ملخص
انضمت السويد إلى حلف "الناتو" من دون قرار داخلي رسمي على رغم أن الحكومة صرحت بأنها لا ترى أي مبرر للقيام بذلك في وقت السلم.
هل انتهى زمن السويد المسالمة بالفعل في ظل تداول قصة مُغْفلة عن رغبة السويد الحديثة في امتلاك القنبلة الذرية؟ تعود جذور القصة إلى حقبة الأربعينيات من القرن الماضي، بعد إلقاء أميركا قنبلتين نوويتين على اليابان. أما سبب عودة ظهور هذا التاريخ الحربي السويدي إلى الواجهة من جديد فهو الهجوم الروسي على أوكرانيا وتقلبات السياسة في الوقت الراهن. ولذلك لا يجوز إغفال تاريخ السويد الحربي، والاكتفاء بسرد تاريخها بوصفها أكثر دولة مسالمة في التاريخ الحديث. فمشاعر السويديين باتت متباينة اليوم تجاه امتلاك سياسة الردع النووي، خصوصاً بعد انضمام السويد إلى حلف "الناتو" حديثاً، وإبداء موافقتها المبدأية على نشر ترسانة نووية على أراضيها.
وفي مقالة نشرت بتاريخ التاسع من سبتمبر (أيلول) الجاري بعنوان "كانت السويد المسالمة تسعى في الماضي إلى امتلاك أسلحة نووية ولا يزال هذا الإرث يؤثر في التخطيط الدفاعي"، أكد الباحث في التاريخ في جامعة "لوند" جنوب السويد، بيورن لوندبيرغ، أنه ولعقود طويلة "رسخت السويد لنفسها صورة تشبه صاحبة الرقم القياسي العالمي في مجال السلام، إذ احتفلت بأكثر من قرنين على آخر حرب خاضتها. إلا أن هذا الرقم القياسي ينطوي على بعض التفسيرات غير الدقيقة".
وبيورن لوندبيرغ باحث ومدرس في التاريخ ودراسات حقوق الإنسان بجامعة لوند في جنوب السويد. وتناولت أطروحته للدكتوراه عام 2018 "المواطنين الطبيعيين" و"التعليم كمنهج لتدريب المواطنين في الحركات الشبابية السويدية". وتشمل اهتماماته البحثية التاريخ السويدي الحديث، إضافة إلى تاريخ المعرفة. وهو يقود حالياً مشروعين بحثيين حول تعليم التأهب وتاريخ الدفاع المدني في السويد.
الوعد بالأمان
تؤكد قصة الباحث لوندبيرغ أنه قبل 70 عاماً، أثار مجرد احتمال امتلاك السويد أسلحة نووية صراعاً سياسياً حاداً واحتجاجات شعبية واسعة. لكن التاريخ الحديث وفي نهاية المطاف، أكد أن الأسلحة النووية "تعد بالأمن" من خلال تهديد الأعداء المحتملين بالدمار. ويضيف الأستاذ الجامعي في هذا الصدد "إذا كنا نظن أننا نعرف السويد كأمة مسالمة، فإنه علينا أن نتساءل اليوم، هل ما زالت هذه هي السويد الحقيقية في عام 2026 بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا عام 2022 والذي بلغ ذروته بانضمام السويد إلى حلف "الناتو" عام 2024، مما غير علاقة السويد بالردع النووي إلى الأبد؟".
فهم السياسة الأمنية السويدية
ولفهم السياسة الأمنية اليوم في السويد يجب الغوص قليلاً في ما هو "أقل شهرة عن مدى تقدم السويد نحو تطوير أسلحة نووية خاصة بها". فعلى رغم أنها لم تنتج قنبلة نووية قط حتى الآن، فإن تاريخ برنامجها النووي غير المفعل يقدم "رؤى مهمة" لفهم هذه السياسة الأمنية. فـ"السلمية السويدية" لم تكن سلمية تماماً لعقود طويلة، إذ رسخت السويد لنفسها صورة تشبه الأمة صاحبة الرقم القياسي العالمي في مجال السلام، فاحتفلت بعد عام 2014 بأكثر من قرنين على آخر حرب خاضتها. إلا أن هذا الرقم القياسي ينطوي على بعض التفسيرات غير الدقيقة. "فعلى سبيل المثال، وضمن تاريخها الحديث تتجاهل الروايات عن السويد السلمية مشاركتها العسكرية في العمليات الحربية الحديثة في أفغانستان وليبيا".
أقدم من ذلك بكثير
قصة السويد الحربية أقدم من ذلك بكثير، وتبدأ تحديداً في عام 1945، وبعد فترة قصيرة من إلقاء الولايات المتحدة قنابل نووية على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين، حينها بدأ باحثون عسكريون سويديون بدراسة هذا السلاح الجديد. "وفي عام 1948، طلبت هيئة الأركان العامة من معهد أبحاث الدفاع الوطني السويدي (FOA) دراسة إمكانية إنتاج قنابل ذرية في السويد". وبحلول منتصف الخمسينيات، أعلن الباحثون السويديون أنهم يمتلكون المعرفة الكافية لصنع قنبلة ذرية. لذلك يرى المؤرخ توماس جونتر أن السويد حققت قدرة نووية "كامنة" منذ ذلك الوقت، وأن العائق الوحيد أمام حصولها على القنبلة هو الحصول على البلوتونيوم المستخدم في الأسلحة والبنية التحتية الصناعية اللازمة لإنتاجه.
لماذا ترغب السويد في امتلاك أسلحة نووية؟
كان الدافع وراء تصميم السويد على امتلاك القنبلة الذرية هو الردع. فبما أن التهديد الاستراتيجي الرئيس للبلاد كان يأتي قديماً من الاتحاد السوفياتي، وبما أن السويد لم تكن قادرة على مجاراة القوات التقليدية السوفياتية، فقد بدت الأسلحة النووية خياراً مغرياً لدولة صغيرة عبر فكرة إمكانية إلحاق ضرر بالغ بعدو أقوى بكثير. وبحلول نهاية الخمسينيات، أيَّد قائد القوات المسلحة وجزء كبير من المؤسسة العسكرية الفكرة، كذلك أيدها وزير الدفاع وقطاعات واسعة من المعارضة السياسية. وكان رئيس الوزراء السويدي الأشهر تاج إرلاندر مؤيداً بحذر للفكرة أيضاً. لكن القضية ظلت طوال أعوام بلا حل، "وبصورة متعمدة"، إذ امتنعت الحكومة عن تقديم أي التزام في هذا الاتجاه، بينما حافظ الجيش بدوره على مستوى عالٍ من البحث والكفاءة التقنية لإبقاء الباب مفتوحاً أمام الخيار النووي.
المعارضة الداخلية
نمت المعارضة للسلاح النووي بسرعة في السويد. فقد كان "اتحاد النساء الاشتراكيات الديمقراطيات وجناح الشباب التابع لحزب الاتحاد الاشتراكي السوفياتي من أشد المنتقدين لفكرة السلاح النووي". بدوره عارض وزير الخارجية أوستن أوندين البرنامج من داخل الحكومة، فيما حشد الكتاب والأكاديميون ونشطاء السلام معارضة خارجية. وكشفت حملتهم عما عده كثر "منطق الردع المظلم"، والذي يعني أنه إذا ما كانت السويد تنوي استخدام الأسلحة النووية، فعليها أن تفترض أيضاً أن هذه الأسلحة ستستخدم ضدها، وربما من خلال ضربات استباقية. وبحلول أوائل الستينيات، تعززت المعارضة الداخلية بفعل تغير المناخ الدولي، وتقدمت مفاوضات الحد من التسلح، فعارضت الولايات المتحدة الانتشار النووي. وفي الوقت ذاته، تلقى القادة السويديون ضمانات غير رسمية من الولايات المتحدة في حال وقوع هجوم سوفياتي، مما قلل من المبررات الاستراتيجية لامتلاك السويد قنبلة ذرية.
بحلول منتصف الستينيات، حدث التخلي عن خطط امتلاك السلاح النووي رسمياً، وذلك عندما وقعت السويد معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية عام 1968، مما أغلق باب امتلاك القنبلة الذرية في تلك الفترة نهائياً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الهجوم الروسي على أوكرانيا عام 2022
عقب توقيع السويد معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية بما يقارب نصف قرن نعمت فيه "أمة الفايكنغ" بالسلام التام، حدث الهجوم الروسي على أوكرانيا عام 2022 فغير السياسة الأمنية السويدية تماماً، وبلغ هذا التغيير ذروته بانضمام السويد إلى حلف "الناتو" في عام 2024، و"تزامناً مع ارتفاع سريع في الإنفاق العسكري". كذلك غيرت هذه الحرب علاقة السويد الحديثة بالردع النووي، إذ تعد الأسلحة النووية عنصراً أساساً في استراتيجية الردع لدى "الناتو".
انضمام السويد إلى "الناتو"
انضمت السويد رسمياً إلى "الناتو" في عام 2024، ولم يكن جميع المواطنين مؤيدين لانضمامها إلى الحلف، إذ ظهرت السويد عبر وسائل إعلام حديثاً في صورة طفل يسحبه شخص غامض إلى "الناتو"، وعلى رغم ذلك، بدأت تداعيات هذا التغيير الكبير تظهر بالفعل في خطط الدفاع السويدية، إذ تنص سياسة الدفاع الحكومية السويدية للفترة 2025-2030 على أن السويد أصبحت الآن جزءاً من قوة الردع النووي لـ"الناتو"، "ويجب عليها المشاركة بفعالية في عمل الحلف في هذا المجال". كذلك تدعو السياسة السويدية الجديدة إلى بناء قاعدة معرفية حول دور الأسلحة النووية ووظيفتها، وذلك على غرار ما كان يحدث في بدايات الحرب الباردة.
مسألة حساسة
من بين المسائل الحساسة بصورة خاصة في السويد اليوم، بحث إمكانية نشر أسلحة نووية على الأراضي السويدية، إذ "انضمت السويد إلى حلف ’الناتو‘ من دون قرار داخلي رسمي في شأن هذه المسألة"، لذلك وفي الوقت الراهن، تبقى هذه المسألة افتراضية على رغم أن الحكومة صرحت بأنها لا ترى أي مبرر للقيام بذلك في وقت السلم.