ملخص
تتناول رواية "البحث عن الإمبراطور" للروائي الإيطالي روبرتو باتسي سقوط القيصر نيقولا الثاني، عبر خطين متوازيين: تيه فيلق روسي في سيبيريا، وأسر العائلة القيصرية قبيل إعدامها، لتمزج بذلك بين التاريخ والفنتازيا، معيدة صياغة المأساة برؤية جمالية استشرفت تفكك الاتحاد السوفياتي. حققت الرواية نجاحاً كبيراً وترجمت إلى 12 لغة.
تستعيد رواية الإيطالي روبرتو باتسي "البحث عن الإمبراطور" (دار بعد البحر- القاهرة، ترجمة هبة فاروق عن الإيطالية) فترة حرجة من تاريخ روسيا بصورة خيالية فنية أكثر من التزامه بالحقيقة التاريخية، عبر خطين سرديين، الأول يتعلق بالفيلق الروسي (البريوبراينسكي) بقيادة الأمير يبسيلاني، أعرق وحدات الحرس الإمبراطوري الروسي، الذي أسسه بطرس الأكبر عام 1683 كقوة نخبوية لحماية القيصر. ويمثل هذا الفيلق العمود الفقري للجيش القيصري، وسبق أن شارك في حروب كبرى منذ حملات آزوف حتى الحرب العالمية الأولى، قبل أن يحل عقب الثورة البلشفية.
أما الخط الثاني، فيرصد الأيام الأخيرة من حياة القيصر الروسي الأخير نيقولا الثاني، الذي حكم منذ عام 1894 حتى تنازله عن العرش في الـ15 من مارس (أذار) 1917، منهياً بذلك ثلاثة قرون من حكم آل رومانوف. تصور الرواية القيصر وأسرته في قبضة البلاشفة، مترقبين خلاصاً قد يأتي على يد "الجيش الأبيض"، في مواجهة "الجيش الأحمر"، قبل أن تنتهي المأساة بإعدامهم في الـ17 من يوليو (تموز) 1918.
عمل استشرافي
حظيت رواية «البحث عن الإمبراطور» باحتفاء نقدي واسع في إيطاليا عند صدورها عام 1985، ولا سيما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991، إذ بدا لكثيرين أنها عمل استشرافي قرأ مبكراً علامات التفكك في الأيديولوجيا السوفياتية.
تستهل الرواية أحداثها بوصول الفيلق إلى قرية فاكينينو النائية، التي تعاني انقطاعاً عن العالم بعدما تعطلت خطوط التلغراف وسائر وسائل الاتصال بالعاصمة، فلا أخبار مؤكدة عما جرى للقيصر، ولا وضوح في شأن طبيعة المهمة التي أوكلت إليهم. بعدما أمر القيصر بنقلهم إلى الجبهة الشرقية من الإمبراطورية الروسية عقب انتهاء حربهم ضد العثمانيين في القرم لصالحهم. ولكن يتعرض القيصر في غياب الفيلق لانقلاب يطيح به من الحكم، بينما الفيلق المتخيل يكمل مسيرته في الصحراء السيبيرية، ماراً على قرى نادرة الوجود، لا تصل إليه أخبار عن الأحداث الجارية في العاصمة مما يجعله جنوده يدخلون في حالة من الفوضى، بسبب هرب عدد من الجنود لقلة المؤن، ودخول الشتاء وعدم معرفتهم حقيقة الدور المنوط بهم تأديته، "وهكذا مع الخسائر المستمرة، مر شتاء 1917 في تلك المنطقة من سيبيريا. لم تتح القرى القليلة التي قابلوها في المسيرة من يعرف أي شيء عن ذلك الذي يحدث هناك على الجبهة وفي العاصمة"، ص11.
مسيرة التيه
يخوض الفيلق مسيرة تيه طويلة تمتد أشهراً، فتصبح القوة العسكرية النخبوية قافلة موت بطيء. يسقط الجنود من دون قتال، ينهارون فرادى تحت وطأة الصقيع والجوع والإنهاك. تتجمد الأطراف حتى يضطر الأطباء إلى بتر الأيدي والأقدام، وتتفشى الأمراض في الخيول، فتتساقط من الإعياء، أو تذبح بسبب ندرة العلف، أو تفترسها الحيوانات الضارية في الغابة، وفي الأخير يصل الفيلق إلى المدينة التي يظن أن القيصر ما زال فيها (توبولسك). يخرج الأهالي لاستقبال أعظم فيالق القيصر، ويسلموه مفاتيح المدينة احتفاء بقائده، "الذي لا يقهر". غير أن الاستقبال يتحول كابوساً، "وجوه 50 من الجنود الفزعين والمرهقين وبعض الضباط الرثين والمنهكين من التعب. زمرة رثة من الملعونين الذين فقدوا قائدهم الأمير يبسيلاتي، الذي صوب على نفسه طلقة مسدس عند رؤية أول القباب البصلية للمدينة"، ص146.
بهذا المشهد تكتب نهاية الفيلق، في تواز دلالي مع الخط الثاني للرواية، الذي يتتبع أسر الأسرة القيصرية وسقوطها من مقام السلطة إلى الأسر حتى الموت. ترصد الرواية نقل الثوار للقيصر وأسرته إلى مدينة توبولسك، فتزاحم أهلها من أجل تقبيل يد القيصر غير مدركين في الركن الضائع من سيبريا أنهم مسجونون في تلك المدينة الناعسة المملوءة بالأديرة، غير مدركين أنهم يستقبلون سجيناً وليس حاكماً.
يتتبع باتسي في هذا الخط السردي انتقال الأسرة البائسة من مدينة إلى أخرى عبر القطار القيصري الذي أشرف القيصر نفسه على بنائه عندما كان ولياً للعهد، في مفارقة شديدة القسوة، إذ أصبح مشروع الحداثة الإمبراطورية هو نفسه وسيلة اقتياده إلى السقوط. تكشف الرواية عن تأملات القيصر، كيف آلت إليه السلطة وكيف انفرط عقدها في لحظة تاريخية خاطفة.
سجن ممتد
تنهض الرواية في كثير من مفاصلها على بنية التقابل، ومن أبرزها ثنائية السجن باختلاف طبيعته في خطي السرد. في الخط الأول، يبدو الفيلق أسيراً في فضاء فسيح، سجن بلا جدران، تتحرك القوات في اتساع سيبيريا، تقاوم قسوة الطبيعة، لكنها تظل عاجزة عن إنجاز مهمتها في الوصول إلى الإمبراطور لإنقاذه من قبضة الثوار.
أما في الخط الثاني، فيتجسد السجن في صورته المادية المباشرة، باحتجاز القيصر نيقولا الثاني وولي عهده، وبناته: أولغا وتاتيانا وماريا وأناستاسيا، في يكاترينبورغ داخل منزل المهندس إيباتيف، ممنوعين من التواصل مع أي شخص، محاصرين في غرف ضيقة.
ويبرز التقابل كذلك في مشهد النهاية، ينهي قائد الفيلق حياته بالانتحار بعدما انفرط عقد فرقته بالموت والهرب، وكذلك تنهي الأسرة الحاكمة حياتها بالانتحار بالسم، "عند منتصف الليل يتحرك يورفكسكي وجنده، يصعدون السلم مدججين بالسلاح. طرقوا باب الأسرى، فلم يشعروا بأية دلالة على وجود حياة. بعد أن اقتحموا الباب، رأوها في الغرف ممددة على الأسرة، أجساد من جعلتهم يد تاتيانا الرحيمة ينامون للأبد، بفاكهتها المسمومة. كانت الرمانة ترقد هناك على أرضية الغرفة بعدما تدحرجت من يد تاتيانا التي كانت آخر من تذوقها بعد أحبابها"، ص 163.
رؤية خاصة
يغير باتسي بهذا النهاية الحقيقية المتعلقة بالمجزرة التي جرت في حق القيصر وأسرته، ويعيد رسم مشهد القتل بعيداً مما رصدته الوثائق الرسمية، التي تحكي عن قيام الجنود بقيادة يورفسكي، الذي تلقى تدريبه في إدارة الأمن السري، بتنفيذ الإعدام، في القيصر وأسرته، وطبيب العائلة يوغين بلوتكين، والطباخ خاريتونوف، بإطلاق الرصاص عليهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تعيد الرواية تشكيل الأحداث التاريخية وفق رؤية فنية خاصة، مبتعدة من السرد التاريخي التوثيقي. وتمنح شخصياتها نهاية ذات طابع رومانسي، مقارنة بالمجزرة الدموية التي انتهت إليها في الواقع، مما يعمق الإحساس بالمأساة التي لحقت بالعائلة القيصرية وكذلك بالفيلق، ليكتمل البعد التراجيدي في خطي السرد المتوازيين.
وتنتهي الرواية بـ«وصول جنود الجيش الأبيض الذين اقتحموا، في تلك اللحظة تحديداً، مدينة يكاترينبورغ لينقذوا القيصر، بعد فوات الأوان» (ص 163)، وهو ما يتقاطع مع الأخبار التاريخية التي تحدثت عن اقتراب جيش مكون من التشيكيين وحلفاء العائلة القيصرية، مما عجل، بحسم مصير تلك العائلة.
بعد قدري
يضفي باتسي على روايته بعداً قدرياً يتكئ على النبوءة والعنصر الفنتازي، بما يتجاوز السرد التاريخي الواقعي. فالنهاية تتكشف للقيصر منذ كان ولياً للعهد خلال جولاته الأوروبية، إذ تنبأ بسقوطه المحتوم عندما أخبرته عشيقته أنها رأت "هناك في مستقبلك جيش سيبحث عنك لمساعدتك يا نيقولا، وسينتظرك لأشهر وربما لسنين، شديد الإخلاص ومستعد للموت من أجلك، ينتظر الأوامر، ولكن الأوامر لا تصل. لا يمكن هزيمته، ولكنه من دونك، ولا يصدق من يقول إنه في روسيا لم يعد هنا قيصر"، ص 64.
تحمل هذه النبوءة التي يتذكرها القيصر في أسره مفارقة مأسوية حول انتظار جيش لا يهزم، لكنه يظل معطل الإرادة في غياب قائده. ويزداد هذا البعد القدري عبر رؤى ولي العهد، الذي تظهر له صور وأحداث لا يراها سواه، يبصر الفيلق الذي يبحث عنه بوصفه رئيسه الشرفي قبل سفره الأخير "كان لا يزال يرى وجه القائد التائه مع جنوده في السهل السيبيري، نظرته كأنها صرخة مكتومة: ولكن من يكون؟".
كما تتجلى النزعة الفنتازية في شخصية "تاتيانا"، التي تمنح قدرة خاصة على التواصل مع الطيور واستشراف المستقبل، وهي قدرة رمزية تمكنها من إنهاء حياة القيصر وأسرته على نحو أقل فداحة من المصير الذي أعده لهم الثوار.
حازت رواية على «البحث عن الإمبرطور» مجموعة من الجوائز مثل جائزة سيليزيوني كامبييلو، وجائزة بيرغامو، وجائزة همنغواي، وجائزة ماريا كريستينا، وترجمت إلى أكثر من 12 لغة .
...