ملخص
وصول قطع بحرية روسية إلى ميناء طبرق شرق ليبيا الخاضع إلى سيطرة قوات المشير خليفة حفتر محملة بمعدات عسكرية خلال الأيام القليلة الماضية وفق صور رصدها القمر الاصطناعي الأوروبي (Sentinel-2) أثار مخاوف غربية من تنامي الوجود البحري الروسي في ليبيا حيث يتخذ الفيلق الأفريقي الروسي (الذي حل محل مجموعة فاغنر ويتبع لوزارة الدفاع الروسية) نقطة انطلاق رئيسة نحو مالي وبوركينا فاسو وجمهورية أفريقيا الوسطى والنيجر التي تعد هي وليبيا نقطة رابطة بين شمال أفريقيا وجنوب الصحراء والساحل.
أطلت تحركات موسكو برأسها في الخاصرة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، مساحة توصف بـ"الحساسة" بالنسبة إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إذ تعدها دول مثل إيطاليا وإسبانيا الجناح الجنوبي للحلف، وتتمركز في هذه النقطة ليبيا التي تعد همزة وصل بين أفريقيا وحوض المتوسط.
وصول قطع بحرية روسية إلى ميناء طبرق شرق ليبيا الخاضع إلى سيطرة قوات المشير خليفة حفتر محملة بمعدات عسكرية خلال الأيام القليلة الماضية وفق صور رصدها القمر الاصطناعي الأوروبي (Sentinel-2) أثار مخاوف غربية من تنامي الوجود البحري الروسي في ليبيا، حيث يتخذ الفيلق الأفريقي الروسي (الذي حل محل مجموعة فاغنر ويتبع لوزارة الدفاع الروسية) نقطة انطلاق رئيسة نحو مالي وبوركينا فاسو وجمهورية أفريقيا الوسطى والنيجر التي تعد هي وليبيا نقطة رابطة بين شمال أفريقيا وجنوب الصحراء والساحل.
طموح قديم
يعود الطموح الروسي في الحصول على قاعدة بحرية في ليبيا إلى عام 1945 وتحديداً في مؤتمر بوتسدام، حين حاول زعيم الاتحاد السوفياتي جوزيف ستالين افتكاك الوصاية على إقليم طرابلس آنذاك، لكنه فشل.
ووعد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي روسيا عام 2008 بإمكان إقامة قاعدة بحرية في بنغازي (شرق) التي تطل على الضفة الجنوبية للمتوسط حيث تتمركز قوات "الأطلسي"، هدف مهد له الطريق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ سقوط نظام القذافي عام 2011 مستغلاً الفراغ الدبلوماسي الأميركي في ليبيا للامتداد أكثر تجاه أفريقيا.
في السياق قال المتخصص العسكري عادل عبدالكافي "في ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 تأكد أن طبرق الميناء الأكثر قدرة على احتضان قاعدة بحرية روسية بحجم قاعدة طرطوس، بخاصة أنه يعد من أهم الموانئ البحرية في شمال أفريقيا من ناحية العمق الذي يبلغ 15 متراً عند الرصيف"، وتابع أن "ذلك فعلاً ما تم التلميح إليه في يونيو (حزيران) عام 2020 عندما زار الطراد فارياغ والمدمرة مارشال شابوشنيكوف الروسيان مدينة طبرق الساحلية واستقبلهما ضباط البحرية الليبية".
نقاط ارتكاز
ويتوزع الوجود الروسي في ليبيا بصورة ملحوظة في كل من قاعدة "الجفرة" الجوية التي تعد مركزاً رئيساً لتحرك قوات الفيلق الأفريقي الروسي جوياً نحو عمق القارة الأفريقية، في حين تشكل قاعدة "القرضابية" (سرت) المتمركزة وسط ليبيا نقطة وصل لخطوط الإمداد العسكري.
وتوفر قاعدة "براك" الشاطئ عمقاً استراتيجياً في الجنوب الليبي لحركة الفيلق الأفريقي الروسي نحو دول الساحل والصحراء، ويبرز ميناء طبرق لاستقبال المعدات والآليات العسكرية الثقيلة عبر البحر قبل نقلها براً، ويمنح الساحل الليبي نقطة ارتكاز لروسيا على الضفة الجنوبية للمتوسط، إذ يوفر ميناء طبرق موقعاً بديلاً لقاعدة طرطوس السورية لتعزيز شبكة الإمداد العسكري في أفريقيا ويعتبر موطئ قدم في المياه المتوسطة الدافئة وورقة ضغط على الغرب باعتبار أن ليبيا تتربع على الحدود الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، مما يجعلها جغرافياً واستراتيجياً بمثابة البوابة الأساسية المطلة على "الجناح الجنوبي" لحلف شمال الأطلسي بخاصة بعد فقدان روسيا أجزاء من تمركزها في ميناء طرطوس السوري بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في ديسمبر عام 2024، وهي تطورات أثارت جدلاً حول مدى إمكان تحول طبرق إلى ورقة نفوذ روسية في مواجهة الحضور الغربي في المتوسط؟
عقدة إمداد
وعن القراءة العسكرية لوصول سفن روسية محملة بآليات مدرعة إلى ميناء طبرق شرق ليبيا تحت مرافقة سفينة إنزال تابعة للبحرية الروسية، قال عضو الهيئة الاستشارية لمركز الجامعة العربية للدراسات الأمنية مختار بالنصر إن المعطيات المتاحة اليوم تشير إلى وصول سفينتي شحن روسيتين إلى طبرق، ترافقهما سفينة إنزال روسية مع رصد ناقلات ومركبات مدرعة ومعدات لوجستية روسية، على رغم أن موسكو أو السلطات بالشرق الليبي لم تعلن رسمياً حتى الآن عن الجهة النهائية المستفيدة من الشحنة. وأوضح بالنصر "أن الدلالة الأهم عسكرياً لا تكمن في حجم الشحنة وحده، إنما في طريقة نقلها"، مشيراً إلى أن استخدام سفينة إنزال عسكرية لمرافقة سفن الشحن إلى جانب تكرار وصول شحنات روسية إلى طبرق، يوحي بأن موسكو تتعامل مع شرق ليبيا بصورة متزايدة باعتباره عقدة إمداد عسكرية ولوجستية، وليس مجرد سوق لتسليم معدات إلى قوات الشرق. ورأى أن "العربات المدرعة والشاحنات اللوجستية يمكن أن تخدم قوات الشرق مباشرة، لكن طبيعة القافلة البحرية ومسارها وانتظام عمليات النقل تفتح احتمالاً أوسع يتمثل في بناء سلسلة إمداد روسية تربط الساحل الليبي بالقواعد الجوية في الوسط والجنوب"، وأكد بالنصر أن الاحتمالين، أي كون الشحنة إمداداً لقوات الشرق أو جزءاً من ممر لوجستي روسي أوسع، لا يتعارضان، "إذ يمكن أن تكون الشحنة موجهة جزئياً إلى قوات الشرق، وفي الوقت نفسه تشكل جزءاً من بنية لوجستية روسية أوسع"، وقال "إن أهمية هذا الاحتمال تتزايد مع بروز تقارير عن تطوير موسكو بنية تحتية في قواعد جوية ليبية، بينها الجفرة والخادم وبراك الشاطئ ومعطن السارة وتمنهنت، وهي مواقع تمنح روسيا عمقاً يتجاوز شرق ليبيا نحو الجنوب الليبي ومنطقة الساحل الأفريقي"، ولفت بالنصر إلى أن طبرق نفسها تمثل العنصر الأكثر أهمية استراتيجياً "إذ يقدم الميناء لروسيا منفذاً بحرياً قريباً من المتوسط، فيما تسمح القواعد الجوية والطرق البرية بربط الساحل الأفريقي بالعمق الليبي، بما يمكن أن يشكل شبكة من ثلاث حلقات: البحر المتوسط، ثم طبرق، فالقواعد الجوية والبرية في وسط وجنوب ليبيا باتجاه الساحل الأفريقي"، وشدد على أن ذلك لا يعني أن كل شحنة تصل إلى طبرق متجهة تلقائياً إلى مالي أو النيجر أو السودان، منوهاً بأن المعلومات المتاحة حالياً لا تثبت الوجهة النهائية لهذه الشحنة تحديداً، إلا أن وجود بنية عسكرية روسية متنامية في ليبيا يجعل هذا الاحتمال قابلاً للبحث والتحقق.
دلالات التحرك
وحدد عضو الهيئة الاستشارية لمركز الجامعة العربية للدراسات الأمنية أربع دلالات عسكرية رئيسة للتحرك الروسي، "أولها الانتقال من الوجود البشري إلى الاستدامة اللوجستية"، مشيراً إلى أن القوة العسكرية لا تصبح ذات قدرة طويلة الأمد بمجرد وجود أفراد أو مستشارين، وإنما تحتاج إلى عربات وقطع غيار وذخائر ووقود ووسائل نقل وصيانة، وأن وصول معدات لوجستية ومدرعة بصورة بحرية منتظمة يمثل مؤشراً مهماً في هذا الاتجاه، أما الدلالة الثانية فتتمثل "في تأمين خط إمداد بحري مباشر، إذ إن استخدام سفينة إنزال عسكرية للمرافقة يعطي العملية طابعاً أكثر تنظيماً وحماية من شحنة تجارية عادية، وإن كان ذلك لا يثبت بحد ذاته وجود نية قتالية محددة"، ولفت إلى أن "الدلالة الثالثة تتمثل في ربط شرق ليبيا بالعمق الأفريقي"، قائلاً أيضاً "إذا استمرت المعدات في الانتقال من طبرق إلى الجفرة ثم إلى القواعد الجنوبية، يصبح من الممكن الحديث عن ممر لوجستي روسي عابر لليبيا، وليس مجرد دعم ثنائي لقوات الشرق، في حين تتلخص الدلالة الرابعة، في تغيير وظيفة ليبيا في الحسابات الروسية"، موضحاً أنه بعد تراجع أهمية سوريا كمحور روسي متوسطي عقب سقوط نظام الأسد ازدادت أهمية ليبيا المحتملة بالنسبة إلى موسكو كنقطة اتصال بين المتوسط وأفريقيا.
وخلص إلى أن ما يحدث في طبرق يمكن قراءته في مستويين متزامنين، "تكتيكياً، هناك إمداد عسكري ولوجستي يمكن أن يخدم قوات الشرق، واستراتيجياً، تكرار عمليات النقل البحري بالتوازي مع تطوير مواقع جوية في ليبيا يجعل فرضية إنشاء شبكة لوجستية روسية أوسع أكثر أهمية من مجرد صفقة سلاح واحدة"، وشدد على أن التقاء ثلاثة مؤشرات، هي تكرار الشحنات، وتطوير البنية التحتية، وانتقال المعدات نحو الجنوب، سيجعل توصيف النشاط باعتباره بناء ممر لوجستي روسي إقليمي أكثر اتساقاً مع الأدلة المتاحة.
ورقة نفوذ
وعلاقة بإمكان تحول طبرق إلى ورقة نفوذ روسية مهمة في المتوسط، وانعكاس ذلك على الجناح الجنوبي لحلف "الناتو"، استدرك بالنصر أن طبرق يمكن أن تتحول بالفعل إلى ورقة نفوذ روسية مهمة في المتوسط، لكن الأدق عسكرياً اعتبارها عقدة ضمن شبكة روسية أوسع في ليبيا، وليس قاعدة روسية مكتملة بحد ذاتها، متابعاً "المعطيات المتاحة تشير إلى أن موسكو تعمل على بناء منظومة مترابطة من القواعد الجوية والقدرات اللوجستية في شرق وجنوب ليبيا، في وقت يمثل ميناء طبرق منفذاً بحرياً لهذه الشبكة"، ولفت "إلى أن مشروع Tearline التابع للوكالة الوطنية للاستخبارات الجغرافية المكانية الأميركية وثق وجود خطط روسية للاستفادة من ميناء طبرق والقاعدة الجوية، مع استمرار مراقبة أي أعمال بنية تحتية أو رسو سفن روسية هناك"، وأشار بالنصر إلى أن أهمية طبرق ترتبط بموقعها الجغرافي أكثر من حجم منشآتها الحالية، "فهي تمنح روسيا منفذاً مباشراً إلى شرق المتوسط، وقريباً نسبياً من المجال البحري الإيطالي واليوناني، وفي الجناح الجنوبي لحلف ’الناتو‘"، ورأى أيضاً أن وصول سفن روسية تحمل آليات ومعدات عسكرية إلى طبرق في سبتمبر (أيلول) الجاري يعزز دلالة الميناء كجزء من خط الإمداد الروسي، وإن كان لا يثبت وحده إنشاء قاعدة بحرية روسية دائمة، وأكد أن الأهم هو النظر إلى طبرق ضمن منظومة "بحر - جو – بر، إذ يمكن لموانئ طبرق والقواعد الجوية مثل الخادم والجفرة وبراك الشاطئ وتمنهنت وغيرها أن تؤدي وظائف متكاملة، فالميناء للاستقبال والإمداد، والقواعد الجوية للنقل والانتشار، فيما يوفر العمق الليبي إمكان ربط المتوسط بمنطقة الساحل"، وأشار "إلى أن تقييم Tearline يذهب تحديداً إلى أن تطوير هذه البنية يمكن أن يدعم العمليات الروسية في شمال أفريقيا والساحل، مع الحفاظ على موطئ قدم مقابل الجناح الجنوبي لـ’الناتو‘".
منصة لوجستية
لكن بالنصر تحدث في الوقت عينه عن وجود فارق مهم بين ورقة نفوذ وقاعدة بحرية روسية مكتملة، موضحاً أن طبرق تعاني محدودية مرافق الصيانة والأرصفة والمنشآت العسكرية المتخصصة، وعدم وجود حوض جاف، مما يجعل تحويلها سريعاً إلى قاعدة دائمة للأسطول الروسي أمراً تقنياً ولوجستياً صعباً، وبناء على ذلك، رأى "أن السيناريو الأكثر واقعية على المدى القريب يتمثل في استخدام طبرق كمحطة إسناد وإمداد واستقبال للسفن ضمن شبكة ليبية أوسع، قبل الحديث عن تمركز بحري روسي دائم وكامل"، ومن منظور غربي، "الحساسية تكمن في أن روسيا لا تحتاج بالضرورة إلى إنشاء طرطوس جديدة في طبرق لتحقيق أثر استراتيجي، فبمجرد امتلاك وصول منتظم إلى ميناء على الضفة الجنوبية للمتوسط، تزامناً مع شبكة جوية في ليبيا، يمنح موسكو قدرة أكبر على الحركة والمناورة والضغط السياسي والأمني"، مضيفاً أن ذلك يفسر سبب مراقبة إيطاليا والاتحاد الأوروبي للتحركات الروسية في المنطقة، مشيراً إلى أن عملية "إيريني" EUNAVFOR MED IRINI تراقب الموانئ والمطارات والرحلات المشبوهة في إطار مهمتها المتعلقة بليبيا والأمن البحري المتوسطي.
أضاف "السؤال الاستراتيجي الأهم ليس: هل ستصبح طبرق قاعدة روسية؟ بل: هل تتشكل حول طبرق شبكة روسية متكاملة تجعل شرق ليبيا منصة لوجستية دائمة بين المتوسط والساحل؟ استمرار أعمال تطوير البنية التحتية، وتكرار زيارات السفن الروسية، وظهور منشآت صيانة وتخزين واتصالات ودفاع جوي مرتبطة بالميناء والقاعدة الجوية، سيجعل طبرق تنتقل من مجرد ميناء تستخدمه روسيا إلى أداة نفوذ جيواستراتيجي على الضفة الجنوبية للمتوسط، بما يفرض على أوروبا والناتو التعامل مع شرق ليبيا ليس فقط كملف ليبي داخلي، وإنما كجزء من معادلة الأمن المتوسطي الأوسع".
رفع التأهب
وعن مدى تأثير وصول قطع بحرية روسية إلى ميناء طبرق شرق ليبيا على حسابات "الناتو"، قال عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة "نالوت" إلياس الباروني "إن أهمية طبرق بالنسبة إلى حلف ’الناتو‘ لا تتعلق بمجرد وصول شحنة عسكرية روسية إلى ميناء ليبي، وإنما بموقعها الجغرافي داخل المعادلة الأمنية للمتوسط، فطبرق تقع في أقصى شرق ليبيا وعلى مسافة قريبة نسبياً من السواحل اليونانية والإيطالية، مما يجعلها تتحول من ميناء يستقبل شحنات متقطعة إلى عقدة لوجستية روسية مستدامة ذات دلالة استراتيجية مختلفة"، مضيفاً "أن النشاط الروسي في ليبيا لم يعد محصوراً في وجود عناصر أو نقل معدات، بل يترافق، وفق تقارير حديثة، مع تطوير بنية تحتية في عدد من القواعد الجوية الليبية، بما قد يوسع قدرة روسيا على العمل في شمال أفريقيا والساحل"، و"انطلاقاً مما ذكر سابقاً لا ينظر ’الناتو‘ إلى طبرق باعتبارها ميناء منفرداً، وإنما كنقطة محتملة ضمن شبكة أوسع تربط روسيا بشرق ليبيا وجنوبها والساحل الأفريقي"، وفق الباروني الذي أشار "إلى أن هذا التطور لن يغير استراتيجية ’الناتو‘ بصورة فورية، لكنه سيرفع مستوى الإلحاح في التعامل مع النشاط الروسي، خصوصاً أن الحلف وسع اهتمامه بالجناح الجنوبي، مع تركيز متزايد على الجوار الجنوبي وشمال أفريقيا والساحل ومواجهة نفوذ المنافسين الجيوسياسيين، ومن ثم فإن وصول المعدات الروسية إلى طبرق لا يخلق المشكلة من الصفر، وإنما ينقلها إلى مستوى أكثر حساسية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ورأى أن العامل الأكثر أهمية هو طبيعة الاستخدام الروسي للميناء، "فإذا بقيت الشحنات مجرد عمليات نقل معدات إلى قوات ليبية، فسيكون تأثيرها محدوداً نسبياً، أما تكرار الإمداد البحري، والاستخدام المنتظم للميناء، وإنشاء مرافق صيانة أو اتصالات واستطلاع، أو تمركز سفن روسية فترات أطول، فستغير الحسابات بصورة كبيرة، لأن أهمية الميناء عندها ستتجاوز الشحنة العسكرية نفسها"، وتابع الباروني بالنسبة إلى إيطاليا واليونان "أن القضية تصبح أوروبية وأطلسية في الوقت ذاته، نظراً إلى موقع طبرق ضمن المجال البحري لجنوب أوروبا، كذلك فإن موانئ شرق ليبيا، لا سيما طبرق وبنغازي، يمكن نظرياً أن تكون ذات أهمية للأسطول الروسي في المتوسط، مع وجود قيود تقنية حالية في طبرق، بينها محدودية مرافق الصيانة والإمكانات البحرية مقارنة بقاعدة بحرية متكاملة"، ولفت إلى أن السيناريو الأكثر واقعية ليس بالضرورة إنشاء قاعدة روسية كبرى في طبرق، وإنما تطور تدريجي من ميناء استقبال إلى نقطة إسناد لوجستي، ثم إلى عقدة عسكرية ذات قيمة استراتيجية، لذلك فإن ما تجب مراقبته ليس فقط وجود قاعدة روسية معلنة، وإنما طبيعة الاستخدام المنتظم للبنية التحتية الليبية".
الردع الهادئ
واعتبر الباروني أن فصل طبرق عن الساحل الأفريقي سيؤدي إلى قراءة ناقصة للمشهد، "لأن روسيا لا تنظر إلى ليبيا باعتبارها مسرحاً متوسطياً وحسب، فالبنية الليبية يمكن أن تخدم التحركات الروسية باتجاه الساحل، مع وجود صلات لوجستية محتملة نحو تشاد والنيجر ومالي، مما يجعل ليبيا بالنسبة إلى موسكو بوابة بحرية شمالية ومنصة جوية وممراً نحو أفريقيا. هذه المعادلة تمنح ليبيا قيمة مزدوجة، فهي بالنسبة إلى روسيا نقطة اتصال بين المتوسط وأفريقيا، بينما تعني بالنسبة إلى ’الناتو‘ ارتباط أمن المتوسط بجنوب أوروبا وشمال أفريقيا والساحل، لهذا فإن أهمية التطورات في ليبيا بالنسبة إلى الأمن الأوروبي تتجاوز الأزمة السياسية والأمنية الداخلية".
أما في شأن رد "الناتو" فرجح الباروني أن يبدأ بالاستطلاع والمراقبة بدلاً من نشر قوات قتالية كبيرة، من خلال زيادة طلعات الاستطلاع الجوي والبحري، ومراقبة السفن وطرق الإمداد والموانئ والمطارات والقواعد الجوية، إلى جانب تعزيز التعاون مع إيطاليا واليونان ومالطا والاتحاد الأوروبي ودول الجوار الليبي، ورفع مستوى تبادل المعلومات حول النشاط الروسي في ليبيا والساحل.
وأكد أن روسيا قد لا تحتاج إلى إنشاء قاعدة بحرية كاملة في طبرق لتحقيق مكاسب استراتيجية، "إذ قد يكفيها الوصول والإمداد والمعلومات والمرافق اللوجستية وحرية الحركة، لذلك فإن السؤال الأكثر أهمية بالنسبة إلى الناتو، ليس فقط: هل توجد قاعدة روسية في طبرق؟ وإنما: إلى أي مدى تستطيع روسيا استخدام البنية التحتية الليبية بصورة منتظمة لدعم عملياتها في المتوسط وأفريقيا؟".
ولفت الباروني إلى العامل الليبي الداخلي، مؤكداً أن روسيا لا تتحرك في فراغ، وأن وجودها مرتبط بعلاقاتها مع القوى المسيطرة في شرق ليبيا، وأشار "إلى استمرار التعاون العسكري الروسي مع حفتر، بما في ذلك لقاء صدام حفتر مع القيادة الروسية في موسكو في أغسطس (آب) الماضي لمناقشة تعميق التعاون العسكري، مما قد يجعل الشرق الليبي مجالاً للتنافس غير المباشر بين روسيا والدول الغربية عبر النفوذ والموانئ والطاقة والتسليح والقواعد والمعلومات والتحالفات المحلية".
فيلق أفريقيا
وختم الباروني بتأكيد أن تحول ليبيا إلى ساحة مواجهة روسية - أطلسية ليس سيناريو حتمياً، "إذ توجد مسافة بين التنافس الاستراتيجي والمواجهة العسكرية، وقد يكون الرد الغربي أقرب إلى ردع هادئ. ويقسم التطور المحتمل إلى أربعة مستويات: شحنة عسكرية موقتة ذات تأثير محدود، ثم ممر لوجستي روسي منتظم يرفع مستوى المراقبة، فعقدة لوجستية تستدعي تعزيز الاستطلاع والوجود البحري، وصولاً إلى تمركز روسي دائم قد يغير حسابات الجناح الجنوبي لـ’الناتو‘"، وشدد على أن العامل الحاسم ليس كمية السلاح التي تصل إلى طبرق، وإنما ما إذا كانت الشحنات جزءاً من مشروع بنية تحتية عسكرية طويل الأمد، "فإذا ترافقت مع تطوير الميناء والقواعد الجوية، وزيادة الرحلات العسكرية الروسية، وترسيخ وجود فيلق أفريقيا وترتيبات بحرية طويلة الأمد، فقد تتحول طبرق من نقطة استقبال للسلاح إلى نقطة ارتكاز للوجود الروسي في جنوب المتوسط".