ملخص
في أروقة مستشفى "الكويت" الميداني في مواصي خان يونس، يقاس الزمن بصوت المولد الكهربائي. ومع وقف إمدادات الوقود، يطرح السؤال الحرج: كم ساعة تفصل المرضى عن توقف أجهزة الأوكسجين؟
في أروقة مستشفى "الكويت" التخصصي الميداني في مواصي خان يونس بجنوب قطاع غزة يطغى صوت المولد الكهربائي الكبير الذي لا يتوقف عن الدوران على الأحاديث. في داخل المرفق الطبي تتصل أجهزة التنفس الاصطناعي برئات المرضى ويتحرك المشرط في غرف العمليات تحت إضاءة متواصلة، وتبرد الثلاجات الطبية وحدات الدم واللقاحات.
كل هذه المنظومة الحيوية معلقة بسؤال واحد بات يتردد بين الأطباء والمرضى "كم ساعة أخرى يستطيع هذا المستشفى تشغيل مولده قبل أن يسكت الصوت؟".
في مستشفى "الكويت" لن يكون صباح اليوم التالي شبيهاً بما قبله، فالمرفق الصحي الذي اعتاد استقبال المرضى وإجراء العمليات والولادات وتشغيل مختبراته وأجهزته التشخيصية، يستعد لتقليص عمله إلى الحد الأدنى، مع الإبقاء على استقبال الحالات الطارئة جداً، والسبب أن الوقود الذي يشغل المستشفى لم يعد مضموناً.
لا يعني نفاد الديزل إطفاء مصابيح الإنارة فحسب، غرفة العمليات قد تتوقف، وحالة ولادة طارئة قد تضطر إلى البحث عن مستشفى آخر، والمختبر الذي يعتمد عليه الأطباء في التشخيص قد يغلق أبوابه.
بعد تلقي مستشفى "الكويت" إخطاراً بوقف إمدادات الوقود، أعلنت إدارة المرفق تعليق حزمة واسعة من خدماته، تشمل العمليات الجراحية المجدولة، وخدمات الولادة، والعيادات الخارجية، والأشعة والمختبرات، إضافة إلى خدمات الإسعاف ونقل المرضى، مع الإبقاء على استقبال الحالات الحرجة جداً في أقسام الطوارئ العامة وطوارئ النساء والولادة.
في السياق قال مدير المستشفى صهيب الهمص "إدارة المرفق تتعامل مع مخزون الوقود باعتباره عاملاً حاسماً في تحديد الخدمات التي يمكن إبقاؤها قيد التشغيل، فيما اضطرت إلى تقليص الخدمات غير الطارئة للحفاظ على الطاقة اللازمة للأقسام الحيوية".
وبالنسبة إلى إدارة المستشفى، فإن تعليق العيادات والأشعة والعمليات المجدولة لا يمثل إعادة ترتيب عادية للخدمات، إنما "هذه المحاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الطاقة اللازمة لاستمرار أقسام الطوارئ والرعاية الحرجة في العمل".
وما يجري في مستشفى "الكويت" ليس حالاً معزولة، فقد قالت وزارة الصحة إن أكثر من 20 مستشفى ومركزاً صحياً أبلغت بأن إمدادات الديزل التي توفرها منظمة الصحة العالمية ستتوقف بسبب نقص التمويل.
كيف بدأ الانقطاع عن مستشفى "الكويت" التخصصي؟
في الـ14 من سبتمبر (أيلول) الجاري أعلنت وزارة الصحة في غزة عن تلقيها إخطاراً من منظمة الصحة العالمية يفيد بوقف إمدادات الديزل والوقود التشغيلي عن أكثر من 20 مستشفى ومرفقاً صحياً، على أن يبدأ وقف الإمدادات اعتباراً من الـ19 من سبتمبر الجاري. وعزت وزارة الصحة الأمر إلى سببين رئيسين، الأول استنزاف التمويل الدولي المخصص لتغطية الفاتورة النفطية للقطاع الصحي، والثاني القيود المشددة المفروضة على دخول الشاحنات عبر المعابر.
لكن مع عبور تاريخ الـ19 من سبتمبر والدخول في اليوم التالي لم يعد السؤال يدور حول إمكان صدور القرار، بل صارت المستشفيات في مواجهة استحقاق حاسم بعد دخول القرار مرحلة التنفيذ.
وبدأت آثار الأزمة تظهر على مستوى الخدمات، إذ أعلن مستشفى "الكويت" التخصصي والمستشفى المعمداني ومستشفى العودة تقليص أو تعليق عدد من خدماتها في محاولة لترشيد استهلاك الوقود.
وقال ممثل منظمة الصحة العالمية في الأرض الفلسطينية المحتلة ريك بيبركورن من ناحيته "نقع تحت وطأة فجوة تمويلية هائلة، إذ يحتاج القطاع الصحي في غزة للعمل بحده الأدنى للطوارئ إلى 50 ألف ليتر من الديزل يومياً"، موضحاً أن "هذه الكمية تفرض فاتورة تشغيلية تتجاوز ملايين الدولارات شهرياً، الدعم المالي المتاح حالياً لم يعد يكفي لتغطية الخريطة الصحية كاملة، ما أجبرنا على اتخاذ سياسة فرز الموارد".
ووجهت منظمة الصحة العالمية الكميات الشحيحة المتبقية حصراً للمجمعات الطبية الحكومية الكبرى مثل "الشفاء" و"ناصر" و"الأقصى" لضمان عدم توقف أجهزة الدعم الحيوي والحضانات فيها.
وقال المدير العام للهندسة والصيانة في الوزارة مازن العرايشي "الديزل الذي يدخل إلى مستشفى (الكويت) هو الحلقة التي تصل مولد الكهرباء بغرفة العمليات والعناية المركزة والمختبر والأشعة وسيارات الإسعاف"، مضيفاً "مع وقف توريد الديزل، لم يعد أمام المستشفى سوى إعادة ترتيب خدماته وفق قاعدة واحدة، ما الذي يجب أن يستمر أولاً؟ وما الذي يمكن إيقافه لتوفير الوقود للأقسام التي لا تحتمل انقطاع الكهرباء؟".
لماذا يحتاج المستشفى إلى الديزل؟
في غزة توقفت شبكة الكهرباء العامة مع اندلاع الحرب فيما تزود المولدات الكهربائية الموجودة في المستشفيات المرافق الصحية بالتيار، وتورد منظمة الصحة العالمية الديزل لتشغيل الأجهزة الطبية.
وتؤكد تقارير مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع أن الوقود المورد للقطاع يوجه حصراً لتشغيل المستشفيات والمراكز الطبية ومحطات البنية التحتية المدنية الأساسية التي تحافظ على بقاء المنظومة الحيوية قيد العمل، في ظل الانقطاع التام للشبكة الكهربائية العامة.
في مستشفى "الكويت" التخصصي يوجد مولد رئيس واحد، يستهلك ما بين 1500 و2500 ليتر من الديزل يومياً لتأمين 24 ساعة من التغطية الكهربائية المتواصلة لأقسام العناية المركزة وغرف العمليات وحضانات الأطفال وثلاجات حفظ بنوك الدم والأدوية ومحطة توليد الأوكسجين المركزية من دون انقطاع.
ويمتلك المستشفى خزانات ذات سعة محدودة تتراجع مستوياتها مع كل ساعة تشغيل، وعندما ينخفض المخزون المتبقي داخل الخزانات إلى مستويات حرجة، تدخل المرافق الطبية في خطة التقشف الكهربائي الإجباري.
وأكد مدير المستشفى صهيب الهمص أنه داخل العناية المركزة وحضانات الخدج والأجهزة الموصولة برئات المرضى أو محطات توليد الأوكسجين لا يمكن ببساطة تشغيلها، ساعات أقل، أو إطفاؤها، نصف ساعة، لترشيد الوقود، إذ إن إيقاف الجهاز، دقائق، يعني توقف الأوكسجين عن الدماغ، وهو حد فاصل ومباشر بين الحياة والموت.
ماذا يحدث للمريض؟
تحت سقف مستشفى "الكويت" التخصصي، تقاس خطورة أزمة الديزل بدقات القلوب المنظمة عبر الأجهزة الطبية.
في زاوية بعيدة في ممر قسم استقبال الأطفال والطوارئ، تجلس ريم أبو طه على مقعد خشبي متآكل ممسكة بملف طبي انتفخت أوراقه من كثرة المراجعات. وطفلها الرضيع أنس البالغ من العمر ستة أشهر يعاني أزمات صدرية ومشكلات تنفسية حادة تفرض عليه الحصول الدوري على جلسات الرذاذ والأوكسجين المربوطة بمضخات الطاقة الكهربائية.
تقول ريم "كنا نأتي إلى مستشفى "الكويت" التخصصي ثلاث إلى أربع مرات أسبوعياً للتعامل مع نوبات الاختناق المفاجئة التي تصيب أنس".
تعتبر ريم أن المستشفى كان المرفق الصحي الوحيد والقريب إلى جانب سكنها، وعندما علمت بقرار تقليص ساعات تشغيل المولدات وتعليق الخدمات غير الطارئة شعرت أن الهواء أغلق في وجه طفلها قبل أن ينقطع عن جهاز الرذاذ.
تضيف ريم "اضطررنا، المرة الأخيرة، إلى البحث عن وسيلة لنقله إلى نقطة طبية أخرى أبعد مسافة، واستغرقت الرحلة أكثر من ساعة وسط الطرقات المقطوعة".
وتوقف خدمات مستشفى "الكويت" التخصصي لا يعني مجرد تأجيل موعد، فبالنسبة إلى ريم، يعني أن طفلها قد يدخل في حال اختناق كامل قبل أن يصل إلى أي جهاز أوكسجين يعمل.
وسط هذه الأجواء، قال مدير مستشفى "الكويت" "إيقاف المولدات الكهربائية أو تقليص الوقود عن مستشفى "الكويت" والمؤسسات الأهلية لا يعني مجرد توقف خدمة فرعية، بل يضعنا أمام خيارين أحلاهما مر، إما ترك المريض يواجه مصيره، أو تحويله إلى مستشفيات حكومية تعاني بالأساس انهياراً كاملاً ونسبة إشغال تجاوزت 200 في المئة، نحن نحول المرضى إلى أسرة غير موجودة وإلى طواقم أنهكها الضغط، ولا توجد أي منشأة في القطاع قادرة على استيعاب هذه الأعداد إذا أغلقت أبوابنا".
من أين يأتي الوقود؟
خلف كل ليتر ديزل يتدفق في محركات مولدات مستشفى "الكويت" تقف سلسلة إمداد معقدة ومشددة تحكمها تشابكات التمويل والتنسيقات الأمنية المعبرية.
يدفع المانح الدولي أمواله إلى مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع، والذي يبرم عقود الشراء والتوريد، وعندما يصل الديزل إلى معبر كرم أبو سالم يأتي دور مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية للعمل على إدخاله، وعلى بوابة المنفذ تجرى سلسلة إجراءات أمنية وتفتيش مشددة، بعدها ينقل الوقود إلى منشآت التخزين المركزية التابعة للأمم المتحدة، ثم تتولى منظمة الصحة العالمية إعداد قوائم الأولويات المشتركة وتوزيعه على المستشفيات.
وتظهر تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) ومنظمة الصحة العالمية أن تعقيدات التنسيق الأمني عند المعابر وتأخير الأذونات يضاعفان الزمن اللازم لوصول شحنات الوقود من نقاط الشراء إلى خزانات المستشفيات ما يجبر المرافق الطبية على استنزاف مخزونها الحرج ويرفع أخطار التوقف المفاجئ للمولدات قبل وصول الشحنات البديلة.
بحسب "أوتشا" فإنه في الظروف التشغيلية المستقرة، تتطلب عملية نقل الديزل من نقطة الشراء وإصدار أذونات التنسيق حتى تفريغه في خزانات المستشفيات ما بين خمسة وسبعة أيام، لكن في ظل القيود والحصار، تتعرض الشاحنات لتأخيرات أمنية وإجراءات تدقيق معقدة ترفع زمن الوصول إلى أكثر من 10 إلى 14 يوماً.
ماذا يحدث إذا لم يصل الوقود؟
أضاف الهمص "أول ما يتوقف فوراً وفي غضون ساعات العيادات الخارجية والعمليات الجراحية المجدولة غير الطارئة، إضافة إلى أجهزة الأشعة المقطعية والمختبرات المرجعية. هدفنا في الخطوات الأولى تقليص نفقات الطاقة لحصر الكهرباء في الطوارئ فقط".
أما طبيب الاستقبال والطوارئ عبدالحكيم شعت فقال من ناحيته "أخطر نتيجة طبية سنواجهها مباشرة انقطاع الأوكسجين المفاجئ عن أجهزة التنفس الاصطناعي في العناية المركزة وأجهزة الرذاذ والدعم التنفسي للأطفال والجرحى. توقف هذه المنظومة يعني مضاعفات تنفسية حادة قد تؤدي إلى الوفاة خلال دقائق معدودة للحالات الحرجة التي لا تتنفس تلقائياً".
من ناحيته قال مسؤول الصيانة والهندسة في المستشفى المهندس حازم الهمص "في حال انقطعت الإمدادات كلياً واعتمدنا خطة الترشيد الأقصى عبر المولدات الفرعية الصغرى، يمكننا الاستمرار في تشغيل الخطوط الحساسة جداً مثل العناية والطوارئ لمدة تراوح ما بين 24 و48 ساعة كحد أقصى قبل النفاد التام للوقود وتوقف المحركات بالكامل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تتابع الأزمة
وأوضح المدير العام للهندسة والصيانة في وزارة الصحة المهندس بسام برهوم أن إدارة المستشفيات تضطر عند نقص الوقود لتطبيق "بروتوكول التقشف الطاقي" المباشر، والذي يتحرك عبر محطات متسلسلة.
وقال برهوم "نوقف الخدمات الثانوية، ويكون البدء بفصل التكييف المركزي، وتخفيض الإنارة في الممرات بنسبة 70 في المئة، وإيقاف الأجهزة التشخيصية غير الطارئة، وتأجيل الجراحات والعمليات، إذ يتم تعليق العمليات الجراحية المجدولة والفحوصات المخبرية الدورية، واقتصار العمل على جراحات إنقاذ الحياة"، مضيفاً "نعمل على إعادة توزيع وإجلاء المرضى، إذ يتم توجيه المرضى غير الحرجين ومراجعي العيادات نحو نقاط أخرى لتخفيف العبء التشغيلي، وحصر الطاقة في الأقسام الحيوية من خلال تركيز المحركات الصغرى لتغذية العناية المركزة، أجهزة الأوكسجين، وحضانات الأطفال فقط".
أما المرحلة الأخيرة، فهي التوقف التام، وهي "عند الوصول إلى مرحلة انطفاء المولدات الفرعية، مما يعني انقطاع الأوكسجين وتوقف أجهزة الدعم الحيوي بالكامل"، وخلص إلى أن "وصول الخزانات إلى الصفر من دون إمداد سريع يضعنا أمام توقف كامل للخدمات الحيوية، يتبعه انهيار شامل في قدرتنا على تقديم أي رعاية طبية للمرضى والجرحى".
الارتدادات
قال المدير العام للصيدلة بوزارة الصحة أشرف أبو مهادي، "لا ينحصر أثر إيقاف المولدات في انطفاء شاشات الأجهزة الطبية"، مضيفاً "انقطاع الطاقة الثابتة وتذبذب عمل المولدات يضربان بصورة مباشرة سلسلة التبريد الدوائية في المستودعات وصيدليات المستشفيات، كأدوية حيوية كالأنسولين والهرمونات واللقاحات الأساسية، إضافة إلى وحدات الدم والبلازما، التي تتطلب بيئة حرارية صارمة ومستمرة، وأي تراجع في التبريد يعني تلف هذه الشحنات الحساسة وفقدان أرصدة دوائية شحيحة بالأساس لا يمكن تعويضها بسهولة في ظل حصار المعابر".
وعن أثر التحويل القسري للمرضى أوضح المدير العام للمستشفيات بوزارة الصحة إياد أبو زاهر، "عندما تجبر المنشآت الأهلية والخيرية الـ20 على تقليص خدماتها أو إغلاق أبوابها، فإن النتيجة المباشرة هي اندفاع كتل المرضى والمراجعين نحو المجمعات الحكومية المركزية المتبقية"، مضيفاً "هذا الضغط القسري يرفع نسب إشغال الأسرة في الطوارئ والعناية إلى مستويات قياسية تتجاوز 200 في المئة، مما يضع الطواقم الطبية أمام مفاضلات قاسية ومؤلمة بين الحالات، ويتسبب في اكتظاظ الممرات بطوابير انتظار تمتد ساعات طوال".
من ناحيته أكد المتحدث باسم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني رائد النمس أن أزمة المحروقات تؤثر في استمرار حركة نقل الجرحى والمرضى من الخيام ومنازل النزوح.
فجوة تمويلية حادة
وأوضحت منظمة الصحة العالمية أن قرار وقف حصص الديزل ناتج من فجوة تمويلية حادة، ولفت المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس إلى أننا "نعمل في بيئة تمويلية وتشغيلية معقدة للغاية في قطاع غزة، ونقص التمويل المخصص للوقود والخدمات الأساسية يجبرنا على اتخاذ قرارات قاسية وإعادة توجيه الموارد المحدودة المتاحة ونحو المنشآت الرئيسة فحسب، مناشداتنا التمويلية لم تتلقَّ الدعم الكافي، وهذا التراجع يضع النظام الصحي المتهالك على شفا التوقف الكامل".
من ناحيته قال منسق أعمال الحكومة في المناطق يورام هليفي "تسمح السلطات الإسرائيلية بدخول كميات من الوقود بالتنسيق مع وكالات الأمم المتحدة، مع فرض آليات تدقيق لمنع تسرب المحروقات أو استخدامها لغير الأغراض الطبية والإنسانية المعلنة، نحمل المنظمات الأممية والإدارات المحلية مسؤولية وآليات التوزيع الداخلي في القطاع".