Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"إيغاد" وأزمة السودان: اختبار جديد لمستقبل الإقليمية الأفريقية

البلاد لا تحتاج إلى وسيط إضافي بقدر ما تحتاج إلى نظام منسق للوساطة واضح الأولويات ومتدرج الالتزامات ومحصن من تحويل الحرب إلى مشروع لتقاسم النفوذ

لا يتحدد مستقبل السودان في "إيغاد" بقدرة المنظمة على إنتاج مبادرة جديدة بقدر ما يتوقف على قدرتها على استعادة موقعها كمنصة جامعة (غيتي)

ملخص

كشفت الحرب عن أن "إيغاد"، على رغم موقعها التاريخي في إدارة نزاعات القرن الأفريقي، تفتقر إلى شرطين حاسمين للوساطة الفاعلة: وحدة الإرادة بين أعضائها، والقدرة على تحويل التوافق السياسي إلى نفوذ قابل للتنفيذ.

ثمّة احتمال أكثر تركيباً، هو تسوية متعددة المستويات، تتقاسم فيها "إيغاد" و"الخماسية" وظائف مختلفة، من وقف إطلاق النار إلى الترتيبات الإنسانية ثم الانتقال السياسي. وفي هذا، لا تكون قوة "إيغاد" في احتكار الوساطة، بل في هندسة التوافق بين الوسطاء.

تفتح عودة السودان إلى "إيغاد" صفحة جديدة في علاقته بإحدى أهم المنصات الإقليمية التي تشكلت حول قضايا القرن الأفريقي وأمنه واستقراره. شارك السودان، ممثلاً بوكيل وزارة الخارجية والتعاون الدولي السفير معاوية عثمان خالد، في الدورة الـ74 لمجلس وزراء "إيغاد" في جيبوتي، في خطوة عكست استئناف الحضور السوداني داخل مؤسسات المنظمة. وكانت الأمانة العامة قد رحبت، في التاسع من فبراير (شباط) الماضي، بقرار السودان استئناف مشاركته الكاملة، معتبرة أن عودته تعزز الوحدة والتضامن الإقليميين.

وتستمد هذه الخطوة أهميتها من الموقع الذي احتلته "إيغاد" خلال العقود الثلاثة الماضية في البنية السياسية والأمنية للمنطقة. فقد نشأت بصيغتها الحالية عام 1996، امتداداً للهيئة الحكومية المعنية بالجفاف والتنمية التي تأسست عام 1986، قبل أن تتسع وظيفتها من مواجهة الجفاف والتصحر إلى أجندات إقليمية تشمل السلام والأمن، والتنمية، والتكامل الاقتصادي، والأمن الغذائي، وإدارة الموارد المشتركة، والاستجابة للأزمات الإنسانية والمناخية، ويمنحها انتشار أعضائها من البحر الأحمر وخليج عدن إلى قلب شرق أفريقيا موقعاً فريداً في مقاربة ملفات تتداخل فيها الحدود والأمن والتجارة والهجرة والنزاعات.

 

من هذا المنظور، تستعيد عودة السودان بعداً مؤسسياً يتجاوز استعادة المشاركة الإجرائية، إذ تعيد الخرطوم إلى فضاء تتقاطع فيه مصالح دول الجوار، وتصاغ داخله مواقف إقليمية في شأن قضايا الأمن والاستقرار والتنمية. في المقابل، تستعيد "إيغاد" حضور السودان بموقعه الجغرافي في قلب القارة السمراء، حيث لا يمكن فصل تحولات القرن الأفريقي عن موقعه. وتمنح المشاركة المنتظمة الطرفين مساحة لإدارة التباينات بالحوار، وتوسيع هامش التشاور، وربط المصالح الوطنية بحسابات الإقليم، بما يعيد للدبلوماسية المتعددة الأطراف وظيفتها كأداة لإدارة التعقيدات المحيطة بهذه العلاقة، على رغم التحديات التي تحيط بهذه التصورات.

تنسيق إقليمي

منذ اندلاع الحرب في الـ15 من أبريل (نيسان) عام 2023، تحركت "إيغاد" بسرعة لافتة، لكن بقدرة تنفيذية محدودة. ففي الـ16 من أبريل، عقدت قمتها الاستثنائية الـ40، وطالبت بوقف فوري وغير مشروط للقتال، وقررت إرسال وفد برئاسة رئيس دولة جنوب السودان سلفا كير ميارديت وعضوية رئيسي كينيا ويليام روتو، وجيبوتي إسماعيل عمر جيله إلى الخرطوم، غير أن المهمة لم تصل إلى العاصمة، بحجة الأخطار الأمنية، ولم تترجم الوساطة المبكرة إلى اتصال حاسم بين قائد الجيش الفريق عبدالفتاح البرهان وقائد قوات "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وبقيت "إيغاد" منخرطة في مسار جدة السعودي - الأميركي.

في الـ12 من يونيو (حزيران)، أقرت القمة الـ14 "خريطة طريق"، تحويل الثلاثي إلى رباعي يضم إثيوبيا، برئاسة ويليام روتو، وترتيب لقاء بين قائدي الجيش و"الدعم السريع" خلال 10 أيام، وممر إنساني خلال أسبوعين، ومسار سياسي شامل خلال ثلاثة أسابيع. وفي الـ19 من يونيو اجتمع وزراء الرباعية، ثم تكررت الدعوات، لكن المواعيد انقضت من دون إنجاز جوهرها. ولم يتحول اللقاء إلى واقع، بينما استمر القتال واتسع. وأكدت الرباعية لاحقاً ضرورة اللقاء ورفض الحل العسكري. وفي التاسع من ديسمبر (كانون الأول)، خلال القمة الـ41 في جيبوتي، حصلت "إيغاد" على تعهد البرهان وحميدتي بوقف غير مشروط ولقاء ثنائي، لكنها لم تستطع تحويل التعهد إلى هدنة قابلة للتنفيذ.

بلغ التوتر ذروته في الـ18 من يناير (كانون الثاني) عام 2024، حين دعت القمة الـ42 الطرفين إلى اللقاء خلال أسبوعين، وطلبت مراجعة خريطة الطريق وإطلاق عملية سودانية القيادة. قاطعت الخرطوم الاجتماع، ثم أعلنت تجميد تعاملها مع "إيغاد"، وفي الـ20 من يناير جمدت العضوية، محتجة على دعوة حميدتي وعلى ما عدته مساساً بالسيادة.

بعد التجميد، واصلت "إيغاد" وساطتها من خارج القنوات الرسمية، عينت مبعوثاً خاصاً، وسعت خلال عام 2024 إلى إعادة السودان، وفي مارس (آذار) عام 2025 جمعت المبعوثين لتنسيق المسارات. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، واصلت التنسيق، ثم عاد السودان إلى المشاركة الكاملة في التاسع من فبراير هذا العام، وبعدها أعادت "إيغاد" فتح قنواتها مع الخرطوم، وفي يوليو (تموز) عقدت منتدى ثالثاً للمبعوثين، داعية إلى تنسيق إقليمي ودولي أكثر تماسكاً.

اعتبارات العودة

جاء الإعلان عن عودة السودان إلى "إيغاد" منذ فبراير الماضي، وفقاً لاعتبارات عدة، الأول هو إعادة تموضع محسوبة داخل بيئة إقليمية لا تسمح للخرطوم بأن تدير الحرب بمعزل عن محيطها. فالعودة جاءت بعد اتصالات مع جيبوتي وقيادة المنظمة، وترافقت مع تأكيد وحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية، وهي إشارات تخفف الكلفة السياسية التي رافقت الانسحاب السابق. والسودان، بوصفه عضواً مؤسساً، يستعيد بذلك مقعداً داخل مؤسسة تتشكل أجنداتها في منطقة تتقاطع فيها قضايا استقرار البحر الأحمر، والحدود، وحركة اللاجئين، ومسارات التجارة.

الاعتبار الثاني هو استعادة هامش المناورة الدبلوماسية على المستوى الأفريقي، فالحرب أنتجت تعدداً في مسارات التفاوض، ومن ثم فإن الانخراط في "إيغاد" يمنح الخرطوم قناة إضافية للتأثير في النقاش الإقليمي، ومراقبة مواقف الجوار، والدفع نحو صيغة تفاوضية أكثر اتساقاً مع رؤيتها. وهذا مهم خصوصاً بعدما أصبحت المنظمة نفسها جزءاً من "الخماسية" التي تجمع الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي إلى جانبها.

أما الاعتبار الثالث فيتصل بتحول الأزمة من شأن سوداني صرف إلى قضية ذات آثار عابرة للحدود. فاستمرار الحرب يضغط على دول الجوار عبر النزوح والأمن والاقتصاد، بينما تعترف "إيغاد" بأن التسوية المستدامة ينبغي أن تكون سودانية القيادة والملكية. ومن هذه الزاوية، لا تعني العودة تفويض المنظمة بحسم الصراع، بل إبقاء السودان داخل دائرة التأثير التي تصوغ البيئة المحيطة به.

والانخراط يمنح الخرطوم مجالاً أوسع لموازنة الضغوط المتعارضة، من دون التسليم بأن المنظمة تملك مفاتيح التسوية، فعضوية المنظمات أداة لإدارة المصالح، وليست بديلاً من موازين القوة.

وأخيراً، تتيح العودة استعادة الحضور المؤسسي على الأرض، فقد أعادت "إيغاد" فتح بعثتها في الخرطوم لاحقاً، مؤكدة أن الانخراط المستمر يتجاوز الوساطة إلى التعافي وإعادة بناء المؤسسات، وهكذا تبدو العودة أقرب إلى استثمار في الخيارات منها إلى رهان على وسيط واحد.

مفارقة صعبة

يواجه السودان و"إيغاد" مأزقاً يتجاوز خلافاً عابراً حول الوساطة، في اختبار لطبيعة النظام الإقليمي نفسه. فقد كشفت الحرب عن أن المنظمة، على رغم موقعها التاريخي في إدارة نزاعات القرن الأفريقي، تفتقر إلى شرطين حاسمين للوساطة الفاعلة، وحدة الإرادة بين أعضائها، والقدرة على تحويل التوافق السياسي إلى نفوذ قابل للإنفاذ. وحين تعددت مسارات جدة، والاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، والرباعية، ثم صيغ التعاون الأوسع، لم تعد المشكلة ندرة المبادرات، بل وحدة مرجعياتها. وقد أقرت "إيغاد" نفسها لاحقاً بأن تعدد الوساطات لا يغني عن عملية سلام متماسكة.

بالنسبة إلى السودان، حملت "إيغاد" مفارقة صعبة، فهي منصة إقليمية لا يمكن تجاهلها، لكنها في الوقت نفسه لم تعد ترى الخرطوم بوصفها وسيطاً محايداً بالقدر الكافي. اعتراض الحكومة السودانية على بعض مواقف المنظمة، ثم قرار تعليق المشاركة والانسحاب، حولا الخلاف من مسألة إجرائية إلى أزمة ثقة تمس شرعية الوساطة ذاتها. وفي المقابل، فإن ابتعاد السودان عن المنظمة حرم الخرطوم من التأثير في المؤسسة الأقرب جغرافياً وسياسياً إلى أزمته، وضيق قدرتها على صياغة الأجندات الإقليمية من داخلها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما أزمة "إيغاد"، فأعمق من الملف السوداني، وتتمثل في تناقض المصالح بين الدول الأعضاء، وهشاشة أدوات التنفيذ، وتداخل الأمن الوطني مع المنافسة الجيوسياسية، كلها تجعل الإجماع أصعب من أي وقت مضى. وصعود "الدبلوماسية المصغرة" لا يمثل مجرد بديل تقني، لكنه يعيد توزيع القوة بعيداً من المؤسسات التي تتطلب توافقاً بطيئاً.

ومع عودة السودان إلى المشاركة الكاملة، تبرز فرصة لإعادة بناء العلاقة على أساس واقعي، لا احتكار للوساطة، ولا إقصاء لـ"إيغاد"، بل تقسيم للعمل بينها وبين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والشركاء الإقليميين والدوليين. ربما يتحدد دور المنظمة بعد العودة بقدرتها على استعادة الثقة، وجعل التعدد الدبلوماسي أكثر اتساقاً، لا أكثر ازدحاماً، وهذا يقتضي أن تدار الوساطة بمنطق التكامل، لا بمنطق النفوذ المتنافس وتعدد المنابر.

مسارات محتملة

لا يتحدد مستقبل السودان في "إيغاد" بقدرة المنظمة على إنتاج مبادرة جديدة بقدر ما يتوقف على قدرتها على استعادة موقعها كمنصة جامعة، بعدما عادت الخرطوم إلى عضويتها الكاملة فيها، واستؤنفت الاتصالات المؤسسية وافتتحت بعثتها في الخرطوم. الاحتمال الأول هو أن تتحول "إيغاد" إلى نقطة تنسيق إقليمية داخل "الخماسية" التي تضم الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وعندها تكون قيمتها في توحيد المسارات لا في منافسة جدة أو القاهرة أو غيرهما. فقد كان تشتت الوساطات أحد عوائق التسوية، وأن المنظمة تعمل بالفعل على مواءمة جهود المبعوثين والوسطاء.

الاحتمال الثاني أن تنجح "إيغاد" في بناء مسار سوداني تدرجي، يبدأ بخفض التصعيد والممرات الإنسانية، ثم حوار سياسي أوسع تقوده قوى مدنية وعسكرية واجتماعية. قوة هذا الاحتمال أن المنظمة تملك القرب الجغرافي، والذاكرة التفاوضية، وخبرة متراكمة في إدارة النزاعات، ومشاورات أديس أبابا وبرلين الأخيرة، أظهرت إمكان إعادة جمع أطراف مدنية متباعدة حول أرضية أولية.

أما الاحتمال الثالث فهو أن تبقى "إيغاد" إطاراً للتنسيق أكثر منها مركزاً لصنع التسوية، إذا استمرت الحسابات المتعارضة للدول الأعضاء وتداخل النفوذ مع الصراع السوداني، وذلك لأن الوساطة الإقليمية لا تملك وحدها أدوات الضغط على الأطراف المسلحة أو رعاتها الخارجيين، وأن شرعية الوسيط تظل رهينة قبول المتحاربين به.

ثمّة احتمال رابع أكثر تركيباً، هو تسوية متعددة المستويات، تتقاسم فيها "إيغاد" و"الخماسية" وظائف مختلفة، من وقف إطلاق النار إلى الترتيبات الإنسانية ثم الانتقال السياسي. وفي هذا، لا تكون قوة "إيغاد" في احتكار الوساطة، بل في هندسة التوافق بين الوسطاء. ربما يقاس مستقبل المنظمة، بقدرتها على تحويل التعدد الدبلوماسي من مصدر للتنافس إلى بنية عمل واحدة، فالسودان لا يحتاج إلى وسيط إضافي بقدر ما يحتاج إلى نظام منسق للوساطة، واضح الأولويات، متدرج الالتزامات، ومحصن من تحويل الحرب إلى مشروع لتقاسم النفوذ.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل