Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تاريخ من التجريب مهد الطريق لـ"فيسبوك"

قبل زوكربيرغ كانت هناك تجارب متواصلة في ربط البشر عبر الشبكات الرقمية بعضها نجح واستمر جزئياً والآخر فشل وتوقف

مارك زوكربيرغ حين أطلق "فيسبوك" عام 2004 لم يأتِ بفكرة جديدة تماماً (أ ف ب)

ملخص

حين أطلق مارك زوكربيرغ فيسبوك عام 2004 من داخل أروقة جامعة "هارفارد"، لم يأتِ بفكرة جديدة تماماً، فكل ما فعله أنه جمع أفضل ما في التجارب السابقة في قالب واحد، فضلاً عن أنه في هذا التوقيت كان ملايين الناس يملكون اتصالاً سريعاً بالإنترنت، وكانت الجامعات الأميركية مشبعة بثقافة التواصل الرقمي، فاستفاد "فيسبوك" بذكاء من أخطاء سابقيه، وقدّم تجربة مستقرة وسهلة.

كان الإنترنت في منتصف التسعينيات أشبه بمكتبة ضخمة، مليئة بالمعلومات لكنها تفتقر إلى الحضور البشري، إذ كانت المواقع لا تتيح سوى القراءة، وكان التنقل بين الصفحات مغلقاً في اتجاه واحد، ولم يكن أحد يتصور أن هذا الفضاء البارد سيصبح خلال أعوام قليلة ساحة للصداقات والخلافات، والعلاقات الاجتماعية عن بُعد.

وفي حين تروى قصة وسائل التواصل الاجتماعي كل مرة بالطريقة ذاتها: شاب يكتب شيفرة برمجية في غرفة سكن جامعية ويطلق موقعاً يغير العالم، تبدو هذه الرواية مريحة لأنها بسيطة، تمنحنا بطلاً ولحظة واحدة، يمكن الإشارة إليها والانطلاق منها، لكن الحقيقة أنه قبل ظهور "فيسبوك" عام 2004، كانت هناك ثلاثة عقود من التجارب المتواصلة في ربط البشر عبر الشبكات الرقمية، بعضها نجح واستمر جزئياً، وبعضها فشل وتوقف تماماً.

إنترنت بلا وجوه

كثيراً ما سيطرت فكرة التواصل على عقول البشر، وقبل أن يوجد الإنترنت أصلاً توالت المحاولات لربط البشر عبر الشبكات، وحتى بعد انتشار الإنترنت التجاري في المنازل عبر الاتصال الهاتفي في أوائل التسعينيات، فرضت قيود تقنية عدة شكلاً محدداً للتفاعل، إذ كانت سرعة الإنترنت محدودة وكلفته مرتفعة، والوقت الذي يقضيه المستخدم يُقاس بالدقائق لا بالساعات، ليقتصر التفاعل على نص قصير غير متزامن، ففي عام 1995 أطلق طالبان من جامعة "كورنيل" الأميركية موقع "ذا غلوب"The Globe) ) الذي أتاح لمستخدميه للمرة الأولى نشر محتوى شخصي، والتفاعل مع غرباء حول اهتمامات مشتركة، وهو ما يجعله بحق من أوائل الفضاءات الرقمية التي منحت المستخدم صوتاً لا مجرد عنوان.

وفي العام ذاته، 1995، ظهر "كلاسميتس" (Classmates) الذي ركز على ربط زملاء المدارس الثانوية السابقين ببعضهم، ولا يزال قائماً حتى اليوم بعد أكثر من ثلاثة عقود، لكن هذه المحطات وغيرها لم تكن شبكات اجتماعية بالمعنى الكامل، لأنها لم توافر لمستخدميها هوية دائمة ولا أرشيفاً شخصياً ولا قائمة علاقات واضحة، لكنها أثبتت أن البشر مستعدون لبذل وقتهم في التواصل وبناء علاقات عبر الشاشات، قبل أن توجد الأداة التي تحققها.

أول شبكة اجتماعية

بالنظر إلى نموذج عملها، يمكن اعتبار "سيكس ديغريز" (Six Degrees) أول شبكة اجتماعية عبر الإنترنت، أطلقها المحامي الأميركي أندرو واينريك عام 1997 من مدينة نيويورك، واستوحت اسمها من نظرية "الست درجات" التي تقول إن ستة أشخاص فقط يفصلون بين أي شخصين في العالم، وسمحت المنصة للمستخدمين بتسجيل حسابات وإنشاء ملفات شخصية وإضافة أصدقاء والتنقل بين قوائمهم، وتكوين شبكات اتصال في ما بينهم، وبلغت في ذروتها 3.5 مليون مستخدم مسجل، لكنها بيعت عام 1999 في مقابل 125 مليون دولار، وأغلقت في عام 2000، لتضع بذلك حجر الأساس الذي بنى عليه كل من جاء بعدها.

 

والحقيقة أن الفكرة كانت سليمة، لكن البنية التحتية والسلوك الاجتماعي لم يكونا جاهزين بعد، فـ "سيكس ديغريز" كانت سابقة لعصرها، ففي عام 1997 لم يكن معظم الناس يملكون اتصالاً سريعاً بالإنترنت، ولم يكن للهواتف الذكية أي وجود، وكان المستخدمون يزورون الموقع مرة ثم ينسونه، لأن الحياة اليومية لم تكن مرتبطة بالإنترنت كما هي اليوم، ولم يقدم الموقع سبباً دائماً للعودة، فلا صور ولا أخبار ولا رسائل فورية، لكن هذا الفشل الباكر علّم رواد الأعمال اللاحقين أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، بل يجب أن تتزامن مع تحول ثقافي أوسع.

موجة التجريب

بعد إغلاق "سيكس ديغريز" توالت المحاولات مع مواقع ومنصات عدة، أبرزها "لايف جورنال" (LiveJournal) الذي أطلقه المبرمج الأمريكي براد فيتزباتريك عام 1999 وهو في الـ18 من عمره، كمنصة تدوين شخصي تتيح للمستخدمين متابعة أصدقائهم والتعليق على يومياتهم، وفي عام 2003، أُطلق موقع "فريندستر" (Friendster) الذي أسسه المبرمج الكندي جوناثان أبرامز، إذ جمع بين ملفات المستخدمين ودائرة الأصدقاء والتوصيات، وحقق نجاحاً لافتاً في البداية وصل به إلى ملايين المستخدمين، غير أن عددهم تسبب في مشكلات تقنية، دفعت المستخدمين إلى الهجرة نحو منصات أحدث، ثم ظهر في العام ذاته "ماي سبيس" (My Space) ليركز على الموسيقى والتعبير الشخصي الحر، وأصبح ظاهرة ثقافية واسعة، قبل أن يتراجع لاحقاً أمام "فيسبوك".

التوقيت الذكي

بعد هذه الجولة القصيرة، يمكن القول إن مارك زوكربيرغ حين أطلق "فيسبوك" عام 2004 من داخل أروقة جامعة "هارفارد"، لم يأتِ بفكرة جديدة تماماً، فكل ما فعله أنه جمع أفضل ما في التجارب السابقة في قالب واحد، ملف شخصي بسيط وقائمة أصدقاء وتحديثات حية وتصميم سريع وأنيق، وكان الفارق الحقيقي هو التوقيت، فبحلول عام 2004 كان ملايين الناس يملكون اتصالاً سريعاً بالإنترنت، وكانت الجامعات الأميركية مشبعة بثقافة التواصل الرقمي، فاستفاد "فيسبوك" بذكاء من أخطاء سابقيه، وقدّم تجربة مستقرة وسهلة، والصحيح أن "فيسبوك" حصد ثمرة زرعت بذرتها قبل سبعة أعوام، لذا فإن اعتباره الأول تبسيط مخلّ، يتجاهل عمداً أو سهواً تاريخاً كاملاً من التجريب والفشل الذي مهّد الطريق أمامه، فالفارق الحقيقي لم يكن في الفكرة، بل في التنفيذ والتوقيت وطريقة إدارة النمو والتوسع.

لماذا نجح "فيسبوك" حيث فشل الآخرون؟

يكمن جزء كبير من الإجابة في قرار إستراتيجي بدا في حينه متحفظاً أكثر مما ينبغي، وهو النمو المحسوب، فبخلاف "فريندستر" و"ماي سبيس" اللذين فتحا أبوابهما للجميع منذ اليوم الأول، اختار زوكربيرغ التوسع في جامعة تلو أخرى، مما أتاح للشركة بناء بنية تحتية تقنية متينة قادرة على استيعاب النمو تدريجاً، بدلاً من الانهيار تحت وطأته، كما حدث مع "فريندستر"، وهذا النمو المنضبط منح "فيسبوك" أيضاً سمعة كموقع آمن وموثوق، في مقابل الفوضى النسبية التي اتسمت بها المنصات المنافسة، وإضافة إلى ذلك اعتمد "فيسبوك" سياسة الهوية الحقيقية منذ البداية، مطالباً المستخدمين باستخدام بريد إلكتروني جامعي حقيقي للتسجيل، مما رسّخ مستوى من الثقة بين المستخدمين، لم تكن المنصات الأكثر انفتاحاً تملكه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحين بدأت الشركة تستقطب مهندسين موهوبين، بفضل سمعتها الباكرة، تمكنت من بناء منصة تقنية قادرة على التعامل مع مئات ملايين المستخدمين في وقت واحد، من دون أن تتعثر مثلما تعثر منافسوها، ويُحسب لـ "فيسبوك" ابتكار "خلاصة الأخبار" (News Feed) التي تُظهر للمستخدم أحدث أنشطة أصدقائه تلقائياً، بدلاً من زيارة كل ملف شخصي يدوياً، مع تصميم بسيط سريع التحميل، ومنع التعديلات العشوائية التي كانت تشوّه تجربة "ماي سبيس"، وربما الأهم أن "فيسبوك" واصل الابتكار بدلاً من الاكتفاء بنجاحه الأولي، بينما اكتفى "ماي سبيس" بما حقق ولم يُطور تجربته بما يكفي، ويُضاف إلى ذلك نموذج إعلاني أكثر ذكاء واحتراماً لتجربة المستخدم، إذ سمح بتحقيق إيرادات متصاعدة، مع الحفاظ على قاعدة المستخدمين، وهي المعادلة الدقيقة التي عجز "ماي سبيس" عن إيجادها.

يبدو مما سبق أن العالم الرقمي الذي نعيشه اليوم لم ينشأ بضربة حظ من "فيسبوك"، بل كان نتيجة تراكمات وتجارب لمنصات سابقة، شقت الطريق ودفعت ثمن الأخطاء الأولى، فقد أثبتت "سيكس ديغريز" أن البشر يرغبون في التواصل عبر الإنترنت، وأكدت "لايف جورنال" أن التعبير الشخصي يجذب الجماهير، في حين كشفت "فريندستر" أن التوسع السريع سيف ذو حدين، لترسم هذه التجارب مجتمعة خريطة الطريق لـ "فيسبوك" ولكل ما جاء بعده.

لقد كان "فيسبوك" بمثابة المايسترو الذكي الذي جمع الأجزاء المبعثرة وصاغها في تجربة سلسة ومتكاملة، مؤكداً حقيقة تقنية تقول إنه ليس من المهم أن تكون الأول في عالم التكنولوجيا، بل أن تكون الأكثر قدرة على فهم السلوك البشري والتكيف معه، فتاريخ التواصل الاجتماعي الرقمي لم يكن قصة تقنية في جوهره، بل قصة إنسانية تحكي عن حاجة قديمة أوجدت أدوات جديدة، وما يبدو اليوم تحولاً مفاجئاً غيّر شكل العالم، لم يكن في حقيقته سوى اللحظة التي التقت فيها فكرة مزروعة منذ عقود، بالتربة التقنية والثقافية الجاهزة أخيراً لاستقبالها.

اقرأ المزيد

المزيد من علوم