Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما وراء الأزمات القلبية المفاجئة للرياضيين؟

ازدادت خلال السنوات الأخيرة حالات الوفاة والاعتزال وظهرت تساؤلات حول دور التدريبات القاسية والمنافسات المستمرة

لاعبو بافلو بيلز في حالة صدمة بعد توقف قلب زميلهم دامار هاملين (أ ب)

وسط ليلة كروية أوروبية هادئة وحضور جماهيري اقترب من 14 ألف مشجع في مدرجات ملعب "باركن ستاديوم" بالعاصمة الدنماركية كوبنهاغن، جاؤوا لمؤازرة منتخبي الدنمارك وفنلندا في أولى مباريات المجموعة الثانية ببطولة الأمم الأوروبية "يورو 2020"، وقبل وقت قصير من نهاية الشوط الأول، فاجأ نجم المنتخب الدنماركي كريستيان إريكسن (30 سنة) الجموع الحاضرة في الملعب وملايين المتابعين عبر الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، بسقوطه أرضاً إثر تعرضه لأزمة قلبية كادت تودي بحياته على الفور، في مشهد درامي أطلت خلاله الرياضة بوجهها القبيح الذي يظهر أحياناً.

حادثة إريكسن - الذي تعافى لاحقاً وعاد أعلى مستويات كرة القدم - لم تكن الأولى ولا الأخيرة لكنها كانت الأشهر والأقرب لأذهان الجماهير التي رأت لاعباً محترفاً في أوج لحظات تألقه وتفوقه البدني ثم في المشهد التالي مباشرة تمدده على أرضية الملعب فاقداً الوعي يصارع من أجل البقاء على قيد الحياة، وسط فريق طبي يعمل بأسرع ما يمكن على إنعاش قلبه الذي توقف عن العمل.

في ليلة الاثنين الثالث من يناير (كانون الثاني) الحالي، كان مجتمع كرة القدم الأميركية مع صدمة مماثلة حين سقط أرضاً دامار هاملين لاعب نادي بافلو بيلز، بعد تدخل قوي من مهاجم المنافس سينسيناتي بنغلس، تي هيغنز، أثناء محاولة اختراق دفاع بافلو.

وتعرض اللاعب البالغ من العمر 24 سنة إلى سكتة قلبية فورية استدعت تدخل الفريق الطبي لتنفيذ عملية إنعاش قلبي رئوي قبل نقله إلى المستشفى في حالة حرجة وظل بالمستشفى لعدة أيام.

وخلال التاريخ الطويل للرياضة الاحترافية توفي مئات اللاعبين أثناء التدريبات والمباريات وآخرين أجبروا على الاعتزال خوفاً على حياتهم مثل المهاجم الدولي الأرجنتيني السابق سيرجيو أغويرو (34 سنة)، الهداف التاريخي لنادي مانشستر سيتي الإنجليزي، الذي منعه مرض مفاجئ في القلب من استكمال مشواره مع نادي برشلونة الإسباني بعد أشهر قليلة من انتقاله إليه.

وتسببت الحوادث المتتالية للاعبين والمدربين في شتى مجالات الرياضة الاحترافية في تساؤلات حول ماهية وأسباب التأثيرات أو الأمراض التي قد تصيب قلوب الرياضيين على رغم الاهتمام الصحي المكثف بهم وخضوعهم شبه الدائم لبرامج تغذية محددة وتدريبات يومية متوسطة وعالية الأحمال وفحوصات دورية، وهي أشياء يصعب على الأفراد العاديين الالتزام بها من أجل تحسين صحتهم العامة.

ويبقى التكرار المتتالي للوفيات والإصابات القلبية المفاجئة لدى الرياضيين الشباب (الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة) مشكلة تؤرق اللاعبين أنفسهم والأندية والمجتمع الطبي والبحثي.

وكانت دراسة بريطانية أجريت على 11 ألف لاعب كرة قدم شاب في بريطانيا على مدار 20 سنة، حذرت من أن أعداد وفيات الرياضيين بسبب أمراض القلب أكبر مما كان متوقعاً، حيث كانت تشير التقديرات إلى أن اثنين من بين كل 100 ألف رياضي يتعرضون للموت لأسباب متعلقة بأمراض القلب، بينما كشفت الدراسة التي نشرت عام 2018 أن العدد الأقرب يصل إلى سبعة رياضيين من بين كل 100 ألف.

وأرجعت الدراسة تزايد مخاطر وفاة الرياضيين المحترفين بأمراض القلب إلى الضغط الشديد الذي يحدث لقلوب اللاعبين في التدريبات المكثفة والمباريات المتتالية وضغط المواسم التنافسية من دون فترات راحة كافية، وأن زيادة إفراز هرمون الأدرينالين قد يكون سبباً في أمراض القلب المفاجئة.

ويعد الأدرينالين ناقلاً عصبياً تفرزه غدة الكظر، ويعمل على زيادة نبض القلب وانقباض الأوعية الدموية لتحضير الجسم للقيام بأعمال ينتج منها إجهاد وانفعال شديد مثل التدريبات والمنافسات الرياضية.

وتشير دراسة أجراها الطبيب الأميركي باري جيه مارون، مدير مركز اعتلال عضلة القلب الضخامي بمؤسسة معهد مينيابوليس للقلب، والتي نشرها عبر دورية نيو إنغلاند جورنال أوف ميديسين، إلى أنه على رغم أن إجمالي عدد الرياضيين المعرضين بشكل عام لخطر الوفاة المفاجئة منخفض للغاية، فإن عدداً من أمراض القلب والأوعية الدموية الخلقية قد تتسبب في ذلك ولا يكون الكشف عنها سريرياً أمراً سهلاً.

وأكدت الدراسة أن اعتلال عضلة القلب، هو السبب الأول لوفيات الرياضيين في السنوات الأخيرة، أما السبب الثاني الأكثر شيوعاً للوفيات المفاجئة في المجال الرياضي هو التشوهات الخلقية في الشريان التاجي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال طبيب المنتخب المصري الأول لكرة القدم محمد أبو العلا لـ"اندبندنت عربية"، "على رغم خضوع الرياضيين للفحوص الطبية الدورية لكن يصعب التنبؤ بحالات التوقف القلبي المفاجئ".

وفرق أبو العلا بين حالتين شهيرتين في الآونة الأخيرة حيث أضاف، "بالنسبة لحالة الدنماركي إريكسن الذي عاد للعب في الدوري الإنجليزي من بوابة برينتفورد ثم انتقل إلى مانشستر يونايتد، فكان تشخيص حالته هو التوقف المفاجئ لعضلة القلب، لذلك خضع لعملية تركيب جهاز لتنظيم حركة القلب، أما أغويرو الذي أُجبر على الاعتزال فهو يعاني من اضطرابات في كهرباء القلب وهذه حالة يصعب السيطرة عليها بخاصة في ظل المجهود الكبير الذي تتطلبه رياضة كرة القدم".

وعن حالة لاعب كرة القدم الأميركية دامار هاملين، قال، "هذه حالة مختلفة تماماً، يمكن وصفها بأنها كدمة قوية في عضلة القلب تسببت في توقفها نتيجة الضربة الشديدة التي تعرض لها اللاعب".

وعن طرق الوقاية من هذه الحالات المميتة قال أبو العلا، "بالطبع تبرز أهمية الفحوص الدورية لكن الأهم وجود خطط لمواجهة هذه المواقف عبر التدخل الطبي السريع والمحترف مثلما حدث في حالاتي إريكسن وهاملين".

"هذه الحالات تحدث وستظل تحدث ولا يمكن منعها في ظل زيادة الجهود المبذولة في التدريبات والمباريات وتحول الرياضة إلى الجانب البدني بدرجة أكبر مما كانت، لكن يمكن ترقب هذه الحالات بمزيد من التجهيز لوقوعها ومعرفة كيفية التعامل معها سريعاً لإنقاذ المصابين في مراحل مبكرة".

وتضيف الدراسة الأميركية أن التدريب المنهجي للرياضيين، سواء في تدريبات التحمل الديناميكية أو الهوائية أو الرياضات متساوية القياس بأنواعها تزيد من زيادة كتلة القلب وتعيد البناء الهيكلي له، ويعتبر هذا الشكل الفسيولوجي للتضخم في قلب الرياضي تكيفاً حميداً مع التدريب المنتظم مع عدم وجود عواقب سلبية على القلب والأوعية الدموية.

وتشمل التغييرات الناتجة تضخم وزيادة حجم غرف البطين مصحوباً - في بعض الأحيان - بزيادة سمك جدار البطين الأيسر وزيادة في حجم جدار البطين الأيسر والأذين الأيسر مع الحفاظ على الوظيفة الانقباضية والانبساطية.

ويختلف حجم الزيادات الفسيولوجية في كتلة القلب باختلاف الرياضة لكن يبقى للعوامل الوراثية دور في هذه العملية.

وتضيف الدراسة أن التغيرات الشديدة في أبعاد القلب الواضحة لدى بعض الرياضيين أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت مثل هذه التكيفات المرتبطة بالتمرينات هذه تغيرات حميدة حقاً أم مرضية.

وضربت الدراسة مثالاً بأن حوالى 15 في المئة من الرياضيين المدربين تدريباً عالياً يعانون من تضخم مذهل في تجويف البطين الأيسر على غرار ما يحدث في حالات اعتلال عضلة القلب التوسعي، ويصعب تمييزه عن الحالات المرضية.

وترجع أول حالة وفاة مسجلة لرياضي بسبب نوبة قلبية، إلى 27 أكتوبر (تشرين الأول) 1906، حين تعرض المهاجم البريطاني ديفيد ويلسون، لاعب ليدز سيتي إلى إعياء شديد وآلام في الصدر وغادر الملعب خلال الشوط الثاني ثم عاد بعد دقائق لإكمال المباراة وسرعان ما انهار واضطر الفريق الطبي إلى نقله لغرفة تبديل الملابس حيث توفي سريعاً على رغم الجهود المبذولة لإنعاشه، وأثبت التشريح لاحقاً أن الوفاة سببتها نوبة قلبية.

المزيد من رياضة