Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الخليج... شريان الاقتصاد العالمي بين الطاقة والتجارة ورأس المال

4 تريليونات دولار في الصناديق السيادية وخمس إمدادات العالم النفطية يومياً

جاءت اقتصادات دول المجلس مجتمعة ضمن أكبر 10 اقتصادات في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية (اندبندنت عربية)

ملخص

في عام 2024، بلغ إجمال التبادل التجاري السلعي بين دول مجلس التعاون والعالم الخارجي، باستثناء التجارة البينية الخليجية، نحو 1.59 تريليون دولار.

لم تعد دول الخليج العربي مجرد منطقة منتجة للنفط والغاز، كما لم تعد أهميتها بالنسبة إلى العالم تقاس فقط بعدد البراميل التي تغادر موانئها كل يوم، فخلال العقود الأخيرة، تغيّرت المعادلة بصورة جوهرية، وتحولت دول مجلس التعاون الخليجي إلى جزء أساس من منظومة الاقتصاد العالمي، بما تمتلكه من ثقل في أسواق الطاقة، وموقع استراتيجي على طرق التجارة الدولية، وصناديق سيادية ضخمة، فضلاً عن توسع قطاعات الصناعة والخدمات واللوجستيات والسياحة والتكنولوجيا .

ومن هنا، لم يعد استقرار الخليج قضية إقليمية فحسب، بل أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي، ففي هذه المنطقة تلتقي ثلاثة من أهم شرايين الاقتصاد الدولي: الطاقة والتجارة ورأس المال، وأي اضطراب واسع فيها يمكن أن ينتقل سريعاً إلى أسعار النفط والغاز، وكلفة الشحن والتأمين، وسلاسل الإمداد، ثم إلى معدلات التضخم والنمو وأسعار الفائدة في دول تبعد آلاف الكيلومترات عن المنطقة .

ولإدراك حجم هذا الثقل، بلغ عدد سكان دول مجلس التعاون نحو 61.5 مليون نسمة في عام 2024، فيما جاءت اقتصادات دول المجلس مجتمعة ضمن أكبر 10 اقتصادات في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية.

ونما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لدول المجلس بنحو 1.9 في المئة خلال عام 2024، على رغم تراجع النشاط النفطي، وهو ما يعكس في الوقت ذاته توسع مساهمة القطاعات غير النفطية في اقتصادات المنطقة.

ولعل مضيق هرمز يقدم المثال الأكثر وضوحاً على ارتباط الخليج بالاقتصاد العالمي، فهذا الممر البحري الضيق يعد أحد أهم شرايين الطاقة على سطح الأرض.

خُمس تجارة الغاز الطبيعي

عام 2024، عبر المضيق نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات البترولية، بما يعادل قرابة 20 في المئة من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً .

ولم تتوقف أهمية هرمز عند النفط، إذ مر عبره أيضاً نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية خلال العام نفسه، وكانت قطر من أبرز مصادر هذه الإمدادات.

وفي عام 2025، عبر المضيق نحو 15 مليون برميل يومياً من النفط الخام وحده، بما يوازي قرابة 34 في المئة من تجارة الخام العالمية ، لكن الأهم من حجم هذه التدفقات هو صعوبة تعويضها سريعاً، فهناك بالفعل خطوط أنابيب في المنطقة تستطيع نقل جزء من الإمدادات بعيداً من المضيق، إلا أن قدراتها الإضافية لا تكفي لاستيعاب جميع الكميات التي تمر عبره إذا تعرضت حركة الملاحة لاضطراب واسع وممتد .

وأي اضطراب كبير لا يعني فقط انخفاض الإمدادات، بل يؤدي أيضاً إلى ارتفاع علاوة الأخطار في الأسواق. وعندها قد ترتفع أسعار النفط، فتزداد كلفة النقل والإنتاج والكهرباء، ثم تنتقل هذه الزيادة تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات.

وهكذا يمكن لأزمة تبدأ في ممر بحري محدود المساحة أن تتحول خلال فترة قصيرة إلى مشكلة تضخم تمتد آثارها إلى اقتصادات بعيدة عن الخليج.

إجمال التبادل التجاري السلعي

ومع ذلك، فإن اختزال الخليج في الطاقة وحدها أصبح قراءة ناقصة، ففي عام 2024، بلغ إجمال التبادل التجاري السلعي بين دول مجلس التعاون والعالم الخارجي، باستثناء التجارة البينية الخليجية، نحو 1.59 تريليون دولار.

وفي التفاصيل، بلغت الصادرات السلعية قرابة 849.6 مليار دولار، مقابل واردات بنحو 739.9 مليار دولار، محققة فائضاً تجارياً يقارب 109.7 مليار دولار، وهذه الأرقام تكشف عن حجم الارتباط التجاري بين الاقتصادات الخليجية والأسواق الدولية .

والأكثر دلالة، أن الصادرات الوطنية غير النفطية بلغت نحو 194.5 مليار دولار في عام 2024، بزيادة تقارب 22.5 في المئة مقارنة بعام 2023، وهذا النمو يعكس تحولاً اقتصادياً متسارعاً، حيث تتوسع المنطقة في الصناعة والخدمات والسياحة والنقل والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي إلى جانب قطاع الطاقة التقليدي .

وفي الاتجاه نفسه، أشارت تقديرات دولية إلى إمكانية نمو اقتصادات مجلس التعاون بنحو 3.2 في المئة في عام 2025، ثم ارتفاع النمو إلى نحو 4.5 في المئة في عام 2026، مع استمرار النشاط القوي للقطاعات غير النفطية.

ومن ثم، فإن تنويع الاقتصاد الخليجي لا يعني بالضرورة تراجع أهمية المنطقة عالمياً، بل يؤدي إلى تعدد قنوات تأثيرها الاقتصادي .

وإلى جانب التجارة والطاقة، يظهر عنصر ثالث بالغ الأهمية، وهو رأس المال، فالصناديق السيادية الخليجية أصبحت من أبرز المستثمرين المؤسسيين في العالم، وتشير تقديرات حديثة إلى أن مجموعة من هذه الصناديق تدير أصولاً تتجاوز قيمتها الإجمالية 4 تريليونات دولار.

ولا تبقى هذه الأموال داخل المنطقة، بل تنتشر استثماراتها في الأسهم والسندات والعقارات والموانئ والبنية الأساسية والطاقة والتكنولوجيا والصناعة وغيرها من القطاعات حول العالم، وبذلك أصبحت القرارات الاستثمارية الصادرة من العواصم الخليجية حاضرة في عدد متزايد من الأسواق والقطاعات الدولية .

ولإدراك حجم هذا التحول، وصلت الأصول التي يديرها صندوق الاستثمارات العامة السعودي بنهاية عام 2025 إلى نحو 3.4 تريليون ريال سعودي (أكثر من 900 مليار دولار)، مقارنة بنحو 500 مليار ريال (133.06 مليار دولار) في عام 2015.

مدى حساسية الاقتصاد العالمي

وبذلك أصبح الخليج حاضراً على جانبي حركة رأس المال، فهو يستقطب استثمارات دولية ضخمة لتمويل مشروعات التحول الاقتصادي في الداخل، وفي الوقت ذاته يضخ مئات المليارات من الدولارات في الأسواق الخارجية.

ومن ناحية أخرى، كشفت اضطرابات البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023 مدى حساسية الاقتصاد العالمي للممرات البحرية المحيطة بالمنطقة. فقبل الأزمة كان نحو 15 في المئة من حجم التجارة البحرية العالمية يمر عبر قناة السويس .

لكن مع تصاعد الأخطار، انخفض حجم التجارة المارة بالقناة بنحو 50 في المئة على أساس سنوي خلال أول شهرين من عام 2024، بينما ارتفعت حركة السفن حول رأس الرجاء الصالح بنحو 74 في المئة.

ونتيجة لذلك، اضطرت سفن عديدة إلى اتخاذ مسارات أطول حول القارة الأفريقية، ونتيجة لهذا التحول، زادت مدة بعض الرحلات البحرية بـ10 أيام أو أكثر، بينما قفزت كلفة شحن حاوية قياسية بطول 40 قدماً من الصين إلى البحر المتوسط من نحو 1000 دولار إلى أكثر من 4 آلاف دولار خلال فترة من الأزمة .

وهنا تظهر المعادلة الاقتصادية بوضوح، فالطريق الأطول يعني وقوداً أكثر، ووقتاً أطول، وتأميناً أعلى، وكلفة تشغيل أكبر، وفي النهاية، لا تتحمل شركات الشحن وحدها هذه الكلفة، بل ينتقل جزء منها إلى المصنع والمستورد والتاجر، ثم إلى المستهلك النهائي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهكذا يمكن لاضطراب أمني يقع على بعد آلاف الكيلومترات من منزل المستهلك أن يظهر لاحقاً في السعر الذي يدفعه مقابل سلعة على رف متجر .

صادرات الخام العابرة لمضيق هرمز

وتزداد أهمية الخليج بصورة أكبر عندما ننظر إلى آسيا، ففي عام 2024، اتجه نحو 83 في المئة من الغاز الطبيعي المسال الذي عبر مضيق هرمز إلى الأسواق الآسيوية، بينما استقبلت الصين والهند وكوريا الجنوبية وحدها نحو 52 في المئة من إجمال هذه التدفقات.

 وفي سوق النفط أيضاً، استحوذت الصين والهند معاً خلال عام 2025 على نحو 44 في المئة من صادرات الخام العابرة لمضيق هرمز، بالتالي، فإن اضطراباً كبيراً في الخليج قد يتحول سريعاً إلى مشكلة لأمن الطاقة في آسيا، ثم يمتد أثره إلى الإنتاج الصناعي وسلاسل التوريد الدولية .

وفوق ذلك، لا يتوقف التأثير عند الدول التي تعتمد مباشرة على النفط والغاز الخليجيين، فالطاقة تُتداول في أسواق عالمية مترابطة، والأسعار تتفاعل مع التغيرات الكبيرة في العرض والطلب.

ولذلك يمكن أن تتأثر اقتصادات بعيدة جغرافياً من الخليج حتى وإن كانت تحصل على الجزء الأكبر من احتياجاتها النفطية من مناطق أخرى .

وفي نهاية المطاف، لم يعد من الدقة النظر إلى دول الخليج باعتبارها مجرد محطة للطاقة بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، فالمنطقة اليوم تجمع بين الطاقة والتجارة والاستثمار والموانئ والمطارات والخدمات اللوجستية ورؤوس الأموال، فضلاً عن موقع جغرافي استثنائي يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا.

وبالأرقام، نحن أمام منطقة يمر عبر أحد أهم ممراتها البحرية نحو خمس الاستهلاك العالمي من السوائل البترولية، وتقترب تجارتها السلعية الخارجية من 1.6 تريليون دولار سنوياً، فيما تدير صناديقها السيادية أصولاً تتجاوز 4 تريليونات دولار .

ولذلك، فإن استقرار الخليج لم يعد شأناً خليجياً أو عربياً فقط، بل أصبح جزءاً من أمن الطاقة العالمي، واستقرار التجارة الدولية، وحركة رؤوس الأموال، وقدرة الاقتصاد العالمي على مواجهة الصدمات.

في المحصلة، لا يقيس الاقتصاد الحديث أهمية منطقة بمساحتها أو عدد سكانها وحدهما، بل بحجم الفراغ الذي يمكن أن تتركه إذا تعطلت وظائفها الأساسية، وفي حال دول الخليج، سيكون ذلك الفراغ كبيراً بما يكفي ليشعر به العالم كله .

اقرأ المزيد