ملخص
يستهدف النص القانوني الصحراويين الذين ولدوا في إقليم صحراء المغرب خلال فترة الإدارة الإسبانية، قبل الـ29 من سبتمبر (أيلول) 1977، إلى جانب أحفادهم المقيمين في إسبانيا، حتى في غياب إقامة قانونية بالبلاد، بينما تشير التقديرات إلى أن عدد المستفيدين المحتملين يراوح ما بين 70 و80 ألف شخص.
تأتي مصادقة مجلس النواب الإسباني على مقترح قانون يفتح الباب أمام منح الجنسية الإسبانية لآلاف الصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الاستعمارية الإسبانية للصحراء المغربية بين 1884 و1975، في خضم ظرفية سياسية حساسة للعلاقات بين الرباط ومدريد، لا سيما بعد أزمة الاقتحام الجماعي لآلاف المهاجرين لمدينة سبتة.
ويستهدف النص القانوني الصحراويين الذين ولدوا في إقليم صحراء المغرب خلال فترة الإدارة الإسبانية، قبل الـ29 من سبتمبر (أيلول) 1977، إلى جانب أحفادهم المقيمين في إسبانيا، حتى في غياب إقامة قانونية بالبلاد، بينما تشير التقديرات إلى أن عدد المستفيدين المحتملين يراوح ما بين 70 و80 ألف شخص.
حيثيات وسياقات
في أحد أهم التصويتات خلال الأعوام الأخيرة المرتبطة بقضية الصحراء، منح البرلمان الإسباني الضوء الأخضر لقانون تجنيس الصحراويين، الذي تقدم به ودافع عنه تحالف "سومار"، وهو ائتلاف سياسي يساري شارك في الحكومة الائتلافية الإسبانية مع الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني.
ويروم القانون، الذي عرف حظي بتأييد 168 نائباً، ورفض 31، وامتناع 147، تسهيل حصول الصحراويين المولودين في ظل الإدارة الإسبانية على الجنسية الإسبانية بطريقة فردية وليست جماعية.
وأكد الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني PSOE دعمه للقانون، إذ صرح الناطق باسمه في البرلمان باتشي لوبيث، بأن الاشتراكيين صوتوا لصالحه، مقدماً القرار باعتباره "تعبيراً عن الاستقلالية السياسية في مواجهة أي رد فعل محتمل من البلد المجاور"، في إشارة إلى المغرب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي وقت تلتزم الرباط رسمياً الصمت في شأن موضوع تجنيس الصحراويين، وبينما تنشر صحف مقربة من الحكومة المغربية مقالات وتحليلات تنتقد هذه الخطوة، أكدت وزارة الخارجية الإسبانية أن مسألة الجنسية تدخل ضمن اختصاص البرلمان الإسباني، وتسعى إلى فصل هذه المبادرة عن الخلافات الحالية مع المغرب.
ويمكن إثبات استيفاء الشروط لنيل الجنسية الإسبانية من خلال وثائق مختلفة، من بينها بطاقة التعريف الوطنية الإسبانية القديمة، حتى وإن كانت منتهية الصلاحية، أو التسجيل في لوائح الأمم المتحدة، وشهادات الميلاد، ودفاتر الحالة العائلية، والوثائق الصادرة عن الإدارة الإسبانية، فضلاً عن شهادات الدراسة أو المعاشات أو رخص السياقة أو الوثائق الصحية التي يمكن أن تثبت الولادة في المستعمرة السابقة.
ويسلط تصويت البرلمان الإسباني الضوء على مطلب يعود إلى عقود داخل الجمعيات الصحراوية في إسبانيا، ودخل الآن مرحلة الإقرار التشريعي، لكنه سيقيس أيضاً مدى استعداد مدريد للمضي قدماً في قضية شديدة الحساسية بالنسبة إلى الرباط، وفي وقت تمر العلاقات الثنائية بمرحلة جديدة من التوتر بسبب أزمة سبتة.
تداعيات سياسية وجيوسياسية
في مقابل تأكيد مدريد "الطابع السيادي" لهذه الخطوة، تطرح المبادرة البرلمانية أسئلة أخرى تتجاوز بعدها القانوني إلى تداعياتها السياسية والجيوسياسية، خصوصاً في ظل حساسية ملف الصحراء وطبيعة العلاقات الاستراتيجية التي تجمع الرباط ومدريد.
وفي هذا السياق، يرى المتخصص في العلاقات الدولية مولاي هشام معتضد، أنه ينبغي التمييز بدقة بين الطبيعة القانونية للقانون وآثاره الجيوسياسية، فمن ناحية المبدأ، تحديد شروط منح الجنسية يدخل ضمن السيادة التشريعية الإسبانية، ولا يغير بذاته الوضع القانوني أو السياسي للنزاع حول الصحراء.
وأردف معتضد أن العلاقات الدولية لا تدار بالنصوص القانونية وحدها، فالتوقيت، والصياغة، والرمزية السياسية المصاحبة لها قد تمنح إجراء داخلياً آثاراً خارجية تتجاوز بكثير غايته التشريعية الأصلية، مبرزاً أن "القانون بصيغته الحالية ينشئ مساراً استثنائياً لمن ولدوا في إقليم الصحراء خلال الإدارة الإسبانية، ويمتد بشروط محددة إلى الجيل الأول من أحفادهم".
واعتبر أن المشكلة بالنسبة إلى الرباط لن تكون في التجنيس نفسه بقدر التأويل السياسي الذي يمكن أن ينتجه القانون، فإذا جرى تقديمه باعتباره تصحيحاً لمسؤولية تاريخية إسبانية تجاه فئة من السكان، فسيبقى مجال احتواء تداعياته واسعاً، أما إذا تحول إلى أداة لإعادة إدخال مدريد، بصورة غير مباشرة، في تحديد هوية سياسية أو قانونية مرتبطة بالنزاع، فإن حساسية المغرب ستكون أكبر، لأن الرباط ستقرأ المسألة حينها من زاوية السيادة وليس من زاوية الهجرة أو الجنسية.
هنا تظهر مفارقة دقيقة في السياسة الإسبانية، يورد معتضد، فمدريد تبنت خلال الأعوام الماضية مقاربة أكثر واقعية تجاه المغرب وقضية الصحراء، بينما يسمح النظام البرلماني الإسباني في الوقت نفسه بإنتاج مبادرات تعكس توازنات حزبية وتاريخية مختلفة، إذ حاول الاشتراكيون بالفعل تعديل بعض صياغات مشروع القانون خلال مساره البرلماني، في مؤشر إلى إدراكهم حساسيته بالنسبة إلى العلاقة مع المغرب.
وأبرز معتضد أنه لا يتوقع أن يؤدي القانون، بمفرده، إلى أزمة استراتيجية بين البلدين، لكن الخطر يكمن في التراكم، لأنه عندما يأتي ملف شديد الرمزية في لحظة حساسة أصلاً، فإنه يمكن أن يرفع كلفة إدارة الخلاف بين البلدين.
وخلص المتحدث إلى أن العلاقات المغربية - الإسبانية أصبحت أعمق من أن يهدمها نص قانوني واحد، لكنها أيضاً أكثر استراتيجية من أن تسمح مدريد لنفسها بعدم احتساب الأثر المغربي لقراراتها الداخلية، وهذه، تحديداً، هي المعادلة التي ستحدد حجم التداعيات.
توظيف للإرث الاستعماري
وبينما يضع معتضد تداعيات قانون تجنيس إسبانيا آلاف الصحراويين في إطار التمييز بين البعد التشريعي والانعكاسات الجيوسياسية، تذهب قراءات تحليلية أخرى إلى النظر للمبادرة الإسبانية من زاوية أكثر ارتباطاً بالصراع السياسي حول الصحراء.
وفي هذا الاتجاه اعتبر الأستاذ الجامعي، مدير المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول الصحراء محمد بن طلحة الدكالي، أن تحريك ملف تجنيس الصحراويين لا يمكن فصله عن خلفياته التاريخية والسياسية، محذراً من أن يتحول الإرث الاستعماري الإسباني إلى ورقة ضغط جديدة في إدارة ملف الصحراء والعلاقات مع المغرب.
وأفاد بأن هذا التشريع يتجاوز حدود كونه مجرد منح جوازات سفر للراغبين، فقد يشكل في جوهره محاولة لإعادة إحياء الرابط التاريخي بين إسبانيا ومنطقة الصحراء، موضحاً أن الخطوة تعد توظيفاً للإرث الاستعماري كقوة ضغط سياسية جديدة، ترتكز على توسيع نطاق المظلة القانونية والسياسية بين مدريد وآلاف الصحراويين.
وأضاف المتحدث أن "إسبانيا تسعى من خلال هذه المناورة إلى الدخول بثقل أكبر في كواليس ملف الصحراء المغربية، إذ ينتظر أن يفتح القانون الباب أمام زهاء 70 ألف شخص، إضافة إلى أحفاد المستفيدين وفق الشروط المحددة، للاستفادة من حرية التنقل والإقامة والعمل داخل بلدان الاتحاد الأوروبي بموجب القوانين الأوروبية المنظمة".
واستطرد مدير المركز البحثي بأن هذا المعطى من شأنه أن يؤدي إلى تشكيل "لوبي" يتمتع بحضور سياسي وحقوق انتخابية وتمثيلية، فضلاً عن تقديم ورقة خدمة سياسية لمصلحة جبهة "البوليساريو" المطالبة بانفصال الصحراء عن سيادة المملكة.
وخلص بن طلحة إلى أن "انتظام مدريد في هذه ’اللعبة القانونية والدبلوماسية‘ على الساحة الدولية يظل مفتوحاً على سيناريوهات عدة، فتحريك هذا الملف لن يمر من دون ردود فعل، بل سيعقبه تحريك لملفات أخرى على رقعة الشطرنج السياسية والدبلوماسية، ليس بدافع الانفعال أو ردود الفعل اللحظية، وإنما بالاستناد إلى منطق الحكمة والواقعية السياسية".