ملخص
تبدو الخطوط العريضة للاتفاق وفق ما هو مذكور في منشور ترمب، بمثابة حل وسط يمنحه انتصاراً يمكنه التباهي به قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل، وفي الوقت نفسه يبدو من بيان فريدريكسن تبدد المخاوف في الدنمارك وغرينلاند في شأن سعى الولايات المتحدة لضم الجزيرة رسمياً كأراض تابعة لها.
بعد هدوء خيم على قضية جزيرة غرينلاند التي تحدث الرئيس الأميركي مراراً عن السيطرة الأميركية عليها، فاجأ دونالد ترمب العالم بالكشف عن التوصل إلى اتفاق مع الدنمارك وغرينلاند في شأن منح بلاده "سيطرة دائمة" على أمن الجزيرة، التي تعد جزء من الأراضي الدنماركية وتتمتع بحكم ذاتي.
ففي إعلان مفاجئ، كتب ترمب على منصة "تروث سوشال" أمس الجمعة "لقد أبرمت الولايات المتحدة اتفاقاً مع مملكة الدنمارك وغرينلاند يمنح الولايات المتحدة سيطرة دائمة على الأمن وجميع الحاجات الأخرى في غرينلاند، مما يعالج تماماً جميع مخاوفنا الأميركية العديدة. ولن تترتب على الولايات المتحدة أي تكلفة!"، واصفاً هذا الترتيب بأنه "اتفاق ذو أمد غير محدود"، محققاً بذلك انتصاراً في مسعاه الطويل لتوسيع النفوذ الأميركي داخل الإقليم الواقع في القطب الشمالي.
جاء الاتفاق بعد مفاوضات استمرت لأشهر خلف الكواليس بين مسؤولين من الولايات المتحدة وغرينلاند والدنمارك، سعياً لإيجاد حلول تعالج بعض المخاوف الأمنية التي أبداها ترمب في شأن هذه المنطقة التي يبلغ عدد سكانها نحو 56 ألف نسمة.
وخلال العام الماضي وحتى الأشهر الأولى من العام الحالي، أثارت تصريحات ترمب غضباً داخل الدنمارك وواجهت معارضة شديدة من حلفاء الناتو. وتراجع الاهتمام بالقضية وتوارت عن منشورات الرئيس الأميركي في الأسابيع الماضية، مع انشغال واشنطن بسلسلة من الأزمات وعلى رأسها الحرب العالقة مع النظام الإيراني.
هل حصل ترمب على "سيطرة دائمة" على غرينلاند؟
لم يكشف عن النص الرسمي للاتفاق الذي وصفته رئيسة الوزراء الدنماركية، ميتي فريدريكسن، بأنه "اتفاق جيد". وفي بيان مشترك مع قيادة غرينلاند، ووصفت الاتفاق بأنه "يعزز أمننا المشترك في منطقة القطب الشمالي وشمال المحيط الأطلسي، بالتالي فهو مفيد أيضاً لحلف الناتو وأوروبا، كما أنه اتفاق يعترف في الوقت نفسه بسيادة المملكة وسلامة أراضيها وبحق شعب غرينلاند في تقرير المصير".
تبدو الخطوط العريضة للاتفاق وفق ما هو مذكور في منشور ترمب، بمثابة حل وسط يمنحه انتصاراً يمكنه التباهي به قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وفي الوقت نفسه يبدو من بيان فريدريكسن تبدد المخاوف في الدنمارك وغرينلاند في شأن سعى الولايات المتحدة لضم الجزيرة رسمياً كأراضٍ تابعة لها.
وتباهى ترمب بالاتفاق في منشوره قائلاً "من الآن فصاعداً، لن يتمكن أي خصم للولايات المتحدة من إقامة قاعدة في غرينلاند، أو الوجود عسكرياً فيها، أو القيام باستثمارات حساسة هناك، دون موافقتنا الصريحة والمكتوبة". يأتي ذلك في وقت أعاد الصراع مع إيران، المستمر منذ ستة أشهر، تشكيل ملامح السباق الانتخابي، مقوضاً بذلك تعهد ترمب الانتخابي بتجنب الصراعات الخارجية، ومشكلاً تحدياً للجمهوريين الذين يتمسكون بأغلبيات ضئيلة في الكونغرس.
وفق تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو فإن الاتفاق يعالج "بصورة دائمة وكاملة" مخاوف واشنطن المتعلقة بالأمن القومي في ما يخص الجزيرة. وأضاف "ستظل غرينلاند إلى الأبد جزءاً من منطقة الدفاع الاستراتيجي لأميركا الشمالية، وستكون بمنأى عن أي خصم، هي والمنطقة المحيطة بها".
معاهدة 1951
تقع غرينلاند قبالة الساحل الشمالي الشرقي لكندا، وتقع أكثر من ثلثي أراضيها داخل الدائرة القطبية الشمالية. وأكسبها هذا الموقع أهمية بالغة في الدفاع عن أميركا الشمالية منذ الحرب العالمية الثانية، حين احتلت الولايات المتحدة الجزيرة لضمان عدم وقوعها في أيدي ألمانيا النازية ولحماية ممرات الشحن الحيوية في شمال المحيط الأطلسي.
وعلى رغم تصريحات ترمب المتكررة والحادة الموجهة إلى الدنمارك في شأن غرينلاند، فقد أوضح المسؤولون الدنماركيون مراراً استعدادهم للتعاون مع الولايات المتحدة لتوسيع الوجود العسكري الأميركي وتعزيز المصالح التجارية الأميركية في الجزيرة.
ومن غير الواضح مدى اختلاف هذا الاتفاق عن المعاهدة القائمة منذ عام 1951 بين الولايات المتحدة والدنمارك، والتي كانت تسمح بوجود عسكري أميركي واسع النطاق في الجزيرة. وتدير الولايات المتحدة قاعدة "بيتوفيك" الفضائية في شمال غربي غرينلاند منذ توقيع معاهدة الدفاع عن غرينلاند، وتدعم هذه القاعدة العسكرية عمليات الإنذار المبكر من الصواريخ والدفاع الصاروخي ومراقبة الفضاء لمصلحة الولايات المتحدة وحلف الناتو.
ووفق شبكة "سي أن أن" الأميركية، أفاد مسؤول أميركي بأن الاتفاق يمنح الولايات المتحدة "حقوقاً دائمة للوصول وإقامة قواعد عسكرية والتحليق الجوي" فوق الجزيرة. وأوضح أنه "في ظل الوضع السابق، كان من الممكن السماح لأي دولة، بما في ذلك الخصوم، ببناء قاعدة عسكرية في غرينلاند أو إرسال قوات إليها"، مضيفاً أن الاتفاق تضمن "وجود الآليات اللازمة لمنع الاستثمار في القطاعات الحساسة".
ضمان السيطرة في حالة الانفصال
وينص الاتفاق الذي توصلوا إليه على أن الدول الأعضاء في حلف الناتو فقط هي التي يمكنها إنشاء قواعد عسكرية في غرينلاند، وأن الدول الأعضاء في الناتو والاتحاد الأوروبي فقط هي التي يمكنها القيام باستثمارات حساسة هناك. ووفقاً لأشخاص مطلعين على المناقشات تحدثوا لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، فإن الاتفاق صُمم ليظل سارياً حتى في حال انفصال غرينلاند عن الدنمارك، لكنه لن يمنح الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) على قرارات غرينلاند، خلافاً لما لمح إليه ترمب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأوضح هؤلاء الأشخاص أن الاتفاق صيغ بطريقة تتيح للرئيس الأميركي إعلان الانتصار، مع مراعاة مخاوف الدنمارك وغرينلاند في شأن الحفاظ على سيادتهما في الإقليم في الوقت نفسه.
وتعد احتمالية استقلال غرينلاند أحد الأسباب التي جعلت ترمب يركز على ضمان ديمومة أي اتفاق. غير أن المسؤولين الدنماركيين ومن غرينلاند أشاروا إلى أن أي اتفاق غير قابل للتراجع عنه، ويتضمن قضايا أمنية وقواعد عسكرية لدولة ما على أراضي دولة أخرى، يثير أيضاً تساؤلات حول السيادة. وقال رئيس وزراء غرينلاند، ينس فريدريك نيلسن "إن الاتفاق يراعي مصالح غرينلاند ومكانتنا في إطار التعاون الدولي، فهي تصب في مصلحتنا جميعاً".
وشكك المستشار السابق لدي وزارة الحرب الأميركية الذي عمل على قضايا تتعلق بغرينلاند في "المجلس الأطلسي" عمران بيومي في تعليقات للصحيفة، في احتمال أن يحظى الاتفاق بقبول شعبي في غرينلاند، متسائلاً "ماذا سيكون رد فعل سكان غرينلاند؟ لم تترك واشنطن انطباعاً جيداً، إذ من غير المرجح أن تحظى هذه الصفقة، التي تتيح توسيع الوجود الأميركي دون منح سكان غرينلاند فرصة لإبداء رأيهم، وصورت في وسائل الإعلام الأميركية حتى الآن، بقبول شعبي".
ترحيب الناتو
وكانت مطالب الرئيس الأميركي بوضع غرينلاند تحت السيطرة الأميركية قد واجهت معارضة شديدة من حلفاء الناتو، لا سيما أن الدنمارك عضو في هذا التكتل القائم على مبدأ الأمن الجماعي. غير أن ترمب كان قد قلل من شأن هذه المخاوف، مصوراً الجزيرة على أنها ذات أهمية حيوية للدفاع ولما تملكه من موارد معدنية.
أثارت تصريحات ترمب في يناير (كانون الثاني) الماضي، لتسريع عملية الاستحواذ الأميركية مخاوف في أوروبا من أن تحاول الولايات المتحدة السيطرة على الجزيرة بالقوة، وهو ما كان سيمثل خطوة غير مسبوقة من أقوى عضو في حلف الناتو لغزو أراضي عضو آخر في الحلف نفسه. وقامت كل من بريطانيا والدنمارك وفرنسا وفنلندا وألمانيا وهولندا والنرويج والسويد بنشر قوات في المنطقة لإجراء مناورات عسكرية، في محاولة ضمنية بتقديم إجراء ردع استباقي. وسارع دبلوماسيون أوروبيون قلقون إلى التحرك في واشنطن، متخوفين من أنهم باتوا على شفا حرب مع الولايات المتحدة.
وصرح متحدث باسم الناتو اليوم السبت، بأن الحلف رحب بالاتفاق بين الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند، الذي من شأنه أن "يساعد في تعزيز الأمن والاستقرار والتعاون في هذه المنطقة الحيوية".
الثورة المعدنية لغرينلاند
وفي أعقاب الحرب الباردة، كانت منطقة القطب الشمالي إلى حد كبير ساحة للتعاون الدولي. وسعت روسيا لتوسيع وجودها العسكري في القطب الشمالي على مدى عقود، وعززت الصين حضورها هناك أيضاً. غير أن التغير المناخي يؤدي إلى ترقق الجليد في المنطقة، مما يمهد الطريق لفتح "ممر شمالي غربي" للتجارة الدولية، ويعيد إشعال المنافسة مع روسيا والصين ودول أخرى للوصول إلى الموارد المعدنية التي تزخر بها المنطقة.
ولا يقتصر اهتمام ترمب بغرينلاند بالجانب الأمني العسكري فحسب، إذ تعد الجزيرة مصدراً غنياً لما يعرف بـ"معادن الأرض النادرة"، وهي مكونات أساس في الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر والبطاريات وغيرها من الأجهزة عالية التقنية التي يتوقع أن تقود الاقتصاد العالمي في العقود المقبلة. وقد أثار هذا الأمر اهتمام الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى، في مسعاها للحد من هيمنة الصين على سوق هذه المعادن الحيوية.
ووفق معهد "تشاتام هاوس" البريطاني، فإن غرينلاند تحوي ثاني أكبر رواسب في العالم، وهي مهمة لصناعات التكنولوجيا المتقدمة، مع وجود احتياطات كبيرة من الزركونيوم والنيوبيوم.
وفي تعليقات سابقة لـ"اندبندنت عربية"، قالت المتحدثة الإقليمية باسم وزارة الخارجية الأميركية عن الصلة بين تحركات الرئيس الأميركي خارجياً واستراتيجية المعادن التي تتبناها إدارته، "لقد تعاونا مع غرينلاند على مدى العقد الماضي في مجال المعادن الحيوية، ونتطلع إلى تعزيز هذا التعاون. خلال العام الماضي، وقعت إدارة ترمب اتفاقات وأطلقت كثيراً من المبادرات المشتركة. نحن نرغب في ضمان تنوع مصادر المعادن الحيوية وتأمين سلاسل إمداد آمنة ومرنة في جميع أنحاء العالم، حتى تتمكن جميع اقتصاداتنا من الازدهار".
وفي ردها سابقاً على السؤال في شأن طمأنة الدول الشريكة بأن هذه الاتفاقات ذات منفعة متبادلة وليست استغلالية بطبيعتها، أشارت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية إلى أن السوق الدولية للمعادن الحيوية تعاني اليوم خللاً كبيراً. "فهي تفشل في خلق أسواق محلية أو توفير فرص عمل كريمة لقوى عاملة، وتفشل في ضمان أمن دولنا"، لذا "تؤمن إدارة ترمب بضرورة مواجهة هذه المشكلات، ونرغب في مواجهتها معاً. نسعى إلى تنويع مصادر الإمداد العالمية في سوق المعادن الحيوية، مع تعزيز شراكاتنا مع الدول التي تسهم معنا في هذا الجهد المشترك. هدفنا هو بناء سوق عالمية آمنة ومستقرة. نريد إمدادات عالمية مستدامة ومتاحة للجميع، لكل دولة، بأسعار معقولة. هذه أولوية قصوى لإدارة ترمب".
وتقول "واشنطن بوست" إن ترمب كثيراً ما سعى للاستحواذ على غرينلاند، معرباً عن قلقه إزاء الطموحات الصينية والروسية هناك، ومشيراً أيضاً إلى رغبته في السيطرة على الموارد المعدنية للإقليم. وتعود جذور هذه الفكرة إلى ولايته الأولى، حين أخبره صديق له من نيويورك، وهو رونالد لودر، عن الثروة المعدنية الهائلة التي تتمتع بها غرينلاند، والتي يقع جزء كبير منها تحت طبقات الجليد ويصعب استغلالها.