ملخص
يقول المحلل الاقتصادي أحمد مصطفى إن أسعار المشتقات تتحدد في سوق مختلفة عن سوق النفط الخام، هي سوق المكررات.
ارتفعت أسعار الوقود في محطات البنزين بشدة خلال الأيام الأخيرة، ليس بسبب ارتفاع أسعار النفط فحسب، إنما بسبب أزمة في مشتقات تكرير البترول تتراكم منذ أشهر. ومع أن سعر البنزين أو الديزل الذي تشتريه يتضمن ضرائب ورسوماً حكومية كبيرة، فإنه حتى لو أرادت الحكومات تجميد زيادتها، لن تتمكن من خفض أسعار الوقود كثيراً.
يقول المحلل الاقتصادي أحمد مصطفى، إن أسعار المشتقات تتحدد في سوق مختلفة عن سوق النفط الخام، هي سوق المكررات، وصحيح أن أي أزمة في إمدادات النفط الخام تؤثر في عمل مصافي التكرير التي لا تتمكن من إعادة ملء مخزوناتها، فيتراجع إنتاجها وترتفع أسعار المشتقات المكررة، لكن ذلك العامل ليس الأهم في تحديد أسعار الوقود ولا فيما قد يحدث في سوق المشتقات من أزمات.
أهمية قطاع التكرير
يضيف في مقابلة صوتية مع "اندبندنت عربية"، "يشكل قطاع تكرير البترول أهم قطاع في سوق الطاقة بعد النفط والغاز، إذ إنه لا يمدنا فقط بمشتقات استهلاكية مباشرة، كالبنزين والديزل، إنما يوفر أيضاً إمدادات لكثير من الصناعات والقطاعات، مثل قطاع الطيران الذي يعتمد على وقود الطائرات الذي تنتجه مصافي التكرير. ثم هناك صناعات بتروكيماوية وصناعات البلاستيك واللدائن التي تعتمد على منتجات تكرير النفط".
تفاقمت أزمة الوقود من منتجات تكرير النفط في الأشهر الأخيرة لأسباب عدة، بحسب ما يحددها مصطفى، أهمها التوترات الجيوسياسية حول العالم وتغيير مسارات الخام نتيجة لذلك، إذ صعدت أوكرانيا هجماتها على منشآت التكرير والتصدير الروسية، مما أدى إلى نقص إنتاج روسيا من المشتقات.
تعطل إمدادات النفط
ثم هناك حرب إيران التي أدت إلى تعطل تصدير المشتقات من منطقة الخليج، سواء بسبب تهديد إيران الملاحة عبر مضيق هرمز أو تضرر بعض منشآت التكرير نتيجة هجمات إيرانية، كما حدث في الكويت، وفق قوله.
يتابع مصطفى "أدى ذلك إلى أن روسيا، التي كانت تصدر المشتقات، اضطرت إلى استيرادها، وبخاصة الديزل من الهند، مثلاً. أما الهند، التي حاولت مصافي التكرير فيها الاستفادة من الاختناق في سوق المشتقات، فلم تتمكن من سد حاجات السوق العالمية، ذلك لأن المصافي الهندية في معظمها تعمل على نفوط الخليج، وتحتاج إلى مزج أي نفط من أميركا أو غرب أفريقيا كي تتمكن من تكريره بكفاءة. ثم إن وارداتها من النفط الروسي تتعرض لمصاعب بين حين وآخر".
ويلفت إلى أن ذلك تزامن مع وضع الصين، التي لديها طاقة تكرير عالية جداً، إذ فرضت قيوداً على تصدير المشتقات، وفرضت على غالبية المصافي تحويل نشاطها لإنتاج ما تحتاج إليه السوق الصينية من مشتقات، مثل وقود الطائرات والنافتا وغيرهما.
ويشير إلى أن المصافي تحتاج إلى فترات صيانة بين حين وآخر، تمتد لأسابيع عدة يتوقف فيها الإنتاج، مما يزيد من اختناق سوق المشتقات المكررة.
ومع أن الولايات المتحدة أصبحت أكبر منتج للنفط الخام في العالم، فإن طاقة التكرير فيها ليست كافية، مثلما يوضح مصطفى، لذا تعمل المصافي الأميركية حالياً بطاقة إنتاج تزيد على 90 في المئة. ويذكر أن أميركا تعاني منذ أعوام عدم بناء مصاف جديدة، وغالبية المصافي فيها لا تعمل على النفط الأميركي الخفيف، وإنما على نفط ثقيل تستورده أميركا من كندا والمكسيك وفنزويلا وغيرها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية، يبلغ الإنتاج العالمي من المشتقات حالياً نحو 80 مليون برميل يومياً، وهو أقل بأكثر من 4 ملايين برميل عما كان عليه قبل عام.
معادلة العرض والطلب
وينقسم هذا الانخفاض، وفق ما يشير المتحدث، مناصفة بين روسيا ومنطقة الخليج، وعلى رغم أن الجانبين لديهما سعة تكرير كبيرة، فإن التوترات الجيوسياسية تعطل انسياب منتجاتهما إلى الأسواق.
وعلى رغم أن معادلة العرض والطلب في سوق النفط متوازنة إلى حد كبير، بغض النظر عن الأسعار، أي إن هناك نفطاً في السوق يكفي الاستهلاك العالمي، فإن سوق المشتقات تعاني ضغطاً شديداً.
وكثيراً ما طالب المتخصصون في مجال الطاقة بزيادة الطاقة التكريرية للدول المستهلكة، كي لا تواجه أزمة في الوقود وبقية المشتقات.
إلا أن الاستثمارات في بناء المصافي ظلت متواضعة، وفق المتحدث، لأن شركات الطاقة الكبرى أو المستثمرين في صناعة الطاقة يعدونها استثماراً معقداً طويل الأمد، وبهامش ربح قد لا يكون كبيراً في أحيان كثيرة.
يختم المحلل الاقتصادي "تلك المشكلات المزمنة في قطاع التكرير والمشتقات، من عدم وجود ما يكفي من المصافي واعتماد كثير منها على نفوط معينة تغيرت مسارات توريدها، تظهر أكثر حدة مع أي أزمة جيوسياسية تعقد قطاع الطاقة عموماً. وما لم تتوقف هجمات أوكرانيا على منشآت التكرير والتصدير الروسية، وتتوقف إيران عن تهديداتها للملاحة في مضيق هرمز وهجماتها على منشآت الطاقة في الخليج، ستظل أزمة الوقود متذبذبة إلى حين".