ملخص
تحررت دمشق بالكامل، وتعمل بيروت على فك ربقة "حزب الله" الإيراني بلبنان، وصنعاء تتحرر، وبغداد لا يأمن الإيرانيون جانبها أبداً، على رغم أن ولائييها أعلى أتباعها صوتاً بإعلان تبعيتهم لطهران ومرشدها الغامض. الحصار يخنقها، والقصف لا يتوقف عن استهداف منشآتها العسكرية والحيوية، والجيران لا يثقون بها، والعزلة الدولية تشتد عليها، وإيران التي تبجحت بالأمس بمشروعها التوسعي في المنطقة العربية انقلب سحرها عليها "وأصبح الطالب مطلوباً".
قبل عامين أو يزيد قليلاً، أي قبل أشهر معدودة، كانت إيران تتبجح بأنها قوة إقليمية "عظمى"، بل كانت تتغطرس علناً بأنها تحتل أربع عواصم عربية هي بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء.
فكيف أصبح المشهد الإيراني والإقليمي اليوم بعدما قامت "حماس" بعملية السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023؟ انقلب المشهد الإقليمي رأساً على عقب، وتغيرت الحسابات الاستراتيجية، وتبدلت المواقف، ولم يعد المشهد يُشبه أبداً ما كان عليه قبل عملية السابع من أكتوبر.
منذ ذلك التاريخ، فقدت إيران أهم حليف إقليمي لها وهو نظام الأسد (الرئيس المخلوع بشار الأسد) بهرب رئيسه نهاية عام 2024، وخروجها من سوريا بعدما صرفت المليارات ودفعت دماء غزيرة من ضباطها ومستشاريها.
دُمرت غزة عن بكرة أبيها، وخسرت عشرات الآلاف من الضحايا، وانزاحت "حماس" التي تعلن استعدادها لتسليم السلاح، وشعر الغزيون بخيبة أمل بوحدة الساحات، وقدرة إيران على إغاثتهم وهي لم تعد قادرة على إغاثة نفسها.
وفي لبنان، فقدت أهم أذرعها المسلحة التابعة لـ"الحرس الثوري" الإيراني وهو "حزب الله" الإيراني بلبنان، وفقدت قياداته وأشهرهم أمينه العام حسن نصرالله، بعدما حصدت إسرائيل قياداته العليا بعملية البيجرات الشهيرة. والأهم أن القيادة والحكومة اللبنانية تحررت من ربقة الثلث المعطل، وتمردت على أوامر طهران، وطردت سفيرها لدى بيروت الذي بقي بإقامة مواطن إيراني بعدما نُزعت عنه الصفة الدبلوماسية. وفقدت إيران حاضنتها الشعبية الشيعية بالجنوب بعدما تسبب حزبها بلبنان بتهجير أهله وتدمير ضِيعه وقراه ومدنه واحتلال أراضيهم حتى الآن.
في العراق، تتشكل أوضاع هشة ومتفجرة، وينحي العراقيون باللائمة في تدهور أوضاعهم المعيشية والخدمية والأمنية على الهيمنة الإيرانية على بلادهم بأيد عراقية اللسان، لكنها إيرانية الولاء، وتراجعت الحال المعيشية إلى حد نفاد الوقود والبنزين وانقطاع الكهرباء عن مناطق شاسعة نتيجة الفساد والانحدار الإداري. وعلى الحكومة العراقية ضغوط إقليمية وأميركية بضرورة حصر السلاح بيد الدولة بدلاً من انفلاته بأيدي ميليشيات "الحشد الشعبي" الولائية، وهو السلاح الذي تستخدمه إيران في حربها مع جيرانها.
وفي اليمن، تتدهور الحال الحوثية بعدما تحالفت قوى يمنية عديدة عليها من جبهات عدة بقيادة الحكومة الشرعية، مما أدى إلى تراجع النفوذ الحوثي إلى ما يقارب 80 في المئة فقط من الأراضي اليمنية، وعلى رغم أن الحوثي ارتكب عدواناً سافراً على السعودية نيابة عن إيران، محاولة لحرف الصراع اليمني الشرعي ضد الانقلاب الحوثي، وحتى في حال تحقيق بعض التقدم هنا أو التراجع هناك، فإن ساعة بداية الخلاص من الحوثي والقوى الانقلابية قد دقت ولن تتوقف إلا بميدان التحرير بقلب صنعاء.
إقليمياً، تعيش إيران أزمة ثقة لدى جميع جيرانها بعدما كررت عدوانها الغادر على الدول الخليجية والأردن، وحاولت أن تسوق وتبرر بقاء حالتها الملتهبة للشارع الإيراني المنكوب بالاعتداء على جيرانها، بعدما تلقت ضربات ماحقة من قبل أميركا وإسرائيل نهاية فبراير (شباط) الماضي، تلك الضربات التي أول ما استهدفت المرشد السابق علي خامنئي والقيادات العليا في البلاد بضربة معنوية ودموية مؤلمة، واستمرت الضربات 40 ليلة والطيران الأميركي والإسرائيلي يسرح ويمرح في سماء إيران من دون رادع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتعيش إيران حصاراً خانقاً أوقف عنها كل شيء، فلا تصدير لنفطها، ولا حركة بمطاراتها، ولا موانئها، ولا أموالها، ولا تدفقات مالية أو تحويلات مصرفية من أي نوع، فانهارت عملتها، وشحت معيشتها، وانعدم الوقود فيها، وعجزت عن تسليم رواتب موظفي الدولة ومؤسساتها، وهو ما اعترف به الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان داعياً إلى وقف الحرب مع أميركا بأسرع وقت قبل الانهيار الكبير لكل شيء.
لا أحد يتوهم أن النظام الإيراني سيسقط غداً، ولكن ما من عاقل يتابع الوضع إلا ويدرك أن بقاء هذا الوضع على ما هو عليه في إيران سيقود لانهيار حتمي شامل للحال الإيرانية، ولا يستبعد المراقب الحذق أن انهيار النظام الإيراني حتماً سيرافقه أذى كبير للمنطقة برمتها، ولقد تعايش المحيط مع الأذى الإيراني منذ مجيء الخميني للسلطة عام 1979.
تحررت دمشق بالكامل، وتعمل بيروت على فك ربقة "حزب الله" الإيراني بلبنان، وصنعاء تتحرر، وبغداد لا يأمن الإيرانيون جانبها أبداً، على رغم أن ولائييها أعلى أتباعها صوتاً بإعلان تبعيتهم لطهران ومرشدها الغامض. الحصار يخنقها، والقصف لا يتوقف عن استهداف منشآتها العسكرية والحيوية، والجيران لا يثقون بها، والعزلة الدولية تشتد عليها، وإيران التي تبجحت بالأمس بمشروعها التوسعي في المنطقة العربية انقلب سحرها عليها "وأصبح الطالب مطلوباً".