ملخص
أثارت التغييرات التي أجراها رئيس حكومة الوحدة عبدالحميد الدبيبة على 5 وزارات في حكومته جدلاً دستورياً جديداً لعدم عرضها على البرلمان والمجلس الرئاسي.
على وقع أزمة اقتصادية خانقة تعيشها ليبيا وتصاعد الاحتجاجات الشعبية على تراجع الخدمات الأساسية، يتجه المشهد السياسي نحو تصعيد جديد حول هوية الحكومة التي يقودها عبدالحميد الدبيبة من طرابلس وحدود صلاحياتها الدستورية، بعد إقدامه على تعديل وزاري في عدد من الوزارات جلها ذات طبع خدمي، مما أثار نقاشات كثيرة حول توقيته، وهل سيحدث فارقاً جوهرياً في المشهد المأزوم أم هو مجرد محاولة لإظهار حكومته على أنها لا تزال السلطة التنفيذية الفعلية القادرة على اتخاذ قرارات سيادية وأن أي حديث عن تشكيل حكومة جديدة لا يمر عبره سيكون تجاوزاً للأمر الواقع في طرابلس؟
تعزيز الأداء التنفيذي
شمل التعديل المعلن، تكليف عدد من الوزراء الجدد وزارات مثل الإسكان والتربية والتعليم والثقافة والموارد المائية وحقوق الإنسان وبرره الدبيبة بأنه جاء "لتعزيز الأداء التنفيذي ومعالجة الشغور في الحقائب الأساسية".
هذه التغييرات الوزارية رفضت من قبل بعض الوزراء الذين أُقيلوا من مناصبهم، إذ رفضت وزيرة الثقافة المقالة مبروكة توغي عثمان، تسليم مهماتها إلى الوزير الجديد، مؤكدة "استمرارها في إدارة شؤون الوزارة حتى صدور قرار قانوني وفق الأطر الدستورية المعتمدة".
ورد رئيس الحكومة بإصدار تعليمات لقوات أمنية بمنعها من دخول مقر الوزارة التي نفذت التعليمات، لتقوم الوزيرة المقالة بتصوير مقاطع فيديو لعملية منعها من دخول مقر وزارة الثقافة أثارت ردود فعل كبيرة في البلاد.
إشكالات قانونية
في المقابل، طرح وكيل وزارة الخارجية السابق حسن الصغير عدداً من التساؤلات القانونية حول قرارات الدبيبة المتعلقة بإجراء تكليفات وزارية جديدة، معتبراً أنها "تطرح إشكاليات تتعلق بالشرعية والإجراءات الدستورية".
وقال الصغير إن "الدبيبة وعدداً من وزرائه لم يعترفوا بقرار مجلس النواب القاضي بإقالة الحكومة، كما لم يقروا بانتهاء مدة ولايتهم، مما يعني أنهم ما زالوا يعتبرون أنفسهم وزراء شرعيين بحكم نيلهم الثقة من البرلمان".
وأشار إلى أن "مسألة شغور بعض الحقائب مثل وزارة التعليم العام قد تفهم في إطار تكليف من يتولى تسيير الأعمال، بغض النظر عن الجدل المتعلق بجهة الاختصاص في التعيين ومنح الثقة، لكن الوضع يختلف في ما يتعلق بوزارة الثقافة".
وأوضح الصغير أن "وزيرة الثقافة الحالية مبروكة توغي، نالت الثقة من مجلس النواب، ولم يصدر بحقها قرار إيقاف من الجهات الرقابية أو حكم قضائي يمنعها من ممارسة مهماتها"، متسائلاً عن "الأساس القانوني الذي استند إليه الدبيبة في تعيين وزير جديد للثقافة مع استمرار شاغلة المنصب في أداء عملها".
وتساءل عن الكيفية التي بني عليها قرار التكليف من دون صدور قرار صريح بإقالة الوزير أو إيقافه عن العمل، واصفاً هذه الإجراءات بأنها "تتطلب توضيحاً قانونياً يحدد مدى توافقها مع الأطر الدستورية والتشريعية المنظمة لعمل السلطة التنفيذية".
صراع الصلاحيات
أما الباحث السياسي عبدالله الغرياني، فيرى أن التعديلات الوزارية الأخيرة التي أجراها الدبيبة بصورة أحادية والتي أثارت جدلاً واسعاً واعتراضات من قبل المجلس الرئاسي، تعكس حجم الخلاف حول الصلاحيات وآليات اتخاذ القرار داخل السلطة التنفيذية.
وقلّل الغرياني من أهمية الإجراءات واللقاءات الجارية بين الأطراف الليبية التي باتت أقرب إلى "الروتينية"، مؤكداً أنها "لم تعُد قادرة على إحداث اختراق حقيقي في جدار الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد".
وأضاف أن ما وصفه بـ"المحاصصة المقيتة" أضعفت العمل المؤسسي في الحكومات الليبية المتعاقبة، متهماً المجلس الرئاسي بأنه "لم يحافظ على حياده منذ تشكيله، بل دخل في صراعات سياسية وأمنية، مما انعكس سلباً على مسار العملية السياسية".
وخلص الغرياني إلى أن تضارب المصالح بين الحكومة والرئاسي خلال الآونة الأخيرة كشف عن هشاشة التفاهمات القائمة، مبيناً أن "تجاوز المؤسسات لاختصاصاتها، وقيام بعضها بأدوار بالوكالة عن أطراف داخلية أو إقليمية، يعكسان حال العبث السياسي التي تعيشها البلاد".
مناورة الخطط الدولية
التعديل الوزاري المفاجئ أو المناورة السياسية الجديدة للدبيبة كما يصفها بعضهم، جاءت في سياق تداول معلومات عن حراك دولي، خصوصاً أميركي، لإعادة ترتيب المشهد التنفيذي، مما جعل محللون يقرأون هذا التعديل كأداة لإعادة التموضع السياسي لا مجرد تغيير إداري داخلي عادي في حكومة "الوحدة الوطنية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والتحرك الأميركي لتوحيد المؤسسات التنفيذية في ليبيا والخطط الدولية اللذان ثارت إشاعات كثيرة في شأنهما خلال الفترة الأخيرة، كشف عن بعض تفاصيلهما مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والشرق الأوسط مسعد بولس خلال تصريحات أدلى بها أمس الأربعاء، إذ قال إن "استقرار ليبيا يتطلب توحيد المؤسسات واستعادة الحيوية الاقتصادية من خلال عملية سياسية"، مؤكداً "دعم واشنطن لهذه المساعي".
وجاء ذلك في تغريدة نشرها بولس عبر حسابه على منصة "إكس" تعقيباً على البيان الصادر عن رئيس مجلس الأمن الدولي حول ليبيا أول من أمس الثلاثاء.
وقال بولس "يتطلب مسار ليبيا نحو الاستقرار الدائم عملية سياسية ذات صدقية بقيادة ليبية تعمل على توحيد المؤسسات واستعادة الحيوية الاقتصادية"، مشيراً إلى أن "الولايات المتحدة ستواصل إشراك الأطراف الليبية المعنية في نهج عملي ومنسق لخلق الظروف اللازمة لضمان استقرار المؤسسات السياسية وتحقيق الازدهار الاقتصادي على المدى الطويل".
وكان أعضاء مجلس الأمن الدولي دعوا عبر بيان أصدره رئيس المجلس الأميركي مايكل جي والتز إلى تنفيذ برنامج التنمية الموحد، مشددين على أهمية وضع موازنة موحدة لمنع مزيد من التدهور الاقتصادي في البلاد.
ونوهوا بـ"أهمية إحراز تقدم نحو توحيد جميع المؤسسات، بما في ذلك المؤسسات العسكرية والأمنية، مشددين على أهمية الحفاظ على وحدة واستقلال النظام القضائي".
خطوة مدروسة
وتماهى الصحافي الليبي فاتح الخشمي مع الآراء التي ترى أنه لا يمكن قراءة خطوة الدبيبة بالتعديلات الوزارية بمعزل عن التحركات الدولية الأخيرة في الملف التنفيذي، ولا سيما الأميركية منها، سواء من جانب دعم الحوار السياسي أو السعي إلى تسريع عملية توحيد المؤسسات بالتنسيق مع الأمم المتحدة أو شركاء إقليميين.
وقال "بينما تصر واشنطن والمجتمع الدولي على ضرورة إجراء انتخابات لتوحيد المؤسسات، من الممكن أن تتضمن الخطة الأميركية مقاربة مزدوجة لدعم الحوار السياسي وتعزيز دور المؤسسات القائمة، وفي الوقت نفسه إعادة تشكيل الواقع السياسي بما يخدم إجراء انتخابات حقيقية قابلة للقبول بين جميع الأطراف".
الخشمي أكد أيضاً أن "الملف التنفيذي بات الورقة الأكثر تعقيداً في ساحة الصراع السياسي لأنه يمس جوهر الشرعية والتوازنات المؤسسية في البلاد، ويتقاطع مع إرادات وطنية متباينة وضغوط دولية متعددة الأوجه، وخطوة الدبيبة بالتعديلات الوزارية في هذا التوقيت تبدو كمحاولة لإعادة تموضعه السياسي في وجه مشروع خارجي أميركي وأممي لتشكيل حكومة جديدة، أو في الأقل لإعادة تحديد قواعد اللعبة السياسية داخلياً، وهي أيضاً مؤشر على أن الصراع على الشرعية لا يزال محورياً، وأن أي حل يستهدف نهاية الأزمة لن يكون سهلاً".