Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الصوت العربي... ثقل انتخابي في معادلة إسرائيل السياسية

غياب المشاركة الفاعلة تفيد اليمين المتطرف وتمنحه الغالبية المطلقة

شهدت أول انتخابات للكنيست في عام 1949 دخول ثلاثة أعضاء عرب (غيتي)

ملخص

مشاركة العرب إذا بلغت 75 في المئة مثل الشارع اليهودي كفيلة بإنتاج 18 إلى 20 مقعداً عربياً.

معادلة "بدر - عوفر" تجعل من امتناع الناخب العربي عن الذهاب للصندوق يوم الـ27 من أكتوبر المقبل ميزة حسابية مجانية، تمنح على طبق من ذهب لأحزاب اليمين واليمين المتطرف.

مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية المقرر في الـ27 من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، يجلس سامر اغبارية (35 سنة) في شرفة بيته المطلة على أزقة حي الفاخورة بمدينة الناصرة وفي يده هاتفه المحمول، يقلب الإعلانات الانتخابية المتصاعدة على الشاشة، تتزاحم المقاطع: مناظرات حادة بين القوائم العربية، وتصريحات استعلائية من قادة اليمين الإسرائيلي، ومقاطع توثق حادثة إطلاق نار جديدة جرت في الحي المجاور قبل أيام. وفي الشارع الضيق أسفل بيته، تمتد لافتات قماشية كتبت عليها شعارات حماسية تدعو إلى النزول والتصويت في المدرسة الابتدائية القريبة التي تتجهز لتكون مركز اقتراع، بينما يعلو صوت جاره في المنزل المجاور، مؤكداً أن "كل هذه المسرحية لا تستحق عناء الطريق". يتساءل الشاب بلسان حال مئات الآلاف من الفلسطينيين داخل حدود 1948، وهو ينظر للتاريخ المرتقب، "هل يستحق الأمر أن أقف في الطابور لأضع تلك الورقة؟ أم أن صوتي مجرد حبر على ورق في دولة لا تراني أصلاً؟". وبين الرغبة في نفض المعاناة عبر التصويت ضد اليمين، والإحباط الشديد من تهميش قضاياه اليومية، يظل المواطن العربي واقفاً في المنطقة الرمادية. هذه الحالة من التردد القائم في بيوت ومدن داخل حدود 1948 اليوم ليست مجرد مواقف فردية، بل هي التجسيد المباشر للدراما السياسية التي تجعل من "الصوت العربي" - متى ما قرر النزول بكثافة - بيضة القبان التي ترجح كفة الحكم في إسرائيل أو تطيح بها كلياً.

تطور تاريخي

لم تكن مشاركة المواطنين العرب في انتخابات الكنيست الإسرائيلي ترفاً سياسياً أو خياراً طبيعياً، بل فرضتها ظروف النكبة وتأسيس دولة إسرائيل عام 1948. خضع من بقي من الفلسطينيين داخل إسرائيل لحكم عسكري صارم امتد حتى عام 1966، فرض عليهم قيوداً مشددة على الحركة والبناء والتنظيم السياسي. وشهدت أول انتخابات للكنيست في عام 1949 دخول ثلاثة أعضاء عرب، لكن التمثيل تشكل غالباً عبر "قوائم دمج" تبعت مباشرة لحزب "الماباي" الحاكم (مثل قائمة "الزراعة والتنمية" وقائمة "الديمقراطيون العرب"). كانت هذه القوائم أداة هندسها الحكم العسكري لتجميع أصوات العرب واحتوائها وضبط مجتمعهم، إذ بلغت نسبة التصويت بين العرب في الخمسينيات أوجها بـ80 إلى 90 في المئة، بفضل ضغوط الحكام العسكريين والنفوذ العشائري. واقتصر الخيار المعارض الحقيقي آنذاك على الحزب الشيوعي الإسرائيلي (ركاح)، الذي ضم عرباً ويهوداً، وشكل الملاذ الوحيد للتعبير عن الهوية القومية والدفاع عن الأراضي المصادرة. إلا أن إلغاء الحكم العسكري عام 1966، وما تلاه من أحداث يوم الأرض الخالد، (أول مواجهة جماعية منظمة يخوضها الفلسطينيون في الداخل دفاعاً عن وجودهم وهويتهم في وجه سياسات اقتلاعهم) في الـ30 من آذار (مارس) عام 1976 شكلا نقطة تحول مفصلية في الوعي السياسي، فتهاوت القوائم الموالية للحزب الحاكم، وظهرت تشكيلات سياسية عربية مستقلة تعبر عن التوجهات الوطنية والمدنية. كانت "القائمة التقدمية للسلام" التي تأسست في عام 1984 خطوة غير مسبوقة كأول حركة وطنية عربية - يهودية غير شيوعية تدخل الكنيست بقيادة محمد مياري، وطرحت بوضوح برنامج المساواة الكاملة والاعتراف بـ"منظمة التحرير الفلسطينية" وإقامة دولة فلسطينية. فيما شكل "الحزب الديمقراطي العربي"، الذي أسسه عبدالوهاب دراوشة في عام 1988 بعد انشقاقه عن حزب العمل الإسرائيلي احتجاجاً على سياسة "كسر العظام" ضد انتفاضة الحجارة، أول حزب عربي مستقل تماماً ينبع من الفئات التقليدية. وشهدت حقبة التسعينيات ولادة التيارات الرئيسة الثلاثة القائمة اليوم، والمتمثلة بـ"التجمع الوطني الديمقراطي"، و"الحركة الإسلامية - الجناح الجنوبي" التي قررت دخول الكنيست لتأسيس "القائمة العربية الموحدة" بغرض التأثير من داخل المؤسسات الإسرائيلية، إلى جانب "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش)" كتحالف يساري تاريخي.

وزن المقاعد

وفقاً لأحدث المعطيات الصادرة عن دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، يشكل المواطنون العرب داخل حدود 1948 نحو 21 في المئة من إجمالي السكان، ويمثلون أكثر من 17 في المئة من مجمل أصحاب حق الاقتراع (أي ما يزيد على 1.2 مليون ناخب يحق لهم التصويت). يتوزع هذا الثقل الجغرافي والانتخابي على مناطق رئيسة تمنح أصواتهم ثقلاً استراتيجياً لا يمكن تجنبه. وتثبت الأرقام الرياضية المسجلة في لجان الانتخابات الإسرائيلية المتعاقبة أنه عندما بلغت نسبة تصويت العرب 65 في المئة في انتخابات مارس 2020 (تحت مظلة القائمة المشتركة)، تمكنوا من حصد 15 مقعداً برلمانياً كأكبر قوة ثالثة في الكنيست. وبحسب دراسة صادرة عن مركز "مدى الكرمل للأبحاث الاجتماعية التطبيقية "في حيفا، فإن النسبة النظرية الكاملة لمشاركة العرب (إذا بلغت 75 في المئة مثل الشارع اليهودي) كفيلة بإنتاج 18 إلى 20 مقعداً عربياً. مما يعني تقليص حصة أحزاب اليمين وحلفائها تلقائياً، ومنعها نهائياً من الحصول على غالبية 61 مقعداً المعتمدة لتشكيل الحكومة. في المقابل، تؤكد بيانات المعهد الإسرائيلي للديمقراطية (IDI)، أن تراجع نسبة مشاركة العرب إلى 44.6 في المئة في انتخابات 2021 أدى إلى هبوط التمثيل العربي الكلي إلى 10 مقاعد فقط، وهو ما فتح المجال لكتلة اليمين والوسط الإسرائيليتين للمناورة وتشديد الشروط.

انقسام أيديولوجي

أحدثت تجربة انتخابات 2021 وتداعياتها انقساماً جوهرياً في الفلسفة السياسية للشارع العربي، وهو الانقسام الذي يخيم على التحضيرات الجارية للانتخابات المقبلة، إذ ينقسم التمثيل السياسي العربي إلى مسارين رئيسين، يرتكز الأول على نهج "الكتلة المانعة" والعمل من الخارج (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والتجمع الوطني الديمقراطي، والحركة العربية للتغيير). ويرى هذا التيار، الذي يقوده أعضاء مثل أيمن عودة وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة أن العمل البرلماني العربي يجب أن يحافظ على ثوابته القومية والوطنية، ويربط بين الحقوق المدنية اليومية وبين القضية الفلسطينية، ورفض الاحتلال وعدم المشاركة في الوزراء الإسرائيليين، بل واستخدام القوة العددية كـ"كتلة مانعة" تفشل قدرة اليمين المتطرف على تشكيل الحكومة، وتجبر أحزاب الوسط واليسار الإسرائيليين على تقديم تنازلات خدمية وموازنات في مقابل حجب الثقة عن اليمين. وبحسب تصريحات رسمية لرئيس القائمة أيمن عودة، فإن "القائمة لن تكون غطاء أو شريكاً في أية حكومة تعمق الاحتلال أو تكرس العنصرية، بل ستكون السد المنيع الذي يمنع اليمين من حسم غالبية 61 مقعداً". على النقيض من ذلك، تتبنى القائمة العربية الموحدة (الذراع السياسي للحركة الإسلامية - الجناح الجنوبي) نهجاً براغماتياً صريحاً يفصل الشق الخدمي والمدني عن الملفات السياسية الكبرى. ويسعى ممثلها منصور عباس إلى الحصول على موقع "صانع الملوك"، بإبداء الاستعداد الكامل للتفاوض والدخول في أي ائتلاف حكومي، بشرط تحصيل موازنات ضخمة وحل أزمات البناء ومكافحة الجريمة. وقد عبر عن ذلك في تصريح رسمي قال فيه "مصلحة مجتمعنا العربي العليا تتطلب منا أن نكون موجودين في أماكن صنع القرار، وعدم الاكتفاء بدور المعارضة المزمنة". وأضاف "استبدال السياسات العنصرية وتوفير الأمان والأرض لأبنائنا يحتاجان إلى أن نسلك السبل الممكنة كافة والتفاوض المباشر للتحصيل المالي والمدني، حتى لو دفعنا في مقابل ذلك كلفة سياسية في الإعلام".

ميزة مجانية

وفق التشريعات الانتخابية في إسرائيل ونظام التمثيل النسبي الشامل، تطبق قانونياً معادلة "بدر - عوفر" لتوزيع المقاعد المتبقية وفائض الأصوات. هذه المعادلة تجعل من امتناع الناخب العربي عن الذهاب للصندوق يوم الـ27 من أكتوبر المقبل ميزة حسابية مجانية تمنح على طبق من ذهب لأحزاب اليمين واليمين المتطرف، إذ تحسب قيمة المقعد البرلماني عبر قسمة إجمالي الأصوات الصالحة للأحزاب التي تجاوزت نسبة الحسم على 120. وبحسب حسابات مراكز الأبحاث البرلمانية، عندما تكون نسبة تصويت العرب عالية (مثلاً 65 في المئة)، يبلغ المجموع العام للأصوات الصالحة مستويات مرتفعة، ويصبح سعر المقعد الواحدة يقارب 38 ألفاً إلى 40 ألف صوت. وعندما تنخفض نسبة التصويت لـ40 في المئة منهم فقط، ينخفض المجموع العام للأصوات الصالحة، ويهبط سعر المقعد الواحد إلى 31 ألفاً أو 32 ألف صوت. وهو ما ينعكس إيجابياً على الأحزاب الحريدية واليمينية المتطرفة، التي تمتاز بقواعد جماهيرية عالية الانضباط وتصل نسب تصويتها إلى 80 في المئة، إذ إن هبوط سعر المقعد يمنح هذه الأحزاب ثلاثة إلى أربعة مقاعد إضافية تلقائياً من دون أن تكسب صوتاً واحداً جديداً في الشارع. ووفقاً لقانون "بدر - عوفر"، فإن المقاطعة العربية للانتخابات وتراجع عدد أصوات إحدى القوائم لـ3.1 وعدم بلوغها نسبة الحسم (3.25 في المئة من مجمل الأصوات الصالحة). فإن هذه القائمة تسقط وتحرق جميع أصواتها (أكثر من 120 ألف صوت عربي). وتصادر هذه الأصوات المحروقة وتعاد قسمة مقاعدها المفقودة على الأحزاب التي عبرت فقط، وتذهب الغالبية المطلقة لهذه المقاعد إلى الكتل الكبرى في اليمين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إحباط الناخب

إدراك أحزاب اليمين الإسرائيلي لهذا القانون وأهميته البالغة، يدفعهم لتطوير استراتيجية صريحة قبيل كل انتخابات تعرف في أدبيات علم السياسة بـ"إحباط الناخبين"، إما عبر التحريض الاستراتيجي لنزع الشرعية والترهيب في مراكز الاقتراع، أو تغذية مقولة "لا فائدة" عبر ضخ تمويل وإعلام موجه على شبكات التواصل الاجتماعي يستهدف الناخب العربي بعبارات من قبيل "أعضاء الكنيست العرب يتقاضون أجورهم ولا يفعلون شيئاً لكم"، وذلك لضرب ثقة المواطن بجدوى المشاركة. ناهيك بالتضييق اللوجستي والجغرافي والتعمد في تقليل عدد صناديق الاقتراع في القرى مسلوبة الاعتراف بالنقب، مما يجبر المواطنين على قطع مسافات تصل إلى 40 كيلومتراً في الصحراء للوصول إلى أقرب مركز اقتراع، وهو ما يخفض نسبة تصويت عرب النقب بصورة ملموسة. وتشير استطلاعات الرأي والمسوح الميدانية الصادرة عن "معهد يافا للأبحاث والمركز العربي للتخطيط" إلى أن نسبة تصويت الشباب العربي (الفئة العمرية بين 18 و30 سنة) هبطت في الاستحقاقات الأخيرة إلى مستويات حادة تراوحت بين 30 إلى 35 في المئة فقط، مقارنة بنسب تصويت تتجاوز 60 في المئة لدى كبار السن. ويرجع هذا العزوف الشديد بين جيل الشباب إلى انفجار ملف الجريمة المنظمة، ويرى الشباب العربي أن إسرائيل وأجهزتها الشرطية تقاعست عن جمع السلاح غير المرخص ولجم عصابات الإجرام التي تحصد أرواح مئات الشباب سنوياً، مما يولد شعوراً كاسحاً بأن التمثيل البرلماني لم يوفر لهم حتى حق الحياة والأمان الشخصي. كذلك أن إقرار "قانون القومية" عام 2018 وقوانين التضييق العمراني رسخ القناعة لدى الجيل الجديد بأن الدولة تعرف نفسها دستورياً كـ"دولة يهودية"، وبالتالي فإن النواب العرب لن يتمكنوا من اختراق هذا السقف لتحقيق مساواة كاملة. في حين يفضل قسم واسع من الشباب اليوم خوض النضال عبر حراكات مدنية مستقلة، ومبادرات رقمية على المنصات الاجتماعية، والعمل في مؤسسات المجتمع الأهلي، التي يرونها أكثر جدوى وكرامة من صراعات الأحزاب والبرلمان.

ماذا تعثر؟

بحسب التقييمات الصادرة عن المؤسسات الأهلية والبحثية، فإن حصيلة العمل البرلماني العربي تظهر تبايناً واضحاً بين المكتسبات المادية وبين الإخفاقات الهيكلية. ففي مقابل نجاح الضغط العربي، في إقرار الخطط الخمسية والتطوير الاقتصادي (خطة 920 وخلفيتها الخطة 550)، والحصول على موازنات ضخمة وغير مسبوقة أفردت للبنية التحتية والمجالس المحلية والتعليم والرفاه في القرى والمدن العربية وانتزاع قرارات حكومية مبدئية بالاعتراف ببعض القرى مسلوبة الاعتراف في النقب (مثل خشم زنة وعبدة)، وتوصيل بعض شبكات المياه والكهرباء إليها، وإقرار تعديلات جزئية تسمح بربط آلاف المنازل المبنية من دون ترخيص حديث بشبكة الكهرباء القومية، والفشل في كبح الجريمة، إذ تسجل أعداد الضحايا العرب ارتفاعاً مستمراً يهدد السلم الأهلي، خصوصاً مع استفحال قضية السلاح والسوق السوداء وتفشي عصابات الإجرام من دون حلول جذرية، كذلك عجز الضغط العربي داخل إسرائيل عن إلغاء "قانون القومية" أو إلغاء "قانون كامينتس"، الذي يفرض غرامات مالية باهظة وأوامر هدم فورية على البناء الفردي. ناهيك بتعرض الموازنات المقرة في الخطط الخمسية السابقة للتجميد والتأخير والمماطلة من وزراء اليمين في الوزارات التنفيذية، مما يحرم السلطات المحلية العربية من الاستفادة الكاملة منها.

قرار معلق

إن السجال المشتعل اليوم في البلدات العربية كافة، استعداداً ليوم الـ27 من أكتوبر المقبل ليس مجرد جدال سياسي عابر حول قوائم وأسماء، بل هو مواجهة حقيقية ومفصلية مع أسئلة الوجود والهوية والأمان، في مجتمع يعيش أصعب مراحله التاريخية.  حين يحل موعد الانتخابات لن تكون الخطوة نحو صندوق الاقتراع خياراً سهلاً لأي مواطن عربي، فبعضهم سيرى في المقاطعة موقفاً أخلاقياً يرفض إعطاء شرعية لنظام يكرس التهميش، بينما تؤكد الأرقام والحسابات الرياضية الباردة أن غياب هذا الصوت هو المادة الخام التي يشيد بها اليمين المتطرف غالبيته المطلقة في الكنيست. وبين هذين الخيارين الصعبين، يظل الصوت العربي هو القوة الوحيدة القادرة - متى ما كسر حاجز الإحباط وتدفق الناس إلى الصناديق - على إعادة رسم الخريطة السياسية وفرض وزنه الحقيقي كـ"بيضة القبان" التي لا يمكن تجاوزها.

المزيد من تقارير