ملخص
وفقاً لوزارة العمل الأردنية يتجاوز عدد عاملات المنازل المسجلات رسمياً داخل الأردن 50 ألف عاملة، غالبيتهن من الفيليبين وسريلانكا وبنغلاديش ونيبال وإثيوبيا وكذلك غانا وأوغندا وإندونيسيا وكينيا، إضافة إلى أعداد غير رسمية من العاملات على نحو يضاعف قساوة ظروفهن، ويقلل من فرصهن في الاندماج المجتمعي.
عاد ملف العاملات في منازل الأردن إلى الواجهة، بعدما كشفت وزارة العمل عن فرار أكثر من 1000 عاملة من أماكن عملهن منذ بداية عام 2026، وضبط نحو 300 منهن فقط.
وتأتي هذه الأرقام في وقت تكثف فيه السلطات الأردنية عمليات التفتيش لملاحقة العاملات المخالفات والهاربات، والأشخاص الذين يشغلونهن خارج الأطر القانونية، وسط مطالبات بمراجعة شاملة لبيئة العمل التشريعية والرقابية المنظمة لقطاع الاستقدام.
50 ألف عاملة
وفقاً لوزارة العمل الأردنية يتجاوز عدد عاملات المنازل المسجلات رسمياً داخل الأردن 50 ألف عاملة، غالبيتهن من الفيليبين وسريلانكا وبنغلاديش ونيبال وإثيوبيا وكذلك غانا وأوغندا وإندونيسيا وكينيا، إضافة إلى أعداد غير رسمية من العاملات على نحو يضاعف قساوة ظروفهن، ويقلل من فرصهن في الاندماج المجتمعي.
ويقدر تقرير لمنظمة "تمكين" المعنية بشؤون المرأة عدد العاملات في المنازل بصورة غير قانونية بنحو 15 ألفاً.
ظاهرة منظمة
قبل أيام اعترضت الأجهزة الأمنية والتفتيشية أربع حافلات نقل جماعي على طريق المطار جنوب العاصمة عمان، وعلى متنها نحو 200 عاملة منزل هاربات من جنسيات مختلفة.
وأزاحت هذه العملية التفتيشية الروتينية الستار عن تحول محوري في قضية "فرار عاملات المنازل" في الأردن، من مجرد حالات فردية وهرب تلقائي، إلى ظاهرة منظمة تنشط فيها شبكات وسماسرة يعيدون توجيه العمالة الوافدة نحو "سوق سوداء" تعمل بنظام المياومة والساعات.
ويقول الناطق الإعلامي باسم وزارة العمل، محمد الزيود إن التحقيقات الأولية في الحادثة الأخيرة تشير إلى أن من بين الـ200 عاملة اللاتي جرى توقيفهن داخل الحافلات الأربع، ثبت وجود 56 عاملة مسجل في حقهن بلاغات فرار رسمية من قبل أصحاب العمل، وهو ما يظهر أن تنقلهن الجماعي لم يكن محض مصادفة، بل كان ضمن خطة نقل مجمعة تتولى إدارة سوق عمل غير منظمة على أطراف العاصمة والمحافظات.
إغراءات مالية وشبكات تنظيمية
وفق مراقبين تتداخل عوامل اقتصادية عدة في نشوء سوق العمل الخفية لعاملات المنازل في الأردن، فبينما ينص العقد الموحد الذي تنظمه وزارة العمل على أجر شهري ثابت يدفع للعاملة للعمل لدى أسر محددة، تتيح "سوق المياومة" أو "العمل بالساعة" دخلاً يبلغ أضعاف الأجر الرسمي، إذ تحسب أجور العمل المنزلي الموقت بالساعة أو باليوم، مما يجعل مجموع ما تتقاضاه العاملة في نهاية الشهر أعلى بكثير مما تنص عليه عقود الاستقدام التقليدية.
ويعتقد عاملون في مكاتب استقدام العاملات أن ظاهرة هرب العاملات لم تعد فردية، بل تجارة مربحة ومجزية للسماسرة والوسطاء الوافدين والمحليين الذين يوفرون ملاذات آمنة للعاملات الفارات من المنازل، إذ يقومون بتأمين مأوى مشترك لهن، وتنسيق تنقلهن عبر حافلات وسيارات خاصة إلى منازل المواطنين والمؤسسات التي تبحث عن عمالة منزلية موقتة من دون تحمل كلف الاستقدام الباهظة أو الالتزامات القانونية.
ويقول هؤلاء إن ثمة سماسرة يقومون بإغراء العاملات في المنازل للفرار، مستغلين حاجة السوق المحلية إلى عمالة موقتة في مواسم الأعياد والمناسبات الصيفية والفرص الموسمية، وهو ما يشكل منافسة غير مشروعة لقطاع الاستقدام المرخص ويعوق تطبيق قوانين الإقامة والعمل.
ظروف عمل قاسية
وتشير دراسات صادرة عن مراكز متخصصة في حماية حقوق العمال، من بينها مؤسسة "تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان"، إلى أن قرارات مغادرة العاملات مكان العمل لا تعود دائماً لرغبة في الحصول على أجر أعلى فحسب، بل يرتبط جزء منها بظروف عمل قاسية وتجاوزات لحقوق الإنسان.
وتشرح "تمكين" بالقول إن ثمة امتناعاً عن تسليم الرواتب في مواعيدها المحددة أو حسم جزء منها من دون وجه حق، فضلاً عن وجود ساعات عمل مفرطة، والعمل من 14 إلى 16 ساعة يومياً دون فترات راحة كافية أو أيام عطل أسبوعية.
من بين ظروف العمل السيئة أيضاً قيام بعض الكفلاء بحجز جوازات السفر ووثائق الإقامة منعاً للفرار، وصعوبة وصول بعض العاملات إلى سفارات بلادهن أو مراكز الشكوى الرسمية في حال تعرضهن لسوء المعاملة أو العنف اللفظي أو الجسدي.
وتطالب منظمات حقوقية بمراجعة آليات حماية العمالة، وتفعيل منظومة المراقبة على البيئة المنزلية، وإيجاد قنوات آمنة وسريعة لفض النزاعات العمالية قبل وصولها إلى نقطة الانقطاع الكلي والفرار.
بينما تطالب نقابة أصحاب مكاتب استقدام العاملات بضرورة إعادة النظر في بنود العقد الموحد، وتوسيع مظلة التأمين لتشمل حالات الفرار لمدد أطول، فضلاً عن تغليظ العقوبات على كل من يثبت تورطه في تشغيل أو إيواء أو نقل العمالة الفارة.
خسائر اقتصادية
على الجانب الآخر يجد المواطن الأردني نفسه الطرف الأكثر تضرراً من الناحية المالية والقانونية عند فرار عاملة المنزل لديه، إذ تراوح كلف استقدام العاملة عبر المكاتب المرخصة بين 3 و5 آلاف دولار أميركي، وتشمل رسوم الاستقدام والتأمين الصحي وتذاكر الطيران وفحوصات اللياقة الطبية والفحوصات الأمنية.
لكن هذه المبالغ تذهب سدى ولا يتم استرجاعها، مع غياب نظام تعويض سريع ومرن يعوض الكفيل عن المبالغ المالية الكبيرة التي أنفقها لاستقدام العاملة، خصوصاً بعد انقضاء فترة التجربة التأمينية والمحددة غالباً بثلاثة أشهر، إذ إن معظم العاملات يقمن بالفرار بعد الشهر الثالث.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يقول مواطن أردني "هربت العاملة المنزلية التي استقدمها منذ نحو عام، نحن مقيدون بالالتزامات القانونية والرسوم المترتبة على إقامة العاملة لحين التبليغ الرسمي وإثبات الفرار، إضافة إلى تحمل تبعات الإجراءات القانونية المترتبة".
في المقابل ثمة ما يشجع هؤلاء العاملات على الفرار للعمل بشكل حر، فتحت ضغط الحاجة إلى رعاية كبار السن أو الأطفال في المنزل، يضطر كثير من المواطنين إلى التعامل مع عاملات المنازل بنظام الساعة، وهو ما يؤدي إلى تغذية هذه السوق الخفية.
بدوره يؤكد الناطق الإعلامي باسم وزارة العمل، محمد الزيود وجود تنسيق بين الوزارة ومديرية الإقامة والحدود ووحدات مكافحة الاتجار بالبشر لتنفيذ حملات تفتيشية مكثفة ومباغتة على المنشآت والمنازل ووسائط النقل المشتبه في تسهيلها حركة العمالة المخالفة، مشيراً إلى عدم التهاون في تطبيق أحكام قانون العمل الأردني في حق أي جهة أو أفراد يثبت إيواؤهم أو تشغيلهم عمالة غير أردنية بشكل مخالف للقوانين.
ماذا يحدث بعد الهرب؟
تتعامل وزارة العمل مع العاملات الهاربات باعتبارهن مخالفات لنظام العمل والإقامة، وتقول إن خطتها تشمل التفتيش على أماكن وجودهن، وملاحقة الأشخاص الذين يساعدونهن على الهرب أو يشغلوهن بصورة مخالفة، إضافة إلى متابعة منصات التواصل الاجتماعي التي تروج لهذا النوع من العمل.
وتحذر الوزارة أصحاب العمل من تشغيل العاملات الهاربات، مؤكدة أن العمل في المنازل يجب أن يتم من خلال مكاتب الاستقدام وفق الأطر القانونية.
وعلى صعيد العقوبات، تفرض السلطات غرامة لا تقل عن 800 دينار (1128 دولاراً) عن كل عامل غير أردني مخالف يتم ضبطه لدى صاحب العمل، وترتفع الغرامة مع زيادة عدد العمال المخالفين، لتصل إلى 4 آلاف دينار (5642 دولاراً) عند ضبط خمسة عمال مخالفين، وفق وزارة العمل.
إلا أن ظاهرة هرب العاملات تطرح سؤالاً يتجاوز مسألة المخالفة القانونية، وهو لماذا تقدم العاملات على الهرب؟ وهو ما لا تجيب عنه أرقام الضبط وحدها، كذلك فإن تبعات هرب العاملة لا تقتصر على الجانب القانوني، مما دفع الجهات المعنية إلى البحث عن حلول من بينها إمكان توفير تأمين يحمي العاملات ويحافظ في الوقت نفسه على الحقوق المالية لأصحاب المنازل.
وتؤكد الوزارة أن لديها منصة "حماية" لاستقبال شكاوى العاملات والعمال المتعلقة بالاستغلال والحقوق العمالية، وهي منصة متاحة بلغات عدة، وتتيح الوزارة أيضاً تصويب أوضاع العاملات اللاتي مضى على هربهن أكثر من عامين، بما يسمح بتشغيلهن في قطاعات العمالة المنزلية أو الصالونات بعد تصويب أوضاعهن.
لكن الوزارة أعلنت أيضاً أنه اعتباراً من الأول من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل ستوضع إشارة تسفير في حق أي عاملة منزل يتبين أن تصريح عملها أو إقامتها منتهية، مع تسفيرها ومنعها من دخول المملكة لمدة لا تقل عن خمسة أعوام، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية.
ملف مفتوح
على رغم كل ذلك تعد ظاهرة "فرار عاملي المنازل" في الأردن ملفاً معقداً تتقاطع فيه الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، إذ تشكل فجوة الأجور المحرك الأساس لهذه السوق الخفية، إذ تتقاضى العاملة الفارة في نظام المياومة والساعات ما بين 20 و35 ديناراً أردنياً في اليوم الواحد (28 إلى 50 دولاراً)، وهو ما يتجاوز بأضعاف معدل الأجر الشهري المعتمد في العقود الرسمية.
وتتوزع المسؤولية عن اتساع نطاق الظاهرة بين اتهامات حادة يوجهها قطاع استقدام العمالة لسماسرة ومكاتب غير مرخصة تحرض العاملات على الهرب بغرض إعادة تشغيلهن بعيداً من الرقابة، وبين قراءة حقوقية تطالب بعدم حصر الأزمة في الزاوية الأمنية والمالية فحسب.
وما بين مطرقة الكلف الباهظة التي تثقل كاهل الأسرة الأردنية، وسندان الشبكات غير الشرعية التي تستغل الفوارق الأجرية، تظل ظاهرة "فرار عاملات المنازل" ملفاً مفتوحاً ينتظر حسماً تشريعياً ورقابياً كلياً.