Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جامعة الخرطوم: أن يأتينا العلم منها دخاخين دخاخين

أزمة تواجه أكاديمييها على رغم عدم انقطاع الكليات عن أداء وظيفتها بفضل ثبات القائمين عليها وبحيل التدريس من بعد

لقطة لجامعة الخرطوم قبل الحرب (حساب جامعة الخرطوم على فيسبوك)

ملخص

جامعة الخرطوم في يومنا ليست هي الجامعة التي آمن بها أو التي تعكس طموحاته، وهي بالطبع كذلك لأنه هو من اعترف بنفسه بأنها في "أحلك لحظاتها" وليثني على زملائه أنهم الباذلون ما فوق طاقتهم "لحفظ صرح الكلية".

كان الجدل عن الحوار الوطني الذي خرجت به جماعة فينا بتفاهم مع الحكومة السودانية آخذاً بخناق الصفوة في السودان حين تواترت أخبار ناكسة مما اعتدنا أخيراً من جامعة الخرطوم. فكان الظن أن تكون حاضنة مثل هذا الحوار لوظيفتها ولمنزلتها بين خريجيها الألوف مهما اختلفت طرقهم في السياسة. خلافاً لذلك كانت الأخبار منها لا تزال عن سياساتها والخدمة فيها وشروطها. ولا مشاحة أن ما تبتلى به الجامعة من هذه الجهات من "أمراض التسنين" لمؤسسة تنفض عنها رماد خرائب الحرب الجنجودية. فيكفي أنها لم تنقطع عن أداء وظيفتها بفضل ثبات القائمين عليها وبحيل التدريس من بعد. ومع ذلك كان العشم غير أن تشغل الناس بما صح أن يكون مناجاة في ردهاتها لا تعبئة للرأي العام. 

سبقت الإثارة الأخيرة عن الجامعة إثارات ثلاث. فخلال يناير (كانون الثاني) الماضي تقدم الدكتور علي عبدالرحمن رباح باستقالته من منصبه كأمين للشؤون العلمية برسالة منشورة على الملأ حرصاً منه، في قوله، على القوام الأكاديمي للجامعة وشهاداتها من أخطار جاءتها من ثقوب ذكرها لا موضع لتفصيلها هنا. ومهما كان من أمر رباح فالمأخذ عليه، وهو صمام الأمان لصدقية الشهادة الجامعية لجامعة ملء السمع والبصر، أنه لم يتحر مساقط استقالته المشاعة في بيئة يكفي عن شراسة استقطابها أنها تخوض حرباً عواناً دخلت عامها الرابع. فلم يزد خبره على مجرد كونه زيتاً صب فوق نار الناشطية السياسية في مناخ الاستقطاب السياسي حول الثورة والحرب. ولا يعرف أحد ما مردود الصون الذي أراده من استقالته لهذه الشهادة.

من جهة أخرى أعلنت نقابة أساتذة جامعة الخرطوم في الـ31 من مارس (آذار) الماضي الإضراب المفتوح حتى الاستجابة لمطلبهم بإجازة الدولة والجامعة لهيكل راتبي خاص تقرر لهم خلال عام 2021. وبيانها الذائع مصاب بـ"العقلية النقابية المستفحلة" كما سنرى وتتمثل في أن المطلب النقابي من المؤسسة منبت عن النظر في قدرة المؤسسة نفسها على تحقيقه. تقدر ما تقدر. فمثلاً لن تجد في البيان إشارة من أي درجة لتأثير الحرب في موازنة مؤسستهم التي تركتها معاركها خرائب منكرة. ومن مثل أساتذة جامعيين من ينهض بمثل هذا الشغل؟ بل لم ترد الحرب في سائر بيانهم إلا في مقدمته التي ثمنت تضحيات القوات المسلحة لينعم السودان بالأمن. ثم بطل الحديث عن الحرب بالكلية وكأنها حين دارت لينعم السودان بالأمن وجامعته العريقة لم تأكل أخضر اقتصاد السودان ويابسه.

ومن جهة ثالثة شاع فيديو للبروفيسور عبدالسميع عبدالله أول تعيينه عميداً كلية الطب يرثي الكلية ويؤيس منها. فقال إنه يريد لأساتذة الطب الرجوع للسودان والكلية ليستدرك سائلاً عما يغريهم بالرجوع والأجور التي تنتظرهم شروى نقير.

وجاء الخبر عن الجامعة في هذه الدورة في سياق الاحتجاج على قرارها عن التدريس في مقارها حضوراً بدءاً بأغسطس (آب) من هذا العام، بعدما كان توزع بين مراكز في غير الخرطوم داخل السودان ومصر وغيرهما. وبالنتيجة خيرت أساتذتها في شعاب الأرض، إما عادوا إلى مواقعهم في الجامعة داخل السودان أو يجري إعفاؤهم، وطلبت بالمثل من الطلاب الجلوس لاختباراتهم في مقارها.

ولم يتفق مع القرار الدكتور أحمد علي حسب الكريم، عميد كلية الغابات، فتقدم باستقالته في رسالة منشورة على الملأ إلى زملائه بالكلية. فاستصعب فيها العودة للخدمة في السودان في بيئة "تفتقر الأمان" بأجر لن يكفيه لأسبوع. وجاء في السياق بما لا يعرف المرء مكانه من إعراب الاستقالة بقوله إن الجامعة "غائبة عن تبني مبادرات لمعالجات الصدمات النفسية للشعب". وخلص إلى أن الجامعة في يومنا ليست هي الجامعة التي آمن بها أو التي تعكس طموحاته، وهي بالطبع كذلك لأنه هو من اعترف بنفسه بأنها في "أحلك لحظاتها" وليثني على زملائه أنهم الباذلون ما فوق طاقتهم "لحفظ صرح الكلية".

ومن جهة أخرى اجتمع نفر من أساتذة كلية الطب في الأول من سبتمبر (أيلول) الجاري بعدما اتفق لهم أن مذكرتهم لمدير الجامعة ما أجدت. وكانوا طالبوا فيها بتأجيل الاختبارات في الكلية إلى أجل غير مسمى لحين توافر متطلبات قيامها على الوجه الصحيح. وتواثقوا على الاستقالات جملة من خلال مذكرة جماعية موحدة تزامناً مع الاستقالات الشخصية. وقالوا إنهم لا يريدون من استقالتهم تهديداً ولا مناورة. فهي موقف نهائي فرضته الأوضاع القائمة وتتحمل الجهات المسؤولة كامل تبعات استمرارها. ومع ذلك فهم سيقومون بـ"تصعيد إعلامي" متزامناً مع مخاطبة لرئاسة الدولة لوضعها أمام الحقيقة.

ومع أن الأستاذ المستقيل من كلية الغابات إلا أن المسألتين موضوع النزاع ربما عنيتا كلية الطب دون غيرها. فأكثر الأساتذة الغياب منها حتى بلغوا 80 في المئة من طاقم التدريس. فكان طبيعياً أن يصادم قرار المثول في الخرطوم أوضاعهم في المهاجر بعدما أبلوا في التدريس إلكترونياً من قبل. واقترحوا أن تواصل الجامعة التدريس إلكترونياً وتتوسع فيه لأن بيئة الجامعة من حيث القاعات والمستشفيات غير مهيأة بعد، وأن يبقوا على غيابهم مع احتفاظهم بوظيفتهم في الجامعة متى عادوا إليها.

ولم يكن بوسع الجامعة وقد قررت التعليم حضورياً الاستجابة لهم من بابين. فلم يصح عندها أن تعمل بربع القوة من هيئة التدريس داخل كلية في خطر وهي كلية الطب. ولم يسعفها قانون الخدمة المدنية الذي ينظم غياب الموظف في حالتي الانتداب والإعارة. فلا يجيز القانون مطلب الغيبة إلى أجل غير مسمى مع الاحتفاظ بالوظيفة. فمن حق المنتدب أو المعار أن يبقى حيث هو لأربعة أعوام محتفظاً بوظيفته بغير راتب من مؤسسته. وله سنة خامسة تسمى "توفيق أوضاع" يتهيأ بها للعودة إلى موقعه من الانتداب. فإذا أكمل الأعوام الخمسة ورغب في الاستمرار حيث هو، استقال أو فصلته مؤسسته. والسبب وراء ذلك أن القانون يمنع أن تملأ وظيفة من بعثت به انتداباً أو إعارة. فتبقى الوظيفة محفوظة له. وقد تعين غيره موقتاً بأجر ليس من الفصل الأول (المواهي) بل من أي مال آخر للمؤسسة حتى لا تكون غضاضة قانونية في فصله متى عاد المنتدب إلى العمل. فما طلبه أساتذة الجامعة أن يبقوا بالخارج حيث هم مع الاحتفاظ بوظيفتهم فيها متى عادوا يحول، قانوناً، دون تعيين بدائل مست الحاجة لها بأجر وامتياز وثبات في الخدمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومسألة الجامعة الأخرى مع كلية الطب في غلبة الخدمة بعد المعاش فيها. فـ46 في المئة من كلية الطب معاشيون ثمن طلابهم الأساتذة خدمتهم وخبرتهم فاحتفظوا بهم في هيئة التدريس ولاء. ويمنع قانون الخدمة المدنية أن يعمل المعاشي بدوام كامل في أي مؤسسة حكومية، ويلزم الواحد منهم بالظهور أول كل شهر لتأكيد بقائه على الحياة، بل وأن يقدم الواحد منهم تقريراً طبياً عن سلامة النفس والبدن. وسيصعب عليهم الامتثال لمطلوب القانون وكثيرهم في المهاجر.

لا يخفى استفحال النقابية بأساتذة الجامعة، وهي ألا ترى من المؤسسة في السكرات إلا حقوقك عليها. فتوقع المرء أن يكون استنهاض الجامعة من رماد خرائبها محل نقابية روحية لا مطلبية مما يعرف بـ"الزمالة" التي هي الشعور بالعزة والطمأنينة لانتمائك إلى جماعة لك اعتقاد فيما خرجت له من غرض. وهي مبعث "روح الجسد" في هذه الجماعة التي ترعرعت فيها الحماسة والولاء والاعتبار الشديد لشرف الجماعة.

ووقع هذا الاستفحال للجامعة من إفراطها في السياسة، حتى دعا أحد الكتاب يوماً إلى عودتها لـ"البرج العاجي". فكانت الجامعة طلاباً وأساتذة طليعة ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1964 وظل هذا الدور فيها وغلب حتى على البحث فيها. فجاءتها الثورة بسلطان السياسة، وبدلاً من أن تأخذ الجامعة منه بقدر حاجتها لبلوغ مجتمعها وتغييره، أخذت السلطان كله. ففشا في نقابيتها الطلابية وهيئة التدريس. فانظر عبارة "التصعيد الإعلامي" في عبارة اجتماع أساتذة الطب كأن لا غناء في النجوى بينهم في ردهات مؤسسات الجامعة حتى لو استبدت. وأفسدت هذا السياسة الزائدة على الحاجة أكثر ما أفسدت الزمالة وإرادتها كما تقدم. فيكفي قوائم فصل للأساتذة في نظام الرئيس نميري اليساري والرئيس البشير اليمني بمثابة تصفية حسابات حزبية.

وتبدَّى فساد الزمالة في ما نشب بين الدكتور ياسر حنفي رئيس شعبة الجراحة بكلية الطب والدكتور محمد أمين محمد صديق من كلية العلوم. فكان حنفي هدد طلابه في السنة الخامسة بكلية الطب أنه سيُسقط الغائب عن الاختبار سقوطاً لا برء منه لن تسعفه اختبارات للدور الثاني منه. وهو سقوط سيلاحق الطالب إلى أبد الآبدين. وساء حنفي من طلابه إرخاء أذنهم في توقفهم من دون الاختبار إلى أستاذين وصفهما بـ"القحاطة". وذاع فيديو حديث حنفي. ومؤكد أنه لم يتعرف ربما إلى نفسه في لغته ومادته.

وأخذ عليه محمد أمين تلك المادة واللغة وجاء بتفسير لهما، فقال إن ياسر إنما يريد إرضاء إدارة الجامعة التي عينته على قسم الجراحة في ظرف لوح فيه كبار أساتذة الطب بالاستقالة. وأنه استغل منصبه في قسم الجراحة "للتنفيس عما في نفسه مما لم يجد الجرأة للتعبير عنه في الأسافير العامة في السياسة. فلم نقرأ له رأياً في السياسة والفكر أو الاستنارة. وقد لجأ إلى تحويل المنبر الأكاديمي لمنبر سياسي في توجيه التصنيفات السياسية لبعض زملائه". ولا يعرف المرء أن كان من سمة أستاذ للجراحة كتابة الرأي السياسي فيشتهر به.

قال السودانيون من فرط إثقال الحكم التركي - المصري (1821-1885) عليهم "إن شا الله ما يجينا من الريف (مصر) إلا القماش". وأثقلت جامعة الخرطوم، "الجميلة ومستحيلة" في محبة أهلها لها، على آذاننا حتى لنقول إن شاء ما يأتي إلينا منها إلا العلم. وأن يأتينا منها "دخاخين دخاخين" كما قال صوفي عالم منا.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء