ملخص
التعافي التدريجي للموئل الطبيعي في غابة السنط يجذب 36 نوعاً من الطيور.
بعد أكثر من ثلاثة أعوام من التوقف والغياب القسري لحركة هجرة الطيور الموسمية منذ اندلاع الحرب منتصف أبريل (نيسان) 2023، تخلت فيها تلك الطيور عن مسارها ومحطتها السنوية الطبيعية في موئل غابة السنط بالخرطوم، بدأت مطلع هذا الشهر الأسراب المهاجرة والمحلية تعيد الحياة من جديد إلى الغابة بعد أكثر من ثلاثة أعوام من التوقف القسري، كبداية لمسار أكبر لرجوع جميع أنواع الطيور المهاجرة إليها.
عودة كبيرة
وشهد الأسبوع الأول من سبتمبر (أيلول) الجاري، حدثاً استثنائياً احتفت فيه جمعية الطيور السودانية بتدشين استئناف مراقبة ومتابعة ورصد وتوثيق بدء عودة الطيور المحلية والمهاجرة بالتزامن مع عودة الحياة التدريجية إلى غابة السنط بالخرطوم.
وكشفت حصيلة جولة مشاهدة الطيور، امتدت لنحو خمسة كيلومترات من الشريط الشرقي للغابة، عن رصد ومشاهدة وتوثيق عودة 36 نوعاً من الطيور المقيمة داخل الغابة، مما يعد مؤشراً قوياً إلى أنها لا تزال توفر موائل آمنة وغذاء وماء ورئة بيئية ومحطة مهمة ليس فقط للطيور المهاجرة، بل أيضاً للطيور المحلية على رغم كل الظروف التي مرت بها المنطقة.
يوم استثنائي
وصف مؤسس ورئيس نادي المشاهدة السوداني للطيور عوض صديق، تدشين النشاط بأنه يوم استثنائي مختلف تحت ظلال أشجار السنط وعلى ضفاف النيل الأبيض في قلب الخرطوم، حيث تجمع أعضاء النادي في أول جولة ميدانية، ليس من أجل رصد عودة وحركة الطيور فقط، بل لبعث رسالة بأن الطبيعة لا تزال صامدة والغابة تسترجع نبض الحياة.
يشير صديق إلى أن من بين الأنواع التي شوهدت، من الطيور المعتادة هي أبو قردان والبلشون الأبيض والوروار والهدهد وبعض أنواع العصافير والسنونو التي تعيش في الغابة على مدار العام، مما يعني بدء عودة النشاط في أول دليل ميداني على إمكانية استئناف أنشطة الرصد والحفاظ على التنوع البيولوجي في الخرطوم.
قلب المسارات
يتابع "السودان ليس مجرد دولة عبور، بل يمثل قلب مسارات رحلة هجرة الطيور، فهو محطة الوقود والاستراحة الحيوية والأهم لملايين الطيور المهاجرة على مسارين عالميين، مسار (البحر الأحمر/ البحر الأبيض المتوسط)، ومسار (البحر الأحمر/ شرق أفريقيا)"، مبيناً أنه وعلى امتداد جغرافيا البلاد من دلتا القاش إلى سواكن شرقاً، ومن جبل مرة غرباً إلى غابات السنط، يرتاح ويتغذى ويتكاثر هنا أكثر من 700 نوع من الطيور، منها أنواع مهددة بالانقراض عالمياً.
طالب صديق بضرورة أن يكون للسودان صوت في حماية مسارات الهجرة العالمية من خلال النادي السوداني لمشاهدة الطيور، مستنكراً غياب السودان عن المؤتمر الدولي لمسارات هجرة الطيور العالمية، الذي ينعقد كل أربعة أعوام وينعقد هذه المرة في العاصمة الكينية نيروبي بمشاركة 120 دولة، تحت شعار "العالم يحمي طيوره بالشراكة"، بهدف مسارات الهجرة العالمية.
محطة ومعبر
بدوره، يوضح المدير الأسبق لهيئة الغابات السودانية عبدالعظيم ميرغني أن السودان كان منذ القدم ولا يزال محطة مهمة ومعبراً للطيور المهاجرة في رحلتها الموسمية بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، بحكم موقعه الجغرافي وأنهاره وأراضيه الرطبة وسهوله الفيضية، وما يرتبط بها من ممرات مائية ومسطحات وجزر وموائل موسمية، تمثل شبكة واسعة توفر للطيور الماء والغذاء والغطاء ومواقع الراحة والحماية.
في قلب هذه الشبكة، وفق ميرغني، يأتي النيل الأبيض، بما يرتبط به من بيئات رطبة ومحطات تتوقف فيها الطيور لتستريح وتقتات قبل مواصلة رحلتها.
شبكة الترحال
يكشف مدير الغابات السابق أن دراسات التتبع الحديثة أظهرت أن بعض الطيور التي تتكاثر في تركيا تعبر الجزيرة العربية والبحر الأحمر، ثم تتوقف في وسط السودان قبل أن تواصل رحلتها جنوباً نحو جنوب السودان وأوغندا، وهنا تبرز أهمية الخرطوم ومحيطها ضمن شبكة الترحال والتنقل هذه، فقد رصدت الدراسات أنواعاً عدة وأعداداً كبيرة من الطيور فيها، سجلت إحداها 88 نوعاً من الطيور بأعداد كبيرة في جزيرة توتي خلال فترات الرصد المختلفة.
وسط هذا المشهد الكبير، يروي ميرغني حكاية مكان تحيط به غابة صغيرة على ضفاف النيل جنوب الخرطوم، يحمل ذاكرة أكبر من مساحته، تتوسط المكان شجرة "حراز" ضخمة، عُرفت يوماً باسم "أم عش"، تشير الرواية التاريخية إلى أن هده الشجرة كانت وكراً للطيور المهاجرة في حلها وترحالها، وتضم عدداً كبيراً من أعشاشها.
يستطرد "لم تكن (أم عش) شجرة منفردة في ذاكرة المكان، فقد كانت المنطقة الممتدة منها إلى موقع جسر النيل الأبيض الحالي، بما في ذلك غابة السنط الحالية المحجوزة بواسطة الهيئة القومية للغابات، محمية للطيور منذ عام 1932.
كانت غابة السنط ولا تزال تحتفظ بشيء من ذلك الدور، فإن حمايتها لا تعني حماية الأشجار وحدها، بل حماية موطن للطيور، وجزء من منظومة النيل الأبيض، وذاكرة بيئية تمتد إلى ما قبل الأسماء التي حملتها الشجرة لاحقاً".
النزاعات والموائل
في سياق متصل، توضح مديرة مركز بحوث الحياة البرية، لبنى محمد عبدالله، أن النزاعات المسلحة تؤثر في المقام الأول على الحيوانات التي لا يجري اصطيادها مثل الطيور والزواحف والبرمائيات واللافقاريات من خلال تغييرات الموائل، مبينة أن التحضر والزراعة المكثفة يمكن أن يؤديا أيضاً إلى فقدان التنوع البيولوجي بين الأنواع المقيمة، في حين أن ممارسات استخدام الأراضي الأقل كثافة يمكن أن تؤثر كذلك على وفرة الحيوانات وتنوعها، كذلك يتسبب قطع الأشجار الانتقائي باختفاء الحيوانات التي تعتمد على أشجار معينة، مما يسهم في الانقراض المشترك لأنواع عدة.
تضيف "على رغم الاقتراحات بأن الحد من الأنشطة البشرية في مناطق الصراع يمكن أن يساعد، فإن معدلات إزالة الغابات هي في الواقع أعلى في هذه المناطق مقارنة بالمناطق السلمية. لذلك هناك حاجة إلى مزيد من البحث لفهم العلاقة بين الصراع المسلح وتحويل الموائل".
التعافي البيئي
تشير عبدالله إلى أن عديداً من الدراسات ركزت على العلاقة بين الصراع وإزالة الغابات على مستوى شبه القارة، ففي بعض الدول مثل كولومبيا أدى الصراع إلى النزوح القسري وهجر الأراضي مما أدى بدوره إلى زيادة الغطاء الحرجي في بعض المناطق، ومع ذلك فرضت الميليشيات أيضاً قيوداً على الوصول إلى الغابات لأغراضها الخاصة، مما أدى بدوره إلى إزالة الغابات في المناطق الغنية بالموارد.
توضح عبدالله أن معظم الأدلة تشير إلى أن النزاع المسلح يضر بالحياة البرية والموائل، لكن في النظم الطبيعية يمكن أن تتعافى بعد الحرب، وتعد حديقة جورونجوسا الوطنية في دولة موزمبيق مثالاً ناجحاً لإعادة التأهيل بعد الحرب، حيث تعافت أعداد الأفيال وأفراس النهر والجاموس والظباء بصورة ملحوظة بفضل مبادرة الحفاظ على البيئة بين القطاعين العام والخاص.
تضيف "تُظهر قصة نجاح حديقة جورونجوسا، أن النظم البيئية التي تدهورت بسبب الصراعات يمكن استعادتها، مع تركيز الجهود على التنمية في مرحلة ما بعد الصراع، وتعمل الحديقة الآن كمركز للتعليم والاقتصاد والرعاية الصحية والزراعة والإغاثة في حالات الكوارث، مما يقلل الاعتماد على الحياة البرية في الغذاء وبناء الثقة مع المجتمع.
تؤكد عبدالله أن مبادرات مماثلة من الممكن أن تساعد الأنظمة البشرية والطبيعية على التعافي والازدهار على المدى الطويل، حيث يشكل التعاون الدولي والتمكين المحلي أهمية بالغة لتحقيق النجاح، مؤكدة أن هناك حاجة إلى تدابير قانونية وغيرها لحماية الحيوانات والموائل أثناء الحرب، على رغم أن إنفاذ قوانين حماية الحياة البرية في أوقات الضعف هو التحدي الأصعب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إرباك وإضعاف
وتأثرت خلال فترة الحرب بالسودان حركة هجرة الطيور الموسمية، التي تأتي من النصف الشمالي للأرض التي كانت تسلك مسارات محدّدة من أوروبا عبر آسيا لتتوقف في السودان قبل أن تواصل رحلتها نحو العمق الاستوائي جنوباً، حيث أخافت الحرب الطيور وأربكتها، وأضعفت حساسية تحكمها في قدرتها على الهجرة، مما أدى إلى اضطراب في أعدادها وقدرتها على الهجرة والتكيف.
وأكد مهتمون أن الحرب كانت قد أثرت بصورة سلبية على قدرة الطيور المهاجرة من بناء أعشاشها الموقتة وحمايتها في مناطق تمركزها في الخرطوم، مما أدى إلى تناقص أعدادها بصورة كبيرة، بكل ما له من تأثير على النظام البيئي على المديين القريب والبعيد.
ويتمتع السودان بوجود عدد من السلالات النادرة من الطيور المحلية المستوطنة منها والمهاجرة، قدِّر عدد أنواعها بنحو 600 نوع من الطيور.
مهددات الانقراض
حذر تقرير حديث صدر أمس لمنظمة حياة الطيور العالمية (Bird Life International) - من أن واحداً من
من كل تسعة أنواع من الطيور المهاجرة يواجه خطر الانقراض، بينما تتراجع أعداد 45 في المئة من هذه الأنواع على امتداد مسارات الهجرة بين القارات.
وبحسب التقرير الذي يصدر كل أربعة أعوام، تعرضت سبعة أنواع من الطيور المهاجرة أو يرجح انقراضها خلال الأعوام الـ150 الماضية.
وفق تقديرات التقرير فإن ما بين (13.1 إلى 42.7) مليون طائر مهاجر يُقتل أو يجري اصطياده بصورة غير قانونية كل عام في أوروبا والبحر المتوسط والقوقاز وشبه الجزيرة العربية.
وداعاً الكروان
وفي أول انقراض عالمي لطائر يسجل في البر الرئيس لأوروبا وآسيا وأفريقيا منذ قرون، أُعلن رسمياً إضافة "الكروان نحيل المنقار" ويعرف أيضاً بـ"كروان الماء"، إلى قائمة الأنواع المنقرضة في عام 2025، حيث سُجّلت آخر مشاهدة مؤكدة له في إحدى البحيرات بالمغرب في فبراير (شباط) عام 1995.
يربط التقرير تراجع أعداد الطيور بتدمير مواقع التغذية والتكاثر والاستراحة على طرق الهجرة الموسمية، إلى جانب الزراعة المكثفة والصيد غير المستدام والتلوث والأنواع الدخيلة وتغير المناخ. وتتعرض الطيور البحرية والشاطئية لضغوط إضافية مع خسارة الأراضي الرطبة الساحلية.
وخلال مؤتمر مسارات الهجرة العالمية الأخير في نيروبي، قدمت حكومات ومؤسسات علمية وبيئية تعهدات جديدة لحماية الممرات، كذلك أعلنت ثلاثة بنوك تنمية توفير أكثر من 6 مليارات دولار لحماية الموائل واستعادتها، في خطوة يتوقف أثرها على تحويل التمويل إلى مشروعات منسقة عبر الحدود.
هجرة وتناقص
وكانت هجرة الطيور إلى السودان تبدأ عادة في منتصف أغسطس (آب) من كل عام، ثم تعود أدراجها في مارس (آذار)، لكن لاحظ مهتمون منذ فترة تعود إلى ما قبل الحرب بقليل أن أعداد الطيور المهاجرة بدأت تتناقص في السودان بسبب الصيد الجائر، والتعرية المستمرة التي تتعرض لها الغابات، ثم جاءت الحرب لتهدد حتى السلالات النادرة من الطيور بالانقراض.
ويعد السودان أحد أهم مسارات هجرة الطيور في أفريقيا والعالم ومحطة لكثير من الطيور المحلقة المهاجرة، ويمثل ملجأ شتوياً عالمياً تتوافد إليه عشرات الآلاف من أنواع الطيور المختلفة في رحلاتها الموسمية الممتدة لآلاف الكيلومترات، حيث المناخ الملائم لموسم التزاوج، مع وفرة الغذاء.