ملخص
يستند الصراع السياسي المتجدد إلى التحولات الهيكلية التي فرضتها الرعاية الدولية والمبادرة الأميركية الأخيرة لدعم خارطة طريق البعثة الأممية، والتفاهمات التي تجسدت في اتفاق لجنة الحوار المصغرة (4+4)، والتي أفضت إلى تحديد إطار زمني للانتخابات مدته 24 شهراً.
يتصاعد دخان التوتر بين رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، في وقت تسعى بعثة الأمم المتحدة إلى الدعم في ليبيا، برئاسة هانا تيتيه، للدفع نحو ترتيبات سياسية جديدة قد تفضي إلى تحوير في رؤوس السلطة التنفيذية الجديدة عبر انتخابات وطنية شاملة.
صراع متجدد
خلافات برزت وراءها مخاوف من صدام سياسي أساسه عسكري، باعتبار أن لكل من الرجلين شبكة نفوذ وترسانة مسلحة تصطف خلف كل واحد منهما، وتعود أسباب التوتر الحالي إلى مطالبة رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة بتوضيح موقفه الرسمي من تصريحات وزير الاتصال وليد اللافي، التي أكد فيها تحول الحكومة إلى "سلطة أمر واقع"، حيث قال المنفي إن هذه الأقوال "تفقد الحكومة شرعيتها".
حدة التوتر جاءت أيضاً إبان التفاهمات السياسية الجديدة التي نتجت عن مبادرة لجنة 4+4 في أواخر أغسطس (آب) الماضي، والتي يأتي على رأسها إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ظرف 24 شهراً، في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، إضافة إلى خلافات سابقة تعود إلى عام 2025، على خلفية إعلان الدبيبة حل جهاز دعم الاستقرار إثر مقتل رئيسه عبدالغني الككلي، في حين تمسك المنفي به وعين له رئيساً جديداً، مما زاد من عمق التصدع بينهما، وهي تطورات أثارت جدلاً حول ما إذا كانت هذه التصدعات ستقود إلى ولادة خريطة جديدة للسلطة داخل المعسكر الغربي؟
وفي ما يتعلق بمدى انعكاس التوتر المتصاعد بين المنفي والدبيبة على مستقبل السلطة في طرابلس، يقول المحلل السياسي عبدالله الديباني إن الخلاف سيلقي بظلاله على مستقبل بنية المشهد السياسي في طرابلس، مؤكداً أنه ليس مجرد خلاف عابر أو اشتباك موقت داخل المعسكر الغربي.
ويضيف أن هذا الصراع السياسي المتجدد يستند إلى التحولات الهيكلية التي فرضتها الرعاية الدولية والمبادرة الأميركية الأخيرة لدعم خارطة طريق البعثة الأممية، والتفاهمات التي تجسدت في اتفاق لجنة الحوار المصغرة (4+4)، والتي أفضت إلى تحديد إطار زمني للانتخابات مدته 24 شهراً.
ويرى المتخصص في الشؤون السياسية والأمنية أن الدوافع الدولية، وبخاصة الرؤية الأميركية المساندة لجهود البعثة الأممية، تنسجم مع ضرورة إنهاء حالة الانسداد والتمديد المفتوح للشرعيات المترهلة في ليبيا، حيث جاء اتفاق (4+4) ليمثل خطوة عملياتية نحو اختراق الركود من خلال إعادة تنظيم السلطة التنفيذية والتمهيد لمرحلة انتقالية محددة بشركاء عمليين وقدرة على إجراء الانتخابات الوطنية، إضافة إلى تفكيك نقاط التعطيل التشريعي من خلال معالجة الإشكاليات التي أفشلت انتخابات 2021، بما في ذلك إعادة هيكلة المفوضية العليا للانتخابات لتكون طرفاً محايداً وموثوقاً.
ويتابع الديباني في حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن التوافقات الأميركية جاءت من أجل كبح استغلال شبكات النفوذ المالي والسياسي لتخليد الواقع القائم، وهو مسار حظي بدعم واشنطن والبعثة الأممية باعتباره الصيغة الأكثر واقعية للخروج من دوامة التعطيل المؤسسي إلى شرعية صندوق الاقتراع.
تباين الأهداف
يقول الديباني إن جذور الصراع بين المنفي والدبيبة تكمن في انعكاسات اتفاق (4+4) والمبادرة الأميركية على الأوزان السياسية لكل طرف في غرب ليبيا، وفي مقدمها خروج المجلس الرئاسي من المعادلة التشغيلية، حيث يشعر المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي بأن الترتيبات الجديدة الناجمة عن اتفاق (4+4) تتجاوزه مؤسسياً وتفرغ صلاحياته السياسية من مضمونها، مما دفعه إلى التشكيك في شرعية مسارات الاتفاق والشكل القانوني لتفاهماته.
ويتابع أن المجلس الرئاسي يتخوف من أن تفضي الترتيبات النهائية إلى إعادة صياغة السلطة التنفيذية بطريقة تجعله مكشوفاً سياسياً وتنهي وجود المجلس الرئاسي بشكله الحالي لمصلحة سلطة موحدة جديدة، مقابل محاولة الدبيبة الاستفادة والتكيف مع المبادرة لضمان البقاء في مشهد الترتيبات الانتقالية المقررة، حيث ترى الحكومة في اتفاق (4+4) فرصة لاستدامة دورها الفني والتنفيذي خلال المرحلة الممتدة نحو الانتخابات، مع تجنب الاستبعاد الكامل الذي تفرضه الضغوط السياسية.
ويضيف الديباني أن الانقسام في المعسكر الغربي يتمثل في تباين الأهداف بين الطرفين، إذ يكشف أن الأمر تجاوز نطاق "الخلاف العابر"، فالمنفي يعول على بناء تحالفات محلية ورفض المقترحات للضغط باتجاه حفظ موقعه ومكتسباته الدستورية، في حين يستند الدبيبة إلى التحكم المباشر بالمؤسسات المادية والتنفيذية لترسيخ حضوره في ترتيبات مرحلة إدارة الانتخابات.
ويلفت إلى أنه، على الرغم من مقاومة الأطراف المتضررة من تغيير الوضع القائم، يُعد اتفاق (4+4) والغطاء الأميركي والدولي المصاحب له فرصة استراتيجية لإعادة الاستقرار في ليبيا لأسباب عدة، أولها كسر احتكار السلطة، حيث إن هذه التفاهمات ستنهي حالة الاستحواذ السياسي، مما سيجبر الأطراف المتصارعة على الخضوع لخارطة طريق ذات جداول زمنية محددة والالتزام بالحل الانتخابي، وثانيها عزل شبكات تعطيل الانتخابات، حيث تحجم المبادرة قدرة القوى المحلية على التكتل لعرقلة المفوضية وإعادة إنتاج الأزمات التشريعية والمؤسسية.
أما السبب الثالث، فيتمثل في استعادة شرعية الصندوق، حيث يؤسس الاتفاق ويفرغ التوتر القائم بين القادة التنفيذيين من مضمونه الفردي، ليعيد ملف إدارة البلاد إلى صاحب الشرعية الأصلي، وهو الشعب الليبي، عبر الانتخابات المتزامنة.
ويختم الديباني أن الخلافات الجارية بين المنفي والدبيبة تؤكد أن اتفاق (4+4) والمبادرة الأميركية للسلام قد أحدثا أثراً عميقاً في بنية السلطة بطرابلس، والصراع الحالي هو صراع على البقاء والتموضع في الهيكل السياسي الجديد، الذي يُتوقع أن يعيد ترتيب أوراق المشهد الليبي تمهيداً لإنهاء مراحله الانتقالية الطويلة.
تسوية جنيف
عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة نالوت، إلياس الباروني، يؤكد أن الخلاف بين المنفي والدبيبة ليس جديداً، لكن التوقيت هو الجديد، منوهاً إلى أن العلاقة بينهما لم تكن منذ البداية تحالفاً سياسياً متماسكاً، وإنما جاءت في إطار تسوية جنيف عام 2021، التي قسمت السلطة التنفيذية بين مجلس رئاسي يتولى الملفات السيادية والقيادة العليا، وحكومة تمسك بالجهاز التنفيذي والوزارات والمال العام والخدمات.
ويضيف أن هذا التقسيم أوجد منذ البداية ازدواجية في مراكز القرار؛ فالمنفي يمتلك شرعية الموقع السيادي، بينما يمتلك الدبيبة أدوات السلطة التنفيذية والموارد المالية، وهو ما سمح للطرفين بالتعايش طوال السنوات الماضية، في ظل تعامل المجتمع الدولي معهما باعتبارهما جزءاً من سلطة انتقالية واحدة.
ويلفت الباروني إلى أن المعادلة تغيرت مع تحرك الأمم المتحدة نحو ترتيبات جديدة لكسر الجمود السياسي، إذ لم يعد السؤال مقتصراً على كيفية استمرار المؤسسات الحالية، بل أصبح مرتبطاً بشكل السلطة المقبلة وموقع كل طرف فيها.
ويوضح أن الدبيبة قد ينظر إلى إعادة ترتيب السلطة باعتبارها فرصة للحفاظ على موقعه لاعباً أساساً عبر الحكومة والموارد والتحالفات، بينما قد يرى المنفي في أي ترتيبات تقلص دور المجلس الرئاسي أو تتجاوز موقعه السيادي تهديداً لنفوذه السياسي.
أدوات مختلفة
ويشدد الباروني على أن الصراع المحتمل لا يمكن اختزاله في مواجهة بين قوتين عسكريتين، لأن أدوات النفوذ لدى الطرفين مختلفة، فالدبيبة يمتلك الحكومة بما توفره من وزارات وميزانيات وتعيينات ومشروعات وإنفاق عام، إضافة إلى علاقات مع قوى وتشكيلات أمنية في غرب ليبيا، وهو أمر يمنحه قدرة على بناء التحالفات والتأثير في موازين القوى المحلية.
في المقابل، ينوه الباروني إلى أن المنفي يستند إلى موقعه على رأس المجلس الرئاسي وما يرتبط به من شرعية سيادية وملفات القيادة العليا والعلاقات الدولية والمصالحة الوطنية، فضلاً عن قدرته على التواصل مع أطراف في الشرق والغرب والجنوب خارج نطاق الجهاز الحكومي المباشر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويبين أن المشهد الأمني في طرابلس لا يقوم على كتلة واحدة ثابتة، بل على أجهزة وتشكيلات وتحالفات متغيرة، ولذلك لا يمكن الحديث عن "جيش للمنفي" في مواجهة "جيش للدبيبة"، بل عن شبكات من المصالح والتحالفات قد تتغير وفق موازين القوة.
ويحذر الباروني من أن خطورة الخلاف تكمن في وقوعه داخل العاصمة، التي تضم الحكومة والوزارات والمؤسسات السيادية والمالية والأجهزة الأمنية والبعثات الدبلوماسية، مما يجعل أي خلاف سياسي قابلاً للتحول إلى صراع على مركز القرار، منوهاً بأن إعادة توزيع الصلاحيات على الورق لن تكون كافية، لأن الأزمة الليبية في جوهرها تتعلق بالسلطة والمال والسلاح والشرعية والنفوذ المحلي.
3 سيناريوهات
يبين الباروني أن السيناريو الأول يتمثل في الاحتواء والتوافق، عبر إعادة تعريف الأدوار بدلاً من إقصاء أي طرف، بحيث يحتفظ المجلس الرئاسي بدور سيادي وسياسي، في حين تركز الحكومة على الاقتصاد والخدمات وتنفيذ السياسات العامة، وهو ما يحتاج إلى ضمانات دولية وتفاهمات داخلية وضبط أمني.
أما السيناريو الثاني، بحسب الباروني، فهو صراع النفوذ البارد، وهو الأكثر احتمالاً في المدى القريب، من خلال التنافس على المؤسسات والتعيينات والإعلام والملفات السياسية والقانونية والتحالفات المحلية والدولية، من دون الوصول إلى مواجهة عسكرية مباشرة. ويسعى كل طرف في هذه الحالة إلى إثبات أنه شريك لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مقبلة.
وينبه إلى السيناريو الثالث، المتمثل في التصعيد الأمني، إذا تحولت إعادة تشكيل السلطة إلى عملية إقصاء، أو انقسمت الأجهزة الأمنية، أو دخلت التشكيلات المسلحة على خط الصراع، مما قد يحول التنافس السياسي إلى صدام مسلح داخل طرابلس.
ويوضح أن مصراتة ستكون عاملاً مهماً في أي معادلة جديدة، بحكم ثقلها العسكري والسياسي والاقتصادي وتأثيرها في طرابلس، مؤكداً أن التعامل معها ككتلة واحدة سيكون تبسيطاً للمشهد، في ظل تعدد القوى والمصالح داخلها.
ويحذّر الباروني من أن الخطر الحقيقي يكمن في احتمال تحوّل إعادة توزيع السلطة إلى صراع على النفوذ، إذا شعر أي طرف بأنه مستهدف بالإقصاء، معتبراً أن العلاقة بين رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة ستدخل خلال المرحلة المقبلة مرحلة أكثر حساسية.
ويرى أن العلاقة بين الرجلين لم تعد مجرد علاقة بين رئيس مجلس رئاسي ورئيس حكومة، وإنما باتت أقرب إلى مواجهة بين مشروعين يسعيان إلى تثبيت موقعهما داخل معادلة السلطة المقبلة.
ويؤكد الباروني أن ليبيا لا تحتاج إلى صراع جديد بين مركزين للسلطة، وإنما إلى سلطة واحدة ذات اختصاصات واضحة، ومؤسسات أمنية موحدة، وحكومة خاضعة للمساءلة، ومجلس رئاسي محدد الصلاحيات، إلى جانب انتخابات تنهي حالة الشرعيات الانتقالية.
ويضيف أن تعامل الأمم المتحدة مع الأزمة باعتبارها مجرد خلاف بين سياسيين قد يحد من قدرتها على احتوائها، بينما إدراكها باعتبارها صراعاً أوسع لإعادة تشكيل مراكز القوة والنفوذ في ليبيا قد يتيح فرصة أكبر للوصول إلى تسوية سياسية حقيقية.
ويختصر الباروني جوهر المرحلة المقبلة في سؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان المنفي والدبيبة مختلفين، وإنما بمن سيتمكن من الحفاظ على موقعه داخل ليبيا ما بعد الترتيبات الأممية، معتبراً أن الإجابة عن هذا السؤال ستكون حاسمة في تحديد شكل التحالفات السياسية والأمنية في طرابلس خلال المرحلة المقبلة.
ويقول عضو لجنة الأمن القومي بالبرلمان علي التكبالي، في تصريح خاص لـ"اندبندنت عربية"، إن نجاح الترتيبات الأممية مرتبط بالتغيرات الدولية، فإذا حافظت على استقرارها، فلن يتمكن لا الدبيبة ولا المنفي من عرقلة المخطط الأممي الذي يدفع نحو إنهاء الانسداد السياسي.