Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من المدرسة إلى العمل: الأردن يعيد هيكلة التعليم

يأتي هذا التحول في لحظة حاسمة تجاوزت فيها الأزمة التربوية القدرة على استيعاب الطلبة أو بناء المدارس

عائلات كثيرة لا تزال تنظر إلى الجامعة على أنها الطريق الطبيعي إلى المكانة الاجتماعية (الجامعة الأردنية)

ملخص

إصلاح التعليم المهني لا يحتاج فقط إلى قوانين ومدارس ومناهج، فعائلات كثيرة لا تزال تنظر إلى الجامعة على أنها الطريق الطبيعي إلى المكانة الاجتماعية، بينما ينظر آخرون إلى التعليم المهني على أنه خيار لمن لم ينجح أكاديمياً.

مع خروج قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لعام 2026 إلى النور، يتجه الأردن نحو عملية إعادة بناء شاملة لطريقة إدارة منظومة التعليم بدءاً من مرحلة الطفولة الباكرة وصولاً إلى التعليم العالي، بالتوازي مع اندفاعة غير مسبوقة نحو توسيع قواعد التعليم المهني والتقني وربطه المباشر بمتطلبات سوق العمل.

ووسط تساؤلات حول مدى نجاح تجربة الانتقال من النموذج التقليدي الذي يقيس النجاح بكثرة الشهادات الأكاديمية والجامعية، إلى نموذج جديد يعتمد قدرة الخريج على امتلاك مهارات قابلة للإنتاج والمنافسة، أُعلن رسمياً تغيير اسم وزارة التربية والتعليم العالي إلى وزارة التربية والتعليم والموارد البشرية.

فهل يستطيع الأردن فعلاً تغيير الثقافة التعليمية وسلوك الأسر والطلبة وسوق العمل في الوقت نفسه.

انتقادات ومخاوف

يقول مراقبون وتربويون إن أبرز المخاوف والانتقادات لهذا التحول هو العبء الإداري الكبير الذي سيترتب لاحقاً، فيحذر هؤلاء من أن جمع المدرسة والجامعة والبحث العلمي والتعليم المهني وتنمية الموارد البشرية في حقيبة وزارية واحدة يثقل كاهل وزير واحد بمهمات ضخمة، ومن الممكن أن يعقد الإجراءات بدلاً من رفع كفاءتها.

ويوضح الكاتب عبدالفتاح طوقان أن التربية والتعليم وحدها ليست حقيبة بسيطة لأنها تضم المدارس والمعلمين والطلبة والمناهج والامتحانات والتوجيهي والأبنية المدرسية والتعليم المهني والتحول الرقمي وتدريب المعلمين وجودة التعليم. وهي قطاع يتعامل يومياً مع مئات آلاف الأسر، ويصنع مستقبل أجيال كاملة".

ويضيف أن "هناك أيضاً التعليم العالي والجامعات والبحث العلمي، بما يحمله من قضايا الاعتماد والجودة والتمويل وسياسات القبول والتخصصات الأكاديمية واستقلال الجامعات وربط مخرجاتها بحاجات الاقتصاد. وبعد ذلك نضيف إلى الوزير نفسه مسؤولية تنمية الموارد البشرية".

ويشرح أن ملف تنمية الموارد البشرية واسع، يشمل التدريب والتأهيل وتنمية المهارات والتعليم التقني والمهني وحاجات سوق العمل وإعادة تأهيل القوى العاملة ورفع الإنتاجية واستشراف وظائف المستقبل والتعامل مع التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

وسُجلت اعتراضات نيابية أبرزها للنائب ناصر النواصرة الذي يتخوف من تكرار تجارب سابقة لم تحقق القيمة المضافة المرجوة للقطاع التعليمي.

تحول لافت

ووفق مراقبين، يأتي هذا التحول في لحظة حاسمة تجاوزت فيها الأزمة التعليمية القدرة على استيعاب الطلبة أو بناء المدارس إلى معدلات بطالة حرجة رصدتها دائرة الإحصاءات العامة للربع الأول من عام 2026 وبلغت 16.1 في المئة مع تركز واضح في صفوف حملة الشهادات الجامعية.

وكشفت هذه الأرقام عن خلل في المعادلة التعليمية القديمة، فالأعوام الطويلة من الدراسة ثم الشهادة الجامعية في تخصص أكاديمي، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الحصول على فرصة عمل، مما دفع المعنيين إلى البحث عن رؤية تعليمية اقتصادية جديدة تطاول هيكلية الدولة في إدارة ملف التعليم، إذ أتاح النظام الجديد لوزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية التفاوض على سياسات وطنية موحدة، مع إعطاء مديريات التربية والميدان صلاحيات تنفيذية أكثر مرونة.

وظهر هذا التحول في التوسع المتسارع في المدارس المهنية لتصل إلى 362 مدرسة للعام الدراسي 2026-2027، وتطبيق برامج عالمية مثل "BTEC" التي تغطي تخصصات حديثة كالأعمال وتكنولوجيا المعلومات والرياضات الإلكترونية والطفولة الباكرة.

وفي خطوة تعكس تغير مفهوم "الحصة الصفية"، انضم آلاف الطلبة إلى برامج "التعلم القائم على العمل" (WBL)، ليتدربوا مباشرة داخل المصانع والشركات الخاصة.

ما بعد أسوار المدرسة

وعلى رغم هذه الخطوات المتسارعة، ثمة تحديات معقدة لا تتعلق فقط بالبنية التحتية للمدارس، بل بالواقع الاقتصادي والاجتماعي كسوق العمل والعدالة الوظيفية، فهناك خشية من عدم اندفاع الشباب نحو المسارات المهنية والتقنية ما لم توفر لهم سوق العمل أجوراً مجزية وحماية اجتماعية وظروف عمل مستقرة تضمن لهم التطور المهني.

كما أن الاقتصاد الحديث يبحث عن موظف أسلوبه نمطي، بل عن كوادر تمتلك مهارات رقمية، وتتفهم التحلل السريع للوظائف القديمة، ولديها القدرة على التعلم المستمر وحل المشكلات. وثمة عقبة اجتماعية مهمة، إذ لا تزال الثقافة السائدة في كثير من الأسر تنظر إلى التعليم الأكاديمي والشهادة الجامعية على أنهما المعيار الوحيد للمكانة الاجتماعية، بينما يُنظر إلى المسار المهني كخيار ثانٍ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بدوره يوضح وزير التربية والتعليم عزمي محافظة أن قانون التربية والتعليم والموارد البشرية لا يدمج بين الوزارتين، بل يخلفهما في إنشاء وزارة جديدة خلفاً للوزارتين سيكون بتنظيم إداري جديد يقره مجلس الوزراء.

وأوضح أن الوزارة الجديدة ستضم أربعة أمناء عامين وفق التوجه الحالي، مؤكداً أن ما سيحدث ليس بقاء الوزارتين مع تغيير وزير جديد لهما.

المدارس المهنية تتقدم

لكن مؤيدي هذا التحول يقولون إن ثمة ما هو إيجابي، إذ كشفت الحكومة ضمن إنجازات البرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي 2026–2029 عن استحداث 31 مدرسة مهنية جديدة، ليصل العدد إلى 362 مدرسة خلال العام الدراسي 2026-2027.

لكن الرقم الأهم ليس عدد المدارس فقط، فالحكومة أعلنت أيضاً التوسع في التخصصات المهنية داخل45  مدرسة، ورفع عدد تخصصات BTEC إلى14  تخصصاً وإدخال تخصصي الرياضات الإلكترونية والطفولة المبكرة وتنفيذ 2088 فعالية توعوية حول التعليم المهني والتقني ووصول التوعية إلى أكثر من 125 ألف طالب وطالبة من الصف التاسع وتنفيذ التعلم القائم على العمل لـ13 ألف طالب وطالبة من الصف الـ12، عدا عن توفير تدريب عملي لـ1515 طالباً وطالبة في 350 شركة ومؤسسة، مما يعني محاولة بناء مسار كامل من المدرسة إلى العمل.

من الحصة الصفية إلى المصنع والشركة

تقول الحكومة الأردنية إن أحد أهم المؤشرات على تغير فلسفة التعليم هو التوسع في التعلم القائم على العمل، فبدلاً من أن يتعلم الطالب المهارة داخل المدرسة فقط، يدخل إلى بيئة عمل حقيقية ويتعلم كيف يستخدم تلك المهارة في الإنتاج والخدمة.

ولهذا جرى إشراك القطاعين العام والخاص والنقابات والجهات المعنية بالتدريب المهني، فيما استفاد 1515 طالباً وطالبة من فرص تدريب عملي لدى 350 شركة ومؤسسة.

وثمة توسع مستقبلي في المسار المهني الذي ينظر إليه اجتماعياً على أنه خيار ثانوي، على رغم أنه أكثر قوة وارتباطاً بسوق العمل، إذ بدأ العمل بستة تخصصات، ثم توسعت تدريجاً إلى 14 تخصصاً مخططاً للعام المقبل، وتشمل مجالات مثل تكنولوجيا المعلومات والهندسة والرعاية الصحية والزراعة والضيافة والسياحة والإنشاءات والأعمال والطفولة المبكرة والرياضات الإلكترونية، مما يعني أن الطالب لا ينتظر حتى الجامعة ليكتشف أن سوق العمل تريد مهارة مختلفة عن تلك التي تعلمها.

رسالة اجتماعية

لكن الحكومة تنفي إشاعات من قبيل أن الشهادة الجامعية لم تعُد مهمة، وتقول إنها تحاول إعادة تعريف قيمة الشهادة داخل منظومة أوسع. فالقانون الجديد ينظر إلى التعليم العالي على أنه جزء من منظومة التعليم، ويشمل الجامعات والكليات الجامعية وكليات المجتمع والمعاهد وغيرها من مؤسسات التعليم العالي.

كما أن الحكومة تتجه بالتوازي إلى تعديل التشريعات المتعلقة بالجامعات وهيئة الاعتماد وضمان الجودة وتنظيم العمل المهني، لأنه إذا ما بقيت الجامعة الطريق الوحيد للحصول على المكانة الاجتماعية والوظيفة الأفضل، فستبقى المدرسة المهنية خياراً ثانوياً مهما زاد عددها.

إلا أن إصلاح التعليم المهني لا يحتاج فقط إلى قوانين ومدارس ومناهج، فعائلات كثيرة لا تزال تنظر إلى الجامعة على أنها الطريق الطبيعي إلى المكانة الاجتماعية، بينما ينظر آخرون إلى التعليم المهني على أنه خيار لمن لم ينجح أكاديمياً.

اقرأ المزيد

المزيد من العالم العربي