ملخص
تُعد الزراعة القطاع الأكثر استهلاكاً للمياه في السودان، إذ يستهلك نحو 96% من إجمال السحب السنوي للمياه العذبة في الظروف الطبيعية، ومع استمرار الجفاف وقلة هطول الأمطار تتفاقم معاناة المزارعين وملّاك المواشي في المناطق التي يعتمد اقتصادها على الأمطار.
يواجه القطاع الزراعي في السودان تحديات كبيرة بسبب التغيرات المناخية وشح الأمطار في مناطق الزراعة المطرية بولايات البلاد كافة، إضافة إلى أزمة مياه الري التي شملت مساحات واسعة من مشروع الجزيرة والمناقل وقطاعات الري الانسيابي، وكذلك عدم توافر الطاقة الكافية للري في ولايتي نهر النيل والشمالية، مما يشكل خطورة على الأمن الغذائي ليتحول إلى مجاعة خصوصاً في أقاليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق التي تشهد نزاعات مسلحة وتدهور للنشاط الزراعي.
وتتزايد المخاوف من تقليص المساحات المزروعة وضعف الإنتاج، فضلاً عن تعرض المحاصيل للآفات والتلف بسبب اختلال الدورة المناخية، وهي مؤشرات قد تسهم في تداعيات إنسانية خطرة لأن السكان يعتمدون على الإنتاج المحلي وبخاصة في دارفور وكردفان.
مخاوف ونداءات
في هذا الوقت، حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) من أخطار كبيرة تواجه الموسم الزراعي في السودان، بسبب الجفاف الحاد والانخفاض في معدلات الأمطار بولايات البلاد المنتجة الرئيسة.
وتوقع تقرير حديث للمنظمة أن يلقي العجز في الأمطار والتراجع المناخي بظلال قاتمة على أسعار الحبوب والأمن الغذائي لآلاف العائلات، وسط نداءات متزايدة لتوفير حلول عاجلة لدعم المزارعين.
وسجلت ولاية القضارف وفقاً للتحديث الميداني للمنظمة، عجزاً في الأمطار بلغ 30 في المئة مقارنةً بالمتوسط العام، مما أثر في نحو 70 في المئة من المساحات المزروعة، وانخفضت الأمطار في ولاية سنار بنسبة 20 في المئة لتشمل أضرار الجفاف 40 في المئة من أراضيها الزراعية خلال الفترة من يونيو (حزيران) حتى منتصف أغسطس (آب) الماضي.
استنزاف الموارد
في السياق يقول المتخصص في المجال الزراعي محمد هاشم إن "الزراعة تظل القطاع الأكثر استهلاكاً للمياه في البلاد، إذ يستهلك نحو 96 في المئة من إجمال السحب السنوي للمياه العذبة في السودان في الظروف الطبيعية، ومع استمرار الجفاف وقلة هطول الأمطار تتفاقم معاناة المزارعين وملّاك المواشي في المناطق التي يعتمد اقتصادها على الأمطار". وأضاف أن "الاعتماد النسبي على الزراعة المطرية التقليدية، إضافة إلى التوسع في الزراعة الآلية والرعي الجائر وقطع الغابات، أسهما خلال العقود السابقة في تسارع التصحر وتدهور التربة، خصوصاً في ولايات دارفور وكردفان والجزيرة".
وأوضح هاشم أن "الاستخدام غير المنظم للمياه الجوفية والسطحية، مع غياب البنية الحديثة للري، أديا إلى استنزاف الموارد المائية وارتفاع مستويات الإجهاد المائي".
مشكلات متفاقمة
ويشتكي المزارع سعد زكريا من مشكلات الري المتفاقمة في مشروع الجزيرة بسبب عدم صيانة مضخات المياه وغياب عمليات تطهير القنوات التي تعاني تراكم الحشائش والطمي نتيجة انعدام التمويل وعدم حماسة الشركات العاملة في تلك المجالات للعمل".
وأشار إلى أن "المشروع يحتاج إلى تأهيل منظومة الري التي تعتمد على طلمبات (مضخات) انتهى العمر الافتراضي لعدد كبير منها، على رغم أنها تروي مساحات شاسعة من المشروع".
ولفت زكريا إلى أن "مشروع الرهد الزراعي في حاجة لأكثر من مليوني متر مكعب من المياه لري 353 ألف فدان، وهو أمر صعب التحقيق في ظل الانهيار المؤسسي وشح الموارد".
خطة طوارئ
على نحو متصل قال تحالف "قوى التغيير الجذري" في بيان إن "ما يحدث في مشروع الجزيرة والمناقل وقطاع الري الانسيابي لا يجوز التعامل معه باعتباره مجرد عطل في ترعة أو تقلباً مناخياً، بل هو نتاج لغياب الرؤية وتخلي أجهزة الدولة المفروضة عن واجباتها الخدمية والاستراتيجية". وأضاف البيان، "نؤكد أن توفير المقومات الأساسية للزراعة، وعلى رأسها وصول مياه الري إلى الحواشات بصورة منتظمة، ليس امتيازاً تمنحه إدارة المشروع أو سلطة الأمر الواقع، بل هو حق أصيل وضرورة وطنية لضمان الأمن الغذائي وحماية المزارعين والمنتجين من الإفلاس".
وأوضح البيان، "نطالب بخطة طوارئ شاملة ومحددة زمنياً لمعالجة أزمات العطش، وضمان وصول مياه الري بصورة منتظمة وعادلة إلى كل المناطق والمشاريع والحواشات المتضررة، وفق حاجات الإنتاج الزراعي".
وذكر البيان أن "مشروع الجزيرة والمناقل، والموارد الزراعية في السودان كافة، هي ملكية وطنية وموارد استراتيجية للشعب السوداني، وإدارتها مسؤولية عامة يجب أن تخضع للشفافية والمساءلة، بما يحمي حقوق المزارعين والمنتجين ويضمن استمرار الإنتاج".
الموقف بالجزيرة
من جانبه أعلن مدير مشروع الجزيرة الزراعي إبراهيم مصطفى، استقرار موقف الري وتأمين الإمداد المائي للموسم الزراعي الحالي في المشروع، مؤكداً أن "التدفقات المائية الحالية تبلغ نحو 34 مليون متر مكعب، على رغم ما يُثار في شأن التذبذب في مناسيب مياه النيل الأزرق".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأوضح مصطفى، خلال جولة ميدانية للوقوف على مستويات المياه ومتابعة انسيابها إلى مناطق المشروع المختلفة من الخزان، أن "الوضع المائي يمضي بصورة مطمئنة"، مشيراً إلى أن "الأمطار حتى وإن كانت محدودة الهطول فهي تسهم في تخفيف الضغط على عمليات الري". وكشف عن أن "المشروع ظل يتعامل مع التذبذبات المائية والأمطار ضمن الظواهر الطبيعية عبر عقود طويلة".
انتظام نسبي
على صعيد متصل، قال الباحث في مجال الأرصاد الجوية عمر محمود، إن "المؤشرات الحالية تؤكد أن خريف هذا العام يشهد معدلات أمطار أقل مع وجود فترات انقطاع طويلة يتوقف فيها المطر". وأضاف أن "انخفاض المعدل السنوي لا يعني انعدام الأمطار، ففي منطقة مثل القضارف التي يبلغ معدل أمطارها السنوي نحو 500 ملم، إلا أن هطول 50 ملم في فترة قصيرة يكون كافياً لإحداث سيول وفيضانات محلية حتى إذا انتهى الموسم بإجمالي أقل من المعدل المعتاد".
ونوه محمود إلى أن "الزراعة تحتاج إلى انتظام نسبي في الهطول خلال مراحل النمو، بينما يعتمد الرعي والثروة الحيوانية على استمرار توافر المياه والغطاء النباتي".
وحذر من "تعرض أجزاء واسعة من السودان لموجة جفاف أشد من المعدلات الطبيعية، بالتزامن مع ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة خلال موسم الأمطار الرئيس الممتد حتى أكتوبر (تشرين الأول) المقبل".
وختم بالقول إن "المخاوف من تأثر المشاريع الزراعية المروية لا تزال ماثلة في حال استمر انحسار النيل الأزرق ونهر النيل الرئيس وتراجع المناسيب على طول امتداده من الخرطوم بنحو ثلاثة أمتار وحتى الولاية الشمالية".