في أجواء غلب عليها الظلم للطفولة والبراءة.
البيئة الآمنة حجر أساس
أرقام مقلقة كثيرة جرى إعلانها، ومنها أن امرأة من خمس بلغت عن التعرض لانتهاك جنسي في مرحلة ما من الطفولة، مع ما لذلك من تداعيات على نمو طفل واجه فعلاً كهذا، وما يزيد الوضع صعوبة أن مثل هذه الحوادث تحصل من أحد الأفراد المقربين فيتحول الراشد الذي هو مصدر الأمان بالنسبة إلى الطفل إلى مصدر للخطر، فيفقد الطفل الثقة بنفسه وبالمحيطين.
وفق ما أوضح طبيب الأمراض النفسية ومدير البرنامج الوطني للصحة النفسية ربيع شماعي فإنه "سواء في العالم الرقمي أم في الواقع، ثمة خطورة على الطفل لا يمكن الاستخفاف بها، ولا يمكن التقليل من أهمية أي من العالمين، وما يمكن فعله لمواجهة هذه الأخطار في كل منهما، بما أن التركيز على أحدهما لا يجعل الآخر أكثر أماناً، هو تعزيز مستويات الحماية داخل المنازل. فلا بد من توفير بيئة آمنة قوامها أشخاص يثق بهم الطفل، ويمكن أن يوفروا له الحماية في أي وقت كان. كما أن وجود هؤلاء الأشخاص الموثوقين بالنسبة إليه، يعني أن يكونوا جاهزين لتصديقه عندما يبلغ عن خطر أو حادثة تعرض لها من دون تشكيك، بعكس ما يحصل في معظم الحالات حيث يواجه الطفل بالاستخفاف وعدم التصديق وعدم المتابعة من الأهل عندما يبلغ عن انتهاك جنسي تعرض له".
في الوقت نفسه، شدد شماعي على أهمية توفير الحماية للطفل من العالم الرقمي وأخطاره، "ففي البيئة الافتراضية، لا تكفي الحماية وإدارة الأهل ومراقبتهم، وإن كان ذلك أساسياً. أيضاً لا بد من فتح مساحة للحوار مع الأطفال وتثقيفهم، وتمكينهم بصورة خاصة في الأعمار التي أصبحوا فيها يتابعون وسائل التواصل الاجتماعي. هذا ما يوجههم، ليحسنوا الحفاظ على أمانهم وعلى حدود معينة في العالم الرقمي لدى التواصل مع آخرين. يجب أن يدرك الطفل من هو أهل للثقة في هذا العالم، ومن يعتبر الحذر معه ضرورياً. في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها الأهل في لبنان والهموم الكثيرة التي تشغلهم، لا يمكن تحميلهم كامل المسؤولية عما يحصل. ففي كثير من الأحيان، قد لا يكونون قادرين على التصرف بغير ذلك، ولا يتسنى لهم الوقت الكافي حتى للتركيز على أطفالهم. في هذه الظروف، لا بد من توفير الدعم لهم أيضاً، والحرص على نشر الوعي ومساعدتهم، إضافة إلى أهمية توجيه المعنيين الموجودين في محيط الطفل، من معلمين، وإدارات مدارس، وأطباء، حول كيفية التصرف والتعامل مع الطفل عندما يبلغهم عن تعرضه لانتهاك ما. فالتشكيك بحديث الطفل وعدم تصديقه، من ردود الفعل التي تسجل في النسبة الكبرى من الحالات التي يبلغ فيها طفل عما حصل معه. قد تبدو فحوص الطفل طبيعية، إلا أنه لا يكذب أبداً في ما يبلغ عنه، ومن الضروري تصديقه والتعامل بالصورة الصحيحة مع الحالة ليتمكن من تخطيها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أزمات على المدى البعيد
لا تقتصر تداعيات الانتهاك الجنسي التي يمكن أن يتعرض له الطفل على تلك الآنية، للأسف بل إن خطورة هذا الفعل تمتد للمدى البعيد. ومن أكثر الأزمات التي ترافق الطفل وتترك أثراً لديه حتى بعد أن يصبح راشداً، تلك الانتهاكات الجنسية في الطفولة التي لا يتم التعاطي معها بالصورة الصحيحة. وبحسب شماعي، "هي تزيد من نسبة الاكتئاب والقلق والإدمان، وإيذاء الذات والانتحار واضطرابات ما بعد الصدمة والأفكار الانتحارية، إضافة إلى الإحساس بالخجل والذنب. والخطر الأكبر ينتج من كيفية التعاطي مع الحالة والاستجابة لذلك، بما أن الصمت عما حصل لا يعني أنه لم يحصل. فمن الممكن أن يتخطاها الطفل بالمساعدة والدعم، بحيث لا يبقى الجرح مفتوحاً ويعيش حياة طبيعية في ما يتحول الجرح إلى ندبة. بصورة عامة، يعتبر تصديق الطفل في ظرف كهذا حجر أساس في مسار التعافي حتى يتمكن من التعايش مع ما حصل معه. فآثار الكدمات لدى تعرضه لانتهاك جنسي ليس المعيار، وآثار الفعل قد لا تكون ظاهرة، إنما تبقى التداعيات على صحته النفسية أخطر ما ينتج من فعل كهذا. وحتى لا يواجه كل التحديات ويزيد خطر الانحراف السلوكي لديه في المستقبل، يجب التعامل مع الحالة بالصورة المناسبة".
كثيراً ما كان هناك نقص في الإحصاءات والأرقام في لبنان بسبب الأزمات والحروب، والأسوأ أن هذه الظروف نفسها جعلت الواقع أكثر سوءاً وأسهمت في زيادة الضغوط على الأهل نظراً إلى الحرب، والانهيار الاقتصادي والنزوح والمشكلات التي يواجهها الأطفال بسبب الحرب، إضافة إلى زيادة وجودهم على الأجهزة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي وزيادة معدلات تعرضهم للعنف، سواء داخل المنازل أم بسبب ظروف النزوح والأزمة. أهمية هذه الأرقام التي تقدمها الدراسة لا تكمن فيها كنسب، بل في دلالاتها وفي ما تقدمه وتعكسه من مشهد، فتدعو بجدية إلى التغيير من دون تهاون والتحرك بأسرع وقت ممكن.
في الدراسة التي تناولت العنف بأنواعه تبين وجود عامل الإهمال في نسبة 49 في المئة من الحالات، والعنف الجسدي بنسبة 37 في المئة. أما العنف الجنسي فكان موجوداً في نسبة خمسة في المئة من الأطفال الذين أبلغوا عن تعرضهم إلى نوع واحد في الأقل من الإساءة في الواقع، ونسبة 12 في المئة تعرضت للإساءة الجنسية في العالم الرقمي، كما ثبت في الدراسة التي أجرتها أسطا أن معظم حالات الاعتداءات الجنسية حصلت من أحد المقربين في المحيط من أهل او أساتذة أو طلاب في المدرسة، لكن من العوامل التي تجعل الطفل أكثر عرضة للانتهاك الجسدي كان عمالة الأطفال.
الإساءة الجنسية
بحسب أسطا "الزيادة التي سجلت في معدلات الاساءة الجنسية قد لا تكون مرتبطة بارتفاع المعدلات بالفعل في هذه المرحلة، بل في الزيادة في معدلات التبليغ عن مثل هذه الحوادث وفي زيادة الوعي. في المقابل، أكدت عدم وجود رابط بين الطبقة الاجتماعية والانتهاك الجنسي. وقد يكون السبب في ارتفاع الأرقام في فئة من هم أكثر هشاشة وفي الطبقة الأكثر فقراً في كون المنظمات تتناول أكثر من هم أكثر فقراً، فيما من هم من طبقة اجتماعية أعلى يتجهون أكثر إلى القطاع الخاص وإلى المستشفيات، إذ يبدو وكأن الأرقام أعلى في الطبقات الأكثر فقراً، لكن في الواقع، لا تزيد معدلات العنف أو الاساءة الجنسية بينهم".
تبرز هنا أهمية توفير محيط داعم للطفل يسهم في نشر الوعي، ليحسن التعاطي مع أية حادثة يمكن أن يتعرض لها. وفي حال تعرض لسوء يتوجب على المحيطين توعيته حول سبل التصرف والتبليغ مباشرة، مع أهمية إظهار استجابة فورية، لما لذلك من تداعيات على نموه وعلى صحته النفسية، "فما دام أن الأهل يظهرون استجابة عندما ينقل الطفل ما حدث معهم، ويتعاملون مع الحالة وفق ما يتوجب، من الممكن أن يكسب الثقة ويتخطى ما حصل معه بحد أدنى من الأضرار".
وتابعت أسطا "أن ما يتم التبليغ عنه يبقى أقل بكثير من الواقع، خصوصاً أن الطفل نادراً ما يعبر أو يبلغ عما يتعرض له، لكن مما لا شك فيه أن نشر الوعي له أثر كبير في الحد من الإهمال الذي ترتفع معدلاته وله أثر واضح فيه. فأظهرت الدراسة أنه على رغم وجود الأطفال في المنزل يبدو وكأنهم في عالم مختلف عن الأهل، لكن لا يعود السبب للإهمال حصراً، إنما أيضاً إلى الظروف الصعبة والهموم الكثيرة التي يحملها الأهل".
هنا شددت أسطا على أهمية إعطاء الطفل الأولوية دائماً في الحياة، في وقت تأتي الأمور الباقية في مراتب لاحقة، آسفة، من جهة أخرى، "لما يحصل من تشكيك بكلام الطفل، فهي حالة شائعة في مجتمعاتنا، إضافة إلى السلوكيات التي تشجع على حصول انتهاك جنسي، فمن المهم تعليم الطفل ما يعتبر ملامسة آمنة وما ليس كذلك، إلى جانب الاستجابة لما يعبر عنه".
غياب الإحصاءات والأرقام
من ناحيتها، أوضحت مديرة ومؤسسة منظمة "أبعاد" غيدا عناني أن غياب الإحصاءات والأرقام يزيد من صعوبة معرفة الواقع والعوامل التي تؤثر فيه ما لا يسمح بالتخطيط السليم، "فاستراتيجيات الدول توضع انطلاقاً من المعرفة الحقيقية للواقع، لذلك كان الهدف من الدراسة كركيزة، تطوير المعرفة، وفهم الواقع، والعوامل المختلفة التي أسهمت في الإشكالية، لم تبد الأرقام مفاجئة لي، حتى أنني توقعتها أعلى لكنه موضوع حساس لا يسهل الحديث فيه، كما أن الأرقام قد لا تعكس الواقع، لأن الأطفال لا يتحدثون عما يحصل معهم. أما نقطة الضعف الأساسية في لبنان ففي كل ما يرتبط بالخدمات بغياب مراكز الإيواء الآمنة لحماية طفل، لذلك قد يكون عرضة لخطر ما في حال الحصول على قرار حماية، كما أنه ما من أماكن لإحالة الأولاد في حال تعرضهم لانتهاك ما، وهي فجوة في القضاء، وحتى في حال حصول إحالة لا يكون هناك مكان للولد".
في لبنان غالباً ما ينقص التخطيط المسبق، فعلى رغم تحسين الاستجابة في أوقات الحروب، ما لا يخفى على أحد أنه يجري العمل على الوقاية لتجنب المشكلة بدلاً من انتظار حدوثها. ففي الحروب والأزمات مثلاً، بات معروفاً أن أنواع العنف كافة تزيد ولا يكفي العمل على الاستجابة، بل إن التخطيط المسبق عنصر أساس، هذا ما أكدته عناني، مشيرة إلى أنه في فترة الحرب والنزوح من الممكن تجهيز مراكز إيواء صديقة للنساء يجري فيها أخذ الخصوصية بالاعتبار، إضافة إلى خصوصية الأطفال، و"على رغم التجاوب الملاحظ لدى الوزارات والعمل الجدي على الاستجابة في الحرب، تبقى مشكلة الموارد أساسية في البلاد، ولتجهيز مخفر شرطة مثلاً ليكون مركزاً صديقاً للطفل، كما من المفترض أن يحصل لدى استقبال طفل جاهز للتبليغ، لا بد من توفير الموارد اللازمة لذلك، وهي مسألة غير متوافرة، وبسبب النزوح والتهجير والوضع الديمغرافي، أصبح الخطر على الأطفال موجوداً في مختلف المناطق، مما يزيد من احتمال تعرضهم لانتهاكات".