ملخص
بينما تضطر أسر إلى بيع ممتلكاتها لتأمين كلف العلاج والأدوية، امتدت أزمة الأجور إلى أساتذة الجامعات وسط ارتفاع حاد في أسعار الغذاء والدواء والمستلزمات الصحية وتراجع متواصل في القدرة الشرائية.
بالتزامن مع تفاقم ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأدوية والعلاج والمستلزمات الصحية، أقر محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس مسعود بزشكيان، بأن استمرار الحياة بالنسبة إلى أصحاب الرواتب لم يعد ممكناً في ظل زيادة الأجور بنسبة 20 في المئة ومستويات التضخم الحالية. وجاءت هذه التصريحات في وقت أعلنت فيه وزارة العمل، بعد أسابيع من المماطلة، عن عقد اجتماع للمجلس الأعلى للعمل لبحث الأوضاع المعيشية والقوة الشرائية للعمال.
واعتذر عارف من المواطنين الخميس الـ17 من سبتمبر (أيلول) الجاري خلال اجتماع الهيئة المهنية لرابطة أساتذة الجامعات الإيرانية، وقال إن الحكومة تشعر بالخجل لأن دخل الأسر ونفقاتها، ولا سيما أصحاب الرواتب، لم يعودا متناسبين. وأضاف، "لا يمكن أن يبلغ التضخم 40 في المئة، فيما لا تتجاوز زيادة الرواتب خلال العامين الأخيرين 20 في المئة. وإذا تجاوز التضخم هذا العام 60 أو 70 في المئة، وزدنا الرواتب بنسبة 20 في المئة، فلن يكون من الممكن الاستمرار في الحياة".
ومع ذلك، فإن حديث عارف عن تضخم بنسبة 40 في المئة خلال العامين الأخيرين لا يتطابق مع واقع الأسواق، ولا حتى مع الأرقام الرسمية وشبه الرسمية المنشورة خلال الأشهر الأخيرة. ووفقاً للبيانات المنشورة في أغسطس (آب) الماضي، بلغ معدل التضخم على أساس سنوي نحو 89 في المئة، فيما وصل تضخم أسعار المواد الغذائية إلى نحو 127 في المئة. وتضاعفت أسعار بعض السلع الأساسية بأكثر من مرتين خلال العام الماضي، ولم تعد أجور العمال تكفي لتغطية كلف الغذاء وإيجار المسكن والعلاج لأسرة واحدة.
وتشير تقديرات ناشطين عماليين إلى أن الحد الأدنى لكلف معيشة أسرة عامل تجاوز 92 مليون تومان (418 دولاراً) شهرياً، في حين يبلغ إجمال دخل العامل المتزوج ولديه طفل واحد نحو 24 مليوناً و900 ألف تومان (113 دولاراً). وبذلك، لا يغطي الراتب الشهري للعمال سوى نفقات نحو 8 أيام من الحد الأدنى لكلف المعيشة.
وعزا النائب الأول لبزشكيان جزءاً كبيراً من الأزمة الراهنة إلى الضغوط الخارجية والعقوبات، من دون الإشارة إلى دور السياسات الاقتصادية للحكومة وارتفاع سعر الصرف وتحرير الأسعار وتراجع قيمة العملة الوطنية، فضلاً عن سياسات النظام الإيراني الداعية إلى الحرب. وأكد في الوقت نفسه أن الحكومة لا تريد تعويض العجز الجاري من خلال بيع النفط الخام أو استخدام الموارد التي تعود إلى الأجيال المقبلة، لكنه لم يوضح كيف يمكن لأصحاب الرواتب، الذين تقل دخولهم عن ثلث كلف المعيشة، تحمل نفقاتهم اليومية.
وجاءت تصريحات النائب الأول لبزشكيان بعد يوم من نشر تقرير أظهر أن وزارة التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي تجاهلت لأسابيع وعدها بتشكيل لجنة الأجور ومراجعة تعديل الرواتب. وكان اجتماع المجلس الأعلى للعمل في مطلع سبتمبر أقر تشكيل لجنة للأجور بهدف إعادة النظر في مؤشرات الرواتب وإعادة احتساب سلة المعيشة، إلا أنه لم تُوجَّه، حتى بعد مرور نحو ثلاثة أسابيع، أي دعوة لعقد اجتماع اللجنة.
وأعلنت وزارة العمل الآن أن الاجتماع الـ345 للمجلس الأعلى للعمل سيعقد اليوم السبت. وتشمل الموضوعات المعلنة على جدول أعمال الاجتماع بحث أوضاع المنشآت الإنتاجية ومعيشة القوى العاملة، وإيجاد سبل للحد من آثار التضخم في سلة المعيشة والقوة الشرائية للعمال، إلى جانب دراسة آليات التنفيذ في المحافظات والقطاعات الصناعية المختلفة.
ويتوقع ممثلو العمال أن يُفضي الاجتماع إلى زيادة الأجور خلال النصف الثاني من العام، إلا أن الحكومة لم تلتزم حتى الآن تعديل الرواتب. وتظهر تجارب الأعوام الماضية أن اجتماعات المجلس الأعلى للعمل تنتهي عادةً بوعود بإجراء مزيد من الدراسات وتقديم تقارير متخصصة، من دون زيادة فعلية في الأجور.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولم تعد الضغوط المعيشية تقتصر على الغذاء والسكن، إذ أصبحت كلف العلاج أيضاً أحد العوامل الرئيسة التي تدفع أسر العمال والمتقاعدين إلى مزيد من الفقر. وفي هذا السياق، يبدو وضع مرضى السرطان أكثر سوءاً بكثير. ففي إحدى الحالات، أعلن المدير التنفيذي للجمعية الخيرية لدعم مرضى السرطان في كرمانشاه أن بعض الأسر باعت ثلاجاتها وأجهزة التلفزيون لشراء الأدوية، فيما توقف عدد من المرضى عن تناول أدويتهم بسبب عجزهم عن تحمل كلفها.
وبحسب قوله، هناك أسرة عمالية أصيب ثلاثة من أفرادها بالسرطان، وقد تصل كلفة أدوية كل مريض إلى ما بين 40 و50 مليون تومان (182 و227 دولاراً) شهرياً. ويتعين على المرضى المشمولين بالتأمين الاجتماعي دفع نحو 39 مليون تومان (177 دولاراً) من أموالهم الخاصة لإجراء فحص PET Scan، ثم مراجعة مؤسسة التأمين لاسترداد المبلغ، وهو مبلغ يتجاوز إجمال الراتب الشهري لكثير من العمال والمتقاعدين.
وفي الوقت نفسه، شهدت أسعار المستلزمات الصحية البسيطة قفزات غير مسبوقة. فعلى سبيل المثال، يظهر أحدث رصد لموقع "تجارت نيوز" أن الحد الأعلى لسعر فرشاة الأسنان ارتفع من 600 ألف تومان (2.73 دولار) عام 2024 إلى تسعة ملايين و400 ألف تومان (42.73 دولار) عام 2026، بزيادة تجاوزت 1466 في المئة. وارتفع الحد الأعلى لسعر معجون الأسنان من 350 ألف تومان (1.59 دولار) إلى مليون و100 ألف تومان (5 دولارات)، فيما زادت أسعار خيط تنظيف الأسنان في بعض الأنواع بنسبة وصلت إلى 207 في المئة.
وامتدت أزمة الأجور إلى حد دفع أساتذة الجامعات إلى الاحتجاج. فقد أعلن المجلس النقابي لأعضاء الهيئة التدريسية في جامعة شيراز تعليق جميع الأنشطة التعليمية والبحثية والتنفيذية، اعتباراً من السبت الـ19 من سبتمبر (أيلول) الجاري وحتى إشعار آخر. وعزا المجلس قراره إلى تجاهل منظمة التخطيط والموازنة الحقوق القانونية لأعضاء الهيئة التدريسية.
وتظهر مجمل التطورات الأخيرة أن أزمة المعيشة تجاوزت العمال والمتقاعدين، لتشمل الأوساط الجامعية والمرضى وموظفي الدولة أيضاً. وفي ظل هذه الظروف، فإن مجرد اعتذار النائب الأول للرئيس بزشكيان وإقراره باستحالة الاستمرار في الحياة بالرواتب الحالية، من دون زيادة فورية في الأجور وضبط فعلي للأسعار، لن يحدث عملياً أي تغيير في الحياة اليومية لملايين الأسر.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"