ملخص
منعت أوروبا الأرشيدوقة ماري تيريز من أن تعلن نفسها إمبراطورة على النمسا وهنغاريا، وتواصل ذلك المنع حتى وصول ابنها جوزيف الثاني إلى ذلك العرش الإمبراطوري. لكن الأرشديدوقة خلفت إمبراطورية قوية، كما خلفت خمسة صبيان و11 فتاة، من بينهن ماري أنطوانيت التي ستصبح ملكة فرنسا وتموت تحت المقصلة
عندما تحدث الإمبراطور الروسي فردريك الثاني ذات يوم عن آل هابسبورغ الذين كانوا يحكمون تلك الإمبراطورية المرعبة والفسيحة التي كانت واحدة من أقوى إمبراطوريات أوروبا في زمنه، وبخاصة في القرن الـ18، الإمبراطورية النمساوية الهنغارية، لم يفته أن يقول بكل وضوح إنه "في المرة الوحيدة التي أنتج فيها آل هابسبورغ حاكماً فحلاً... كان هذا الحاكم امرأة".
ومن المؤكد أن فردريك الثاني إنما كان يتحدث حينها عن الأرشيدوقة ماري تيريز التي أدهشت العالم باستمرارها 45 سنة على رأس تلك الإمبراطورية التي كانت في عزها تتكون من أربع أمم هي النمسا وهنغاريا وكرواتيا وبوهيميا، ما سيعرف لاحقاً بتشيكوسلوفاكيا، ومع ذلك لن تتسنم العرش يوماً بل كانت مجرد وصية عليه لأن ثمة دائماً واحداً من أبنائها سيرتقيه يوماً. ولسوف يكون ابنها جوزيف الثاني هو الإمبراطور في نهاية الأمر. كما سيكون هو الذي سيطيح بها ماحياً نحو نصف قرن من تاريخ بلاده، لن يفوت المؤرخون اعتبارها فترة ازدهار ومجد اكتفى هو بوراثتها فيما كادت هي تغيب في النسيان. ونقول "كادت" لأن ثمة لحظات كان التاريخ فيها لا يتورع عن إنصافها وغالباً عبر مؤلفات تستعيد سيرتها فتقدمها، كما فعل الملك البروسي، امرأة استثنائية، ولكن لغايات مختلفة طبعاً.
جوائز... ألمانية!
ولقد تجلى ذلك قبل سنوات، لا سيما في معرض لايبتزغ للكتاب، في ألمانيا تحديداً ولكن ليس في النمسا هذه المرة، من خلال سيرة ضخمة للأرشيدوقة وضعتها في مئات عديدة من الصفحات الكاتبة باربارا ستولبرغ - ريلينغر، تمجد فيها تلك المرأة الاستثنائية من دون أن يفوتها أن تأخذ ما قاله فردريك الثاني على محمل الجد، بل جعلت ذلك القول طرف الخيط الذي قادها لكتابة سيرة فاجأت كثراً بل أغدقت على مؤلفته جوائز عديدة ونجاحاً استثنائياً واهتماماً تلفزيونياً وسينمائياً كان ثمة إجماع على أنهما مستحقان. فلماذا؟
بكل بساطة لأن الكاتبة حتى وإن لم تأت بجديد، عرفت كيف تولف بين مئات المعلومات والحكايات المتحدثة عن تلك التي "اضطرت" لدى وفاة والدها الإمبراطور شارل السادس إلى خلافته إذ عينها هو نفسه خليفة له لمجرد أنه لم ينجب ذكراً. لكن المشكلة كمنت يومها في أن الأمم الأوروبية القوية احتجت على ذلك الاختيار مانعة الوريثة الشابة من أن تعين إمبراطورة معبرة عن احتجاجها بتضافر فرنسا وبروسيا لانتزاع إقليم سيليزيا من الإمبراطورية كنوع من رسالة تحذير بالغة الجدية.
وعلى ذلك النحو منعت أوروبا ماري تيريز من أن تعلن نفسها إمبراطورة. وتواصل ذلك المنع حتى وصول جوزيف الثاني إلى ذلك العرش الإمبراطوري. ولقد خلفت الأرشديدوقة إمبراطورية قوية على أية حال، كما خلفت خمسة صبيان و11 فتاة، من بينهن ماري أنطوانيت التي ستصبح ملكة فرنسا وتموت تحت المقصلة.
وزن زائد بلا هوادة
لكن ذلك لم يكن، بالطبع كل ما تركته ماري تيريز لدى رحيلها. بل هي تركت كذلك حكاياتها الشخصية من التهائها بالحكم عن خيانات زوجها فرانسوا دي لورين لها، إلى جمالها المبهر الذي سوف يذروه بسرعة إقبالها على ما لذ وطاب من مأكل ومشرب إلى درجة أن وزنها قد تضاعف خلال سنوات قليلة بحيث بات الأمر يحتاج إلى حمل عدد من الخدم لها كلما اضطرت للانتقال من مكان إلى آخر. وهذا في الأقل ما تؤكده مؤلفة هذه السيرة الجديدة التي بدا واضحاً مدى حرصها على إقامة قدر كبير من التوازن في ما ترويه عن ماري تيريز التي منذ ولادتها في عام 1717 كانت منذورة، بحسب الكاتبة، لمصير لا يشبه مصير أية أميرة أخرى في زمنها. وهو أمر أدركه الشعب في رأي الكاتبة، بحيث منح الأرشيدوقة حبه وثقته.
ومهما يكن من أمر هنا فإن الكاتبة تنبهنا منذ المقدمة إلى أنها ليست في فصول هذا الكتاب بصدد ترسيخ صورة معينة لامرأة معينة، بل بصدد توضيح ما حرصت تلك المرأة على أن تكونه في زمنها. "أي في زمن لا يسمح للمرأة أن تكون أكثر مما هو متاح لها".
ومن هنا يصبح جزء كبير من الكتاب سرداً ليس لما عاشته ماري تيريز، بل لما خاضته من معارك لم يكن معظمها سياسياً بأية حال. فقد كانت امرأة استثنائية في مواجهة زمن استثنائي هو الآخر. والحقيقة أن تلك الاستثنائية كانت هي التي جعلت الأرشيدوقة، في رأي الكاتبة لا تنسى أبداً أن أبناءها وبناتها لم يوجدوا إلا لكي يصبحوا مجرد مداميك في بنيان يحمل اسم آل هابسبورغ. ومن هنا ربتهم لتلك الغاية، لا ليملأوا صالونات بيتها حبوراً وسروراً. وربتهم على طاعتها، غير مترددة في إذلالهم وإهانتهم حين تدعو الحاجة، من دون أن يفوتها بين الحين والآخر تأليب بعضهم على البعض الآخر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في خدمة السلالة
كانت كل الوسائل صالحة من منظورها لوضع تلك "القبيلة" في خدمة السلالة الحاكمة، ووضع السلالة الحاكمة في خدمة السياسة لا أكثر ولا أقل. وعلى سبيل المثال، ستفرد الكاتبة عدداً كبيراً من الصفحات للإسهاب في الحديث عن علاقة الأرشيدوقة بابنها المعين منذ ولادته ليكون الإمبراطور حتى وإن كان ذلك تحت وصايتها، جوزيف الذي سيحكم لاحقاً باسم جوزيف الثاني ونتعرف عليه في مناسبات عديدة من خلال علاقته بالموسيقى موزارت... فتاريخياً نعرف على سبيل المثال أن هذا الابن البكر أصبح شريكها في الوصاية على العرش عند بلوغه سناً معينة، لكنه حين وصل إلى تلك السن، وإلى ذلك المنصب الذي يعده ليكون إمبراطوراً، ظلت هي الحاكمة المنفردة في كل القرارات والمتعنتة في كل المواقف، الغاضبة على مستشارين إن هم نصحوه بأن يمارس صلاحياته.
بل إنها لم تكن لتتورع، وهي التي كانت تعد نفسها تقدمية، عن اتهام أولئك المستشارين بأنهم من "أنصار التنوير" الذين يسعون إلى إفساد "الولد". وقد كانت شتيمتها المفضلة لهم هي أنهم "تنويريون فاسدون يريدون للإمبراطور المقبل أن يكون فاسداً مثلهم". ناهيك عن أنها في السياق نفسه كانت تضطهد كل الأقليات في الإمبراطورية لكونهم يلجأون إلى الفكر التنويري كبرنامج عمل لهم (!). وكان من ضحايا مواقفها المتناقضة تلك بصورة خاصة موزارت الذي كانت تأخذ عليه ماسونيته وترى أنه مكلف من قبل الأعداء بإفساد فكر الوريث للسيطرة على إمبراطورية كانت تبدي كل الحرص على تماسكها وديمومتها.