ملخص
التحركات الخارجية لترمب هي جزء من استراتيجية متكاملة للبيت الأبيض تهدف إلى توفير احتياطات ضخمة من المعادن الحيوية التي تستخدم في صناعات كبرى ليس أقلها السيارات والأسلحة والتكنولوجيا، كعامل أساس في مواجهة الهيمنة الصينية على سوق المعادن الحيوية. وسعت بكين بالفعل العام الماضي، إلى تقليص صادرات العناصر الأرضية النادرة، وهي فئة فرعية من المعادن الحيوية، خلال النزاعات التجارية مع الولايات المتحدة.
وسط صخب التصريحات وضجيج المؤتمرات الصحافية في البيت الأبيض وتغريدات وسائل التواصل الاجتماعي المثيرة ذات الألفاظ الحادة، ثمة كلمة ترددت في الزاوية، توارت قليلاً وسط زحام جعجعة الكلام، لكنها برزت بقوة في تحركات وقرارات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
فيمكن تفسير رغبة ترمب في الاستيلاء على جزيرة غرينلاند من خلال تلك الكلمة البراقة، وإن كان جزئياً. كما أن سلوكه الذي بدا في مستهل الأمر عدائياً ومنحازاً ضد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل عام عندما هدد بوقف الدعم الأميركي لأوكرانيا في حربها ضد روسيا، لم يكُن سوى جزء من حملة ضغط أميركية لإجبار كييف على التوقيع على اتفاق يقضي بوصول أميركي إلى المعادن الحيوية والمصادر الطبيعية الأخرى.
والتحركات الخارجية لترمب هي جزء من استراتيجية متكاملة للبيت الأبيض تهدف إلى توفير احتياطات ضخمة من المعادن الحيوية التي تستخدم في صناعات كبرى ليس أقلها السيارات والأسلحة والتكنولوجيا، كعامل أساس في مواجهة الهيمنة الصينية على سوق المعادن الحيوية. وسعت بكين بالفعل العام الماضي، إلى تقليص صادرات العناصر الأرضية النادرة، وهي فئة فرعية من المعادن الحيوية، خلال النزاعات التجارية مع الولايات المتحدة.
"مشروع فولت"
والأسبوع الجاري، أطلقت واشنطن مبادرة بقيمة 12 مليار دولار تهدف إلى تعزيز المخزونات المحلية من المعادن الاستراتيجية المهمة، وتنطوي المبادرة التي تعرف باسم "مشروع فولت" على جهود شراء المعادن وتخزينها لمصلحة الشركات الأميركية لإنشاء احتياط استراتيجي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وخلال تصريحات أدلى بها في البيت الأبيض أول من أمس الإثنين، شبّه ترمب هذا المشروع باحتياطات النفط الحكومية وغيرها من المخزونات الطارئة. وسيُمول هذا الاحتياط من خلال 1.67 مليار دولار من الأموال الخاصة وقرض بقيمة 10 مليارات دولار من بنك التصدير والاستيراد الأميركي.
وفي حديثه من المكتب البيضاوي، قدم ترمب هذا الإعلان كخطوة حديثة للولايات المتحدة لتطوير سلسلة توريد خاصة بها للمعادن الحيوية، بعد أن قلصت الصين صادرات مغناطيساتها العام الماضي، مما أدى إلى حدوث نقص في السيارات والروبوتات وأشباه الموصلات والمسيّرات وغيرها من المنتجات. وقال الرئيس الأميركي "على مدى العام الماضي، اتخذت إدارتي خطوات استثنائية لضمان أن تمتلك الولايات المتحدة كل المعادن الحيوية والنادرة التي نحتاج إليها".
قمة المعادن الحيوية و"باكس سيليكا"
تزامن الإعلان عن المشروع مع استضافة الخارجية الأميركية اجتماعاً وزارياً ضم وفوداً من أكثر من 50 دولة، هو الأول من نوعه، يتعلق بتعزيز الجهود الجماعية لتقوية سلاسل إمداد المعادن الحيوية.
وسبقت تلك الخطوات، إعلان تحالف "باكس سيليكا" مطلع ديسمبر (كانون الأول) عام 2025، وهي مبادرة أطلقتها الإدارة الأميركية بمشاركة تسع دول هي أميركا وإسرائيل وقطر والإمارات واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وبريطانيا وأستراليا، بهدف تعزيز التعاون بين الدول الحليفة والحد من الاعتماد على الدول المنافسة. وأعقب ذلك، الإعلان الأسبوع الماضي عن إبرام اتفاق مع تل أبيب لإقامة مجمع صناعي جنوب إسرائيل لتصنيع الرقائق الإلكترونية والحوسبة المتقدمة وتطوير الذكاء الاصطناعي، وهي خطوة من شأنها ضمان تأمين سلاسل التوريد في ظل تصاعد التنافس الصيني- الأميركي.
بكين تهيمن على الإنتاج
وتستخرج الصين 70 في المئة من المعادن النادرة في العالم، وتقوم بالمعالجة الكيماوية لـ90 في المئة من الإمدادات العالمية. وعندما فرضت إدارة ترمب أخيراً تعريفات جمركية عالية وقيوداً تكنولوجية أوسع، ردت بكين بإطلاق نظام ترخيص يمنحها السيطرة على شحنات المعادن النادرة حتى خارج الصين.
ويقول مراقبون إن هذا المستوى من التركيز يتعارض مع المنافسة السوقية، وأدى إلى ممارسات غير تنافسية وغير عادلة تُستخدم للضغط السياسي، ليس فقط على الدول الصغيرة، بل بصورة متزايدة على الولايات المتحدة ودول أوروبية كبرى. ويعكس ذلك سياسة صناعية صينية مستدامة ودعماً حكومياً غير شفاف واستعداداً لتحمل الخسائر من أجل تحقيق مكاسب استراتيجية طويلة الأمد.
وفي تعليقات لـ"اندبندنت عربية" قالت المتحدثة الإقليمية باسم وزارة الخارجية الأميركية إليزابيث ستكني، إن الولايات المتحدة وشركاءها يُدركون أهمية سلاسل التوريد الموثوقة والمتنوعة التي تُقلل من أخطار نقاط الضعف الاستراتيجية. "فاليوم، تتسم سوق المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة بتركزها الشديد في دول معينة، مما يجعلها أداة للضغط السياسي وتعطيل سلاسل التوريد، مما يُعرّض مصالحنا الحيوية للخطر. لذلك، نعمل على بناء مصادر جديدة للتوريد وتعزيز شبكات النقل والخدمات اللوجيستية الآمنة والموثوقة، وتحويل السوق العالمية إلى سوق آمنة ومتنوعة ومرنة بصورة كاملة".
"المعادن" هدف ترمب الأول
منذ الأشهر الأولى لوصوله إلى البيت الأبيض، جعل ترمب البحث العالمي عن المعادن الحيوية أولوية. ففي الـ20 من مارس (آذار) عام 2025، أعلن البيت الأبيض إجراءات لزيادة إنتاج المعادن الأميركية، وما تلاها من إطلاق المبادرات وإبرام صفقات ثنائية مع الدول للوصول إلى مواردها، بما في ذلك الصفقة المثيرة للجدل مع أوكرانيا التي تسمح للولايات المتحدة بالوصول الكامل إلى المعادن الحيوية في أوكرانيا بما في ذلك العناصر النادرة، ويتضمن نص الاتفاق 55 معدناً مثل التيتانيوم والليثيوم واليورانيوم، مع إمكان الاتفاق على مزيد منها.
وتصنف أوكرانيا من بين أكبر 10 من موردي المعادن الحيوية في العالم، إذ تمتلك نحو خمسة في المئة من إجمال الموارد المعدنية عالمياً، وتمتلك أيضاً أكبر احتياط للتيتانيوم في أوروبا بنسبة سبعة في المئة من الاحتياطات العالمية. ووفق معهد الجيولوجيا الأوكراني، فإن أوكرانيا تمتلك عناصر أرضية نادرة مثل النيوديميوم، الضروري لتوربينات الرياح وبطاريات السيارات الكهربائية، واللانثانوم والسيريوم، المستخدمين في تصنيع أجهزة التلفزيون والإضاءة، فضلاً عن الإربيوم والإيتريوم اللذين يمتد استخدامهما من الطاقة النووية إلى تقنيات الليزر.
وإضافة إلى ما تشكله جزيرة غرينلاند الدنماركية من أهمية أمنية للولايات المتحدة في إطار سباق القوى الكبرى في القطب الشمالي، فإن الجزيرة الواقعة ما بين المحيط المتجمد الشمالي وشمال المحيط الأطلسي، غنية بالموارد الطبيعية والنفط والغاز الطبيعي وكميات كبيرة من المعادن الأرضية النادرة مثل الليثيوم، إضافة إلى الزنك والرصاص والنحاس والذهب واليورانيوم والألماس والحديد. ووفق معهد "تشاتام هاوس" البريطاني، فإن غرينلاند تحوي ثاني أكبر رواسب في العالم، وهي مهمة لصناعات التكنولوجيا المتقدمة، مع وجود احتياطات كبيرة من الزركونيوم والنيوبيوم.
وبسؤال ستكني عن الصلة بين تحركات الرئيس الأميركي خارجياً واستراتيجية المعادن التي تتبناها إدارته، قالت "لقد تعاونا مع غرينلاند على مدى العقد الماضي في مجال المعادن الحيوية، ونتطلع إلى تعزيز هذا التعاون. خلال العام الماضي، وقّعت إدارة ترمب اتفاقات وأطلقت كثيراً من المبادرات المشتركة. نحن نرغب في ضمان تنوع مصادر المعادن الحيوية وتأمين سلاسل إمداد آمنة ومرنة في جميع أنحاء العالم، حتى تتمكن جميع اقتصاداتنا من الازدهار".
وفي ردها على السؤال في شأن طمأنة الدول الشريكة بأن هذه الاتفاقات ذات منفعة متبادلة وليست استغلالية بطبيعتها، أشارت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية إلى أن السوق الدولية للمعادن الحيوية تعاني اليوم خللاً كبيراً. "فهي تفشل في خلق أسواق محلية أو توفير فرص عمل كريمة لقوى عاملة، وتفشل في ضمان أمن دولنا"، لذا "تؤمن إدارة ترمب بضرورة مواجهة هذه المشكلات، ونرغب في مواجهتها معاً. نسعى إلى تنويع مصادر الإمداد العالمية في سوق المعادن الحيوية، مع تعزيز شراكاتنا مع الدول التي تُسهم معنا في هذا الجهد المشترك. هدفنا هو بناء سوق عالمية آمنة ومستقرة. نريد إمدادات عالمية مستدامة ومتاحة للجميع، لكل دولة، بأسعار معقولة. هذه أولوية قصوى لإدارة ترمب".
"المعادن" قضية استراتيجية كبرى
وتستهدف إدارة ترمب حماية الشركات الأميركية من تقلبات أسعار المواد الحيوية من خلال السماح لها بعقد التزامات شراء والوصول إلى المخزونات من دون الحاجة إلى تخزينها بصورة مستقلة. ويقول مدير برامج الأمن القومي لدى معهد السياسات الاستراتيجية الأسترالي جون كوين إن الاجتماع الوزاري للمعادن الحيوية الذي استضافته واشنطن يمثل إشارة واضحة إلى أن المعادن الحيوية انتقلت من كونها قضية قطاعية إلى مشكلة استراتيجية كبرى على مستوى الاقتصاد الكلي، ويمكن الافتراض أن روبيو سيستند إلى مجموعة "باكس سيليكا".
ويرى أن الحكومات تحتاج إلى تجاوز الإيمان بقدرة الأسواق على تصحيح نفسها ذاتياً وبالمؤسسات التقليدية الموروثة، وأن تتجه بدلاً من ذلك إلى بناء ترتيبات منضبطة ضمن مجموعات صغيرة من الدول، بهدف مواءمة السياسات العامة مع رأس المال الخاص، إذ أصبحت العناصر الأرضية النادرة وغيرها من المعادن الحيوية، الضرورية للأنظمة الدفاعية والطاقة النظيفة والتصنيع المتقدم والبنية التحتية الرقمية، مدمجة في أسواق لم تعُد فيها آليات اكتشاف الأسعار التقليدية أو توزيع الأخطار تعمل بصورة فاعلة. كما أن الدول التي لا ترغب في أن تكون معتمدة على الصين أو عرضة لقدرتها على حجب صادرات المعادن الحيوية كأداة ضغط، بما في ذلك أستراليا، ينبغي أن تسعى إلى ضمان أن يكون هذا الاجتماع الوزاري نقطة انطلاق وليس حدثاً لمرة واحدة.
وبات واضحاً الآن أن الجغرافيا والجيوسياسة بدأتا تتفوقان على الجيولوجيا في تحديد مخرجات الأمن الاقتصادي، فتركز قدرات معالجة المعادن يعرض الدول المستوردة للابتزاز واضطرابات الإمداد والضغط الاستراتيجي. لهذا السبب يقول كوين إن "التعاون المصغر" يدفع استجابة أكثر صدقية، اقتصادياً وأمنياً وسيادياً. فالتكتلات الصغيرة من الشركاء الموثوقين تستطيع مواءمة السياسات ورأس المال والصناعة بطرق تعجز عنها الأطر العالمية في الوقت الراهن.