ملخص
لا تزال قضية إعلان إقليم "صوماليلاند" استقلاله عن الصومال تتوالى فصولاً، فبعد الاعتراف الإسرائيلي العام الماضي، توجه رئيس حكومة الإقليم الانفصالي إلى الولايات المتحدة سعياً إلى نيل دعمها.
أثارت الزيارة الأولى لرئيس إقليم صوماليلاند، المُطالب بالانفصال عن الصومال، عبدالرحمن محمد عبدالله (عرو)، إلى الولايات المتحدة التي وصلها في الخامس من سبتمبر (أيلول) الجاري، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية الصومالية، لجهة ارتباطها بمساعي حكومة الإقليم الدبلوماسية إلى الحصول على الاعتراف الدولي بـ"الاستقلال".
وقالت وسائل إعلام في هرجيسا، عاصمة الإقليم الانفصالي، إن "عرو" أجرى محادثات مع "عدد من المسؤولين الأميركيين والجهات المعنية"، مركزاً على "تعزيز العلاقات الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية، والاستثمار، ودعم قضية الاعتراف باستقلال الإقليم".
وجاء في بيان صحافي صادر عن مكتب الرئاسة في هرجيسا، أن "الزيارة لا تقتصر على كونها زيارة دبلوماسية وحسب، بل هي جهد لتعزيز مصالح صوماليلاند وأهدافه، إذ سينقل الرئيس إلى واشنطن رؤية حكومته وواقعها السياسي، ودورها الاستراتيجي، في خليج عدن والمحيط الهندي"، علاوةً على نقله لما سماه البيان "رغبة شعب الإقليم في الاعتراف باستقلاله عن الصومال، وإقامة علاقات دولية قائمة على المصالح المشتركة والتعاون المثمر".
وتأتي زيارة "عرو" إلى واشنطن بعد نحو ثلاثة أشهر على زيارته إسرائيل، إثر اعتراف الأخيرة باستقلال صوماليلاند العام الماضي، في خطوة أثارت اهتماماً إقليمياً ودولياً واسعاً.
وبحسب مراقبين للشأن الصومالي، فإن حصول الإقليم على اعتراف أميركي قد يشكل تحولاً كبيراً في مساعيه إلى ترسيخ استقلاله دولياً، إذ تشير تقارير ذات صلة إلى أن تل أبيب تبذل مساعي دبلوماسية لدى واشنطن لإقناعها بضرورة الإقدام على خطوة الاعتراف، مبررةً ذلك بأنه سيسهم في استقرار منطقة القرن الأفريقي، وحوض البحر الأحمر، في ظل التوترات القائمة نتيجة تهديدات مجموعة الحوثي في اليمن بتعطيل الملاحة الدولية في تلك المنطقة، كأحد تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
إلا أن الطريق نحو الاعتراف الأميركي لا يزال معقداً، فبحسب خبراء مختصين في منطقة القرن الأفريقي، لم تبدِ واشنطن حتى الآن حماسة للاعتراف باستقلال الإقليم، لجهة تقديرات استراتيجية وجيوسياسية تتعلق بالترتيبات الأمنية والسياسية في منطقة تشهد توترات عالية.
وتواجه حكومة هرجيسا معارضة قوية في ما يخص الاعتراف، لجهة تمسك الصومال بسيادته على أراضيه كافة، بما يتوافق مع ميثاقي الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وهو موقف تدعمه دول وازنة في الإقليم، في مقدمها السعودية وتركيا الساعيتان إلى إقامة تحالف عسكري قوي لحماية البحر الأحمر، بصورة تحفظ السلم والاستقرار الإقليميين.
زيارة غير رسمية
من جهته يرى المحلل السياسي الصومالي حسين عبدي، أن "زيارة رئيس إقليم صوماليلاند إلى الولايات المتحدة، لا تعد زيارة رسمية، وإن التقى بمسؤولين ونواب أميركيين"، مشيراً إلى أن "عرو لم يحظَ بمراسم استقبال رسمي، مما يشير إلى أن واشنطن لا تعد الزيارة بمثابة مهمة رسمية تخص إقليماً مرشحاً للاستقلال".
ويوضح عبدي أن "لهذه الخطوة رمزية مهمة في البرتوكولات"، مؤكداً أن "صوماليلاند في تعريف الإدارة الأميركية يعد إقليماً فيدرالياً تابعاً للحكومة المركزية في مقديشو، والحوار مع رئيس حكومته يعد جزءاً من اهتمام الإدارة بالترتيبات الأمنية والاقتصادية والسياسية، في إطار رؤية الصومال الموحد الذي لا يصبح مهدِداً لأمن وسلامة المنطقة والملاحة الدولية عبر خليج عدن والبحر الأحمر". ويضيف أن "ثمة مبالغة في التناول الإعلامي لمجريات الزيارة"، مؤكداً أن "كل المؤشرات الصادرة من واشنطن لا تذهب في اتجاه منح الاعتراف".
ويرى الباحث الصومالي أن "عرو قد يطرح ملف الاعتراف الأميركي باستقلال صوماليلاند، كبند من أجندة اللقاءات التي جمعته مع مسؤولين أميركيين، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة قبول الجانب الأميركي بهذا الطرح، على رغم ما يتعرض له المسؤولون الأميركيون من ضغوط من طرف تل أبيب لدراسة هذا الملف واتخاذ إجراءات فعلية في شأنه".
المصالح الاستراتيجية
ويعيد عبدي السبب إلى "إدراك الإدارة الأميركية للأبعاد الاستراتيجية لخطوة كهذه، وبخاصة أنها تسعى إلى دعم الدول المركزية في هذه المنطقة، كي تعينها في مهمات حماية الملاحة الدولية، وليس خلف كيانات جديدة قد تصبح خطراً على السلم والاستقرار في منطقة ذات حساسية بالغة في التفكير الاستراتيجي الأميركي، لجهة ارتباطها بالمصالح الكبرى للولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويدلل على ذلك، بالتدخل الأميركي الحاسم في حرب إقليم تيغراي بشمال إثيوبيا، لمنع الانزلاق الذي كاد يقود نحو تقوية احتمالات الانفصال عن المركز في أديس أبابا، مشيراً إلى أن "الأمر لا يتعلق فقط بالحفاظ على المبادئ الأساسية للقانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة المتعلقة باحترام سيادة الدول القائمة وحسب، بل أيضاً بالمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة نفسها، وبخاصة أن الاعتراف قد يقود نحو وضع أكثر حساسية على المستويين الأمني والعسكري، بما في ذلك تعزيز فرص قوى معينة لإعادة تنظيم صفوفها ضد المصالح الأميركية في المنطقة، فضلاً عن أن الاعتراف قد يتناقض مع مطالب القوى الإقليمية التي تتمتع بعلاقات راسخة مع الولايات المتحدة".
ويعد المحلل الصومالي أن "الولايات المتحدة تسعى إلى تقوية الدولة الصومالية، وإعادة تأهيل قواتها العسكرية والأمنية بما يضمن حماية المصالح المشتركة، بما في ذلك محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة، ولا ترغب في إضافة مزيد من الملح على الجروح الصومالية المثخنة".
"خطوة نحو الاعتراف"
في المقابل يرى الباحث في شؤون منطقة القرن الأفريقي بيهون غيداون، أن "زيارة رئيس حكومة صوماليلاند تعد فاتحة لعلاقات ثنائية مهمة، قد تقود إلى حوار استراتيجي بين الطرفين"، مضيفاً أن "فتح قنوات الحوار وحده كفيل بتحديد الموقف الأميركي من قضية الاعتراف باستقلال الإقليم من عدمه".
ويرى الباحث الإثيوبي أن "غياب الحوار عطل إنجاز استقلال الإقليم لأكثر من ثلاثة عقود ونيف"، مشيراً إلى أنه "ليس مرجحاً أن تتخذ الإدارة الأميركية الحالية قراراً فورياً في شأن الاعتراف، إلا أن بدء الحوار يعد خطوة متقدمة في مسيرة الاستقلال".
ولفت بيداون إلى أن "اتخاذ القرار يعتمد على مدى تطور العلاقات الثنائية بين الطرفين"، مضيفاً أن "العلاقات الدولية تقوم على تعزيز المصالح المشتركة للأطراف، ومن ثم فإن حكومة عرو حملت معها إلى واشنطن ملفات مهمة، تتعلق بتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والأمنية والاستراتيجية، وفي حال تحقيق تقدم في تنفيذ تلك الوعود سيصبح الاعتراف الأميركي تحصيلاً حاصلاً".
توقيت بالغ الحساسية
ويرى غيداون أن "التوقيت يعد أمراً بالغ الأهمية في مسار العلاقات الدولية الثنائية أو الجماعية، وبخاصة في ما يتعلق بالتوترات القائمة الآن في مضيق باب المندب وخليج عدن"، مؤكداً أن "الأوضاع الراهنة في المنطقة تُعد في مصلحة طرح هرجيسا، على اعتبار أن الإقليم وخلال العقود الثلاثة قدم نموذجاً ديمقراطياً فريداً ومستقراً في منطقة تموج بالصراعات الأهلية، ومن ثم فإن دعم تجربة هرجيسا يعد مطلباً سياسياً وأخلاقياً بالنسبة إلى واشنطن".
ويستطرد بالقول، "صحيح أن الأمر يبدو صعباً لجهة التعقيدات السياسية والقانونية، إلا أن تعزيز المصالح قد يرجّح كفة الاعتراف، لا سيما أن الضرورة الأمنية والاستراتيجية في الوقت الحالي تبدو أكثر إلحاحاً في تفكير القيادة الأميركية في شأن هذه المنطقة".